صورة الواقع العربى الراهن


صحافة عربية

آخر تحديث: الأربعاء 21 يناير 2015 - 10:20 ص بتوقيت القاهرة

حقا إن من الشعر لحكمة، وأنه سجل حافل بالرؤى الإنسانية والخبرات الواقعية تلك التى تكشف عن رقى الإنسان أو تخلفه، وعن تطور المجتمعات وتعثرها، وهو - أى الشعر - بعيدا عن كل السفسطات السياسية والجدليات الفكرية يقترب من قضايا الإنسان ومن واقعه المتغير ببساطة ووضوح شديدين. وبين يدى الآن فى أثناء كتابة هذه الزاوية بيت من الشعر لا أعرف قائله ولا زمنه، قد يكون جاهليا أو أمويا أو عباسيا، وأيا كان عصر صاحبه فما يهمنى ويهم القارئ منه هى تلك الصورة التى التقطتها «كاميرا» الكلمات عن واقع العرب فى وقت ما وتكاد تنطبق على واقعهم الراهن فى وضوح مدهش لو أردنا الحديث عنها بالتفصيل لاحتاج ذلك منا إلى كتاب كامل أو أكثر من كتاب. والبيت المشار إليه هو:

أماتكمو من قبل موتكم الجهلُ

وجرّكمو من خفةٍ بكم النملُ

وكأنى بالشاعر - قبل أن يرسم هذه الصورة الساخرة عن قومه - قد كان يتأملهم فى كثرتهم وفى انخذالاتهم وفى قبولهم الاستسلام لواقعهم المزرى ولأعدائهم الذين عادة ما يترقبون لحظة الضعف لكى يضربوا ضربتهم التى لا تدع لخصمهم الضعيف فسحة من الوقت يستعيد خلالها انفاسه أو يلملم بعضا من قوته المهدرة. والصورة بالنسبة لنا نحن عرب بداية القرن الحادى والعشرين واقعية ومذهلة، فقد أماتنا جهلنا بالحياة الجديدة وبالوعى الكافى بالمعاصرة فى صورتها الإيجابية البناءة، وتحت وطأة ذلك الجهل أضعنا قرنا وأكثر دون أن نتمكن من وضع الأسس الأولية للتطور ومواجهة حالات التمزق، كما وضعنا ثقتنا فى عدو لدود كان قد جاء إلى منطقتنا غازيا وناهبا لثرواتنا وكان همه الأول أن يدفع بنا إلى مزيد من الضعف والفرقة ليتمكن من قهرنا وإذلالنا لأطول فترة ممكنة من الزمن، وهو ما حدث تماما.

شعوب كثيرة فى عالم اليوم كانت بعض الأقطار العربية قد سبقتها إلى الأخذ بأساليب الحضارة الحديثة ومناهج التطور، لكنها نجحت وخرجت من نفق التخلف بينما بقينا نحن بما فينا تلك الأقطار التى كانت توصف بالمتقدمة فى قلب النفق، ولم نتمكن من مواجهة مشكلاتنا الداخلية ولا من مواجهة الأعداء الذين فرضوا علينا طوقا من الحصار المعرفى، خشية أن نتوحد أو نتقدم، وذهبت كل محاولات الإصلاح فى التعليم والتغيير نحو الأفضل فى السياسة والاقتصاد أدراج الرياح، وكنا ولا نزال نعيش عالة على ما ينتجه الآخرون ويصنعونه، ولولا نعمة من الله أمدت بعض أقطارنا بمنابع البترول لكانت حالنا أسوأ مما هى عليه بما لا يقاس. والصورة الأشد والأنكى هى تلك التى ستكون عليها بعد نفاد البترول أو بعد الاستغناء عنه بالطاقة الشمسية أو بأية طاقة أخرى.

إن تشتت أقطار الأمة الواحدة واحتياج بعض هذه الأقطار إلى حماية من خارجها قد أضعف من كيان الجميع وعمل على تكريس واقع يثير الأسى والإشفاق، وما لم يدرك العرب فى لحظة صحيان أبعاد المسار الصحيح للنهوض والاعتماد على الذات والاحتماء ببعضهم لا بعدوهم، فإن المستقبل المنشود لن يتحقق وسيظل الضعف يستشرى فى الكيان الممزق الهزيل إلى أن تصل الكارثة إلى نهايتها. وتبقى الصورة التى رسمها الشاعر العربى أيا كان عصره، محل نظر واعتبار إلى أن يثبت العرب أنفسهم بالأفعال لا بالأقوال، أنهم قد غادروا ساحة الجهل تجاه المعارف الجديدة والمعلومات الأكثر التصاقا بالواقع وبمشروع التغيير، وأن يثبتوا لأنفسهم أولا وللعالم ثانيا أن النمل البشرى لم يعد قادرا على أن يجرهم بعيدا عن أهدافهم.

ولا ننسى دائما وأبدا، أن هناك مئات من الأبيات الشعرية وعشرات القصائد القديمة والحديثة التى تنتقد حالة الخمول العربى والجمود السائد فى أوساط الأمة، لكن هذا البيت الذى اخترت الحديث عنه فى هذه الزاوية يبدو أكثرها تمثلا للواقع الراهن وما تتعرض له الأمة بسبب ضعفها وجهل أبنائها من اختراقات جسيمة ومن إذلال وهوان وصلا فى الآونة الأخيرة حدا لا يُحتمل ولا يُطاق.

عبدالعزيز المقالح - الخليج - الإمارات

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved