عبادة السرعة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 21 يناير 2015 - 8:10 ص بتوقيت القاهرة

اخترت أياما فى الأسبوع بعينها، أستيقظ على راحتى وأرتدى على المهل أحلى ثيابى وأخرج من البيت إلى الحديقة لأمشى فى اتجاهها على أطراف أصابعى. الشوق إليها فى هذا البرد يدفئ ضلوعى وأطرافى ويشدنى إليها. أقترب منها. لا ألتصق بجسدى ولكن أنحنى برأسى أشم رائحتها مرة ومرة وأطمئن إلى أنها وأخواتها بخير. أعود إلى البيت كما جئت على أطراف أصابعى، أعود جاهزا لأبدأ على المهل وبكل الهدوء الممكن وعلى أنغام موسيقى ناعمة يوما آخر.. ولكن مختلف.

حققت حلما. قضيت سنوات عديدة أحلم بأن أجد الوقت لأشم زهرة وهى لا تزال فى موقعها الطبيعى بين خضرة تبرز جمالها وأشواك تحميها. أخيرا تحقق الحلم. انتزعت لنفسى من الأسبوع أياما أحدد فيها من أرى ومتى ولماذا. أنظم خلالها مواعيد غذائى وشرابى. أصحح فيها علاقاتى بالهواتف والكمبيوتر وغيرهما من وسائل التواصل الحديثة، علاقات انحرفت وطغت واستبدت حتى كادت تحرمنى من متعة ممارسة حياة «إنسانية» راقية. تسربت إلى وقتى فسرقت أغلبه. لم تترك لى منه إلا فتاته أو أصعبه. ضيقت الخناق على كل ما أحب وكل من أحب بحرمانهم من أغلب وقتى. صرت أشعر بأنها تتآمر مع قوى أخرى لتجفيف منابع استمد منها حاجتى من حنان وحب.

•••

أخيرا تمردت. تمردت عندما وجدت نفسى أسأل، متى كانت آخر مرة وجدت وقتا لأشم زهرة؟ وأسأل، متى كانت آخر مرة وجدت الوقت لأمارس فيه هواية التفكير اللذيذ فى شىء أو شخص أحبه؟ متى كانت آخر مرة عشت فيها لحظات ممتدة أتأمل فيها فلسفيا أو عاطفيا حال الدنيا وأحوالى الخاصة؟ أكاد لا أذكر، وإن حاولت فلن أفلح لأننى صرت عبدا للسرعة. كل ما هو حولى يطالبنى بأن أسرع، وإن استجبت وأسرعت يطالبنى بأن أزيد السرعة. أسرع الخطى وأسرع التفكير وأسرع الكتابة والقراءة وأسرع الكلام. وكلما أسرعت، ومع عكس ما وعدونا، ازداد ضيق الوقت.

اكتشفت أن السرعة عدو الوقت. خدعونا حين قالوا أسرع تجد متسعا من الوقت لتفعل ما تريد. قرأت لصناعى يابانى كبير، مسئول قسم إنتاج الكمبيوتر المحمول فى شركة هيتاشى، توصيفا للسرعة يحمل معان كثيرة. قال: «السرعة هى الخالق، والوقت هو الشيطان». عدوان لدودان يعيشان فى جسد واحد. المسئول الصناعى اليابانى على حق. فالحياة، بحساب الوقت الحقيقى، تزداد سرعتها إلى حد يبدو عنده الوقت وقد كاد يختفى. نسرع فى كل ما نفعله ولا ندرك أن الانشغال بالسرعة أفقدنا الوقت، كقيمة إنسانية. عرفنا، وإن متأخرا، أن سرعة أكثر معناها وقت أقل ومعرفة أقل وعمق أقل.

•••

السرعة ظاهرة حديثة مرتبطة بالثورة الصناعية وثورات التكنولوجيا والاتصال والمعلومات. نذكر جيدا كيف ربطها توماس فريدمان بالعولمة. يعتقد توماس أن العالم صار قرية شديدة الترابط. ثم حدثت تطورات تثبت أن فريدمان أخطأ. فالقرية التى كان يحلم بها هى الآن أكثر انفراطا من أى وقت مضى. تقديس فريدمان للسرعة سبقه إليه فيليبو توماسو مارينيتى الذى كتبه عام 1909 فى «المانفستو المستقبلى». يقول مارينيتى «إن العالم ازداد روعة بتأثير فتنة حديثة.. فتنة السرعة.»

بعض أنصار الفكر الليبرالى، وفكر التحديث عموما، يذكر العبارة الشهيرة لجوزيف شومبيتر عن «التدمير الخلاق»، أى التخلص من القديم واستحضار الجديد، والأسرع هو الأفضل. منذ ذلك الحين ونحن نمارس عبادة السرعة، سرعة إيجاد رغبات لا تنتهى ولا حاجة حقيقية أو حتى ضرورية لها، سرعة إنتاج سلع وخدمات، سرعة نمو نوع جديد من الرأسمالية، ولكنه النمو الذى لا يعاد توزيع ناتجه، نوع من الرأسمالية لا ينتج سلعا، ولا يجدد ولا يشغل عمالة، رأسمالية مالية تتجه بسرعة مخيفة نحو عنق الانفجار لأنها لا تحتمل إعادة التوزيع ولأنها فى الحقيقة ليس لديها ما توزعه. بمعنى آخر يصبح حلم العدالة الاجتماعية فى ظلها مستحيلا. ومع ذلك تنمو هذه الرأسمالية بسرعة تفوق أى سرعة عهدناها. سرعة لا تنتهى فهناك دائما ما هو أسرع من هذه السرعة، تماما كاليمين السياسى الذى يفتقر إلى حدود يتوقف عندها تمدده.

أنت تسرع فتزداد توترا، وينتقل التوتر مع القلق من صاحب العمل إلى العمال ومن القادة إلى الشعوب ومن الآباء إلى الأبناء. كان التصور السائد لدى أصحاب مفهوم القرية العالمية، أنه سيكون لدينا فى ظل العولمة وقتا إضافيا للراحة والاستجمام، ووقت فراغ حر نضيف فيه إلى مخزون معلوماتنا ومعارفنا مصادر مختلفة ونتعرف إلى مواهب جديدة ونتذوق من أطايب الثقافات والعادات ما يجعل لحياتنا معنى أو يزيدها ثراء. حرمنا من كل هذا تقديسنا للسرعة وخضوعنا لثقافتها وقواعدها.

تنبأ ريتشارد نيكسون فى عام 1956 بأنه بعد سنوات معدودة سوف لن يزيد أسبوع العمل عن أربعة أيام. وفى عقد الستينيات استمعت لجنة فى مجلس الشيوخ الأمريكى إلى خبراء شهدوا بأنه بحلول عام 2000 لن يعمل الأمريكيون أكثر من 14 ساعة أسبوعيا. ما حدث ليحبط هذه التنبؤات المتفائلة هو أن التكنولوجيا التى كان هدفها راحة الإنسان وتحريره، تحولت هى نفسها إلى طاقة تزيد توتره وتخنق وقته وتستعبده.

كان حلم هنرى فورد فى مطلع القرن العشرين أن يحقق نمطا إنتاجيا فى الصناعة يضمن للعامل 8 ساعات عمل و8 ساعات لهو وتسلية وتحصيل معرفة و8 ساعات راحة. هذا العامل الأمريكى، بعد أكثر من قرن من حلم هنرى فورد يعمل أكثر من 16 ساعة فى اليوم، أى أكثر من الساعات التى كان يقضيها العامل فى أشد مراحل الثورة الصناعية صعوبة وقسوة.

•••

أظن أنه غير صحيح الزعم بأن شبان هذه الأيام يقضون ساعات فى القراءة تقارب عدد الساعات التى كان يقضيها شبان العقود الماضية. السؤال الأهم ليس إن كانوا يقرأون أكثر أو أقل، وإنما ماذا يقرأون وكيف يقرأون. هم بالتأكيد، وحسب إحصاءات ودراسات حديثة، يقرأون أكثر، ولكن بسرعة شديدة.

السرعة الآن مطلوبة فى القراءة وفى الكتابة أيضا، أكثر من أى وقت مضى، حتى وإن جاءت على حساب الاستيعاب. السرعة مفروضة علينا حتى وإن تسببت فى تعطيل القدرة على الفهم والتحليل.

وبما أننى لا أنتمى بحساب السنوات إلى فئة شبان هذه الأيام، أستطيع التباهى بأننى من دعاة شن حملة قومية لتخفيض السرعة من أجل حياة أفضل، وبخاصة إذا كانت السرعة الأقل تعنى توفير وقت يسمح بشم زهرة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved