أمريكا تتراجع... لا أحد يتقدّم


صحافة عربية

آخر تحديث: الأربعاء 20 ديسمبر 2017 - 10:45 م بتوقيت القاهرة

نشرت صحيفة الحياة اللندنية مقالا للكاتب «حازم صاغية» جاء فيه: فى بيئة الممانعة ضجّة عالية الصوت: «العدوّ» الأمريكيّ يتقهقر. «حلفاؤنا» الروس والصينيّون يتقدّمون ويملأون الفراغ الذى يخلّفه انكفاء أمريكا. إذا نحن قاب قوسين من الانتصار.
الصحيح فى هذا الكلام ليس جديدا. الجديد فى هذا الكلام ليس صحيحا.
نعم، أمريكا تنكفئ. إنّها تفعل ذلك منذ باراك أوباما، خصوصا منذ بدأت تظهر العلامات الأولى على هزائم الثورات العربيّة. الانكفاء غذّى الهزائم والهزائم غذّت الانكفاء. جاء ترامب يعزّز هذه الوجهة بالغباء والشعبويّة والاعتباط وتحكيم أسوأ ما فى أمريكا بأمريكا وبالعالم.
ما ليس صحيحا أنّ الروس والصينيّين «حلفاؤنا». إنّهم يناكفون أمريكا فى منطقتنا ومناطق أخرى من العالم كى يصالحوها من موقع أقوى. علاقات البلدين بالخارج، وفى عداده إسرائيل، لا أثر فيها للأيديولوجيا وانحيازاتها. الكلمات المفتاحيّة فى قاموسهما ليست «الحقّ» أو «الصواب» أو «العدوان» أو «الشرّ» أو «الغلط». إنّها «الربح» و «الخسارة» فحسب.
الخطأ الآخر، وهو أكبر من سابقه، أنّ ما من قوّة فى العالم تغدو عالميّة بسبب سلاحها الجويّ، كما حال روسيا فى سوريّة، ولا حتّى بسبب اقتصادها القوى، وهى حال الصين اليوم.
من يغدو عالميّا لا بدّ أن يملك، إلى جانب الاقتصاد والسلاح، سلاحا لا تمتلكه الصين وروسيا راهنا. إنّه النموذج الجذّاب والمغرى. فبالنموذج، وعلى يد نابليون بونابرت، صارت فرنسا أوروبيّة، أى عالميّة بمعايير ذاك الزمن. لقد حاربت وغزت باسم الحرّيّة والقوميّة، ثمّ حوربت وهُزمت على أيدى الذين تعلّموا منها الحرّيّة والقوميّة. وبالنموذج صارت الولايات المتّحدة عالميّة، حاملة إلى العالم قيم الديموقراطيّة والفرديّة وما يسايرهما من مظهر وسلوك. واليوم قد تُهزَم الولايات المتّحدة فى هذه الساحة أو تلك من دون أن يُهزم ذاك النموذج. وفى حالات كثيرة يُستخدَم النموذج إيّاه لمحاربة أصحابه الأمريكيّين.
لقد صار الغرب الأوروبيّ ــ الأمريكيّ ما صاره لأنّه امتلك النموذج إلى جانب الاقتصاد والسلاح. لإدراك ذلك يكفى إجراء مقارنة معبّرة بين هشاشة القيم التى خلّفتها عشرات السنين السوفياتيّة فى العالم وصلابة ما أنشأه الاحتكاك بالغرب على صعيد المؤسّسات والقيم. وكم يبدو الأمر فاقعا، على مستويات العلم والعمل والتشبّه، حين يكون بلد كهولندا أو بلجيكا أو النرويج أشدّ تأثيرا من روسيا والصين مجتمعتين. هذا ما لا تستطيع أن تعوّضه مهارة سياسيّة لفلاديمير بوتين من هنا، أو لتشى جين بينغ من هناك، وهما مهارتان مؤكّدتان لا يرقى إليهما الشكّ.
ذاك أنّ الصين وروسيا لا تملكان ما تقدّمانه للعالم على هذه الأصعدة: الديموقراطيّة والحرّيّة والإعلام وأحوال الشبيبة وتدفّق الصور وتقنيّات العولمة، وطبعا الطبّ والعلوم. اليوم، لا يُطلب العلم فى الصين ولا فى روسيا. إنّهما لا تغريان أحدا بتقليدهما، اللهمّ باستثناء الحكّام غير الديموقراطيّين ومن يلفّ لفّهم.
وحدها النظرة السياسويّة التى ترى أنّ السياسة قوّة فحسب، ولا ترى فيها مكانا للنموذج، هى التى تشتقّ من تراجع أمريكا تقدّما لروسيا والصين، ثمّ تشتقّ من هذا التقدّم «انتصارا لنا». وحتّى إشعار آخر، يبقى تراجع أمريكا والغرب كارثة على العالم كلّه، ونحن فى عداده، خصوصا بيننا الفلسطينيّون الذين تظلمهم أمريكا المتراجعة أكثر كثيرا ممّا تظلمهم أمريكا المتقدّمة.
أمّا الممانعون فسيراكمون، بقوّة «حلفائهم»، انتصارات تلو انتصارات، إلى أن يأتى اليوم الذى يكتشفون فيه أنّهم، هم و«حلفاءهم»، يقبضون على هواء كثير.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved