استعادة طاقة الثورة وأحلامها

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 21 يناير 2016 - 3:00 م بتوقيت القاهرة

ينكرون أن ثورات نشبت ويتصرفون كأن الثورات مازالت ناشبة. وبالفعل بعضها ما يزال ناشبا فى صور عديدة وبعض آخر انتقل إلى مراحل أبعد من الثورة. ينكرون أن ثورات نشبت رغم أنهم كانوا يتوقعون نشوبها واستخدموا القمع المبالغ فيه لمنع نشوبها، وحين نشبت وكان لابد أن تنشب، زعموا أن المؤامرة الدولية دفعت إلى نشوبها. مازالوا يرفضون الاعتراف أن التدخل الخارجى كان عاملا ثانويا، وأن الثورات كانت على جميع الأبواب العربية، والاعتراف أنهم بالقمع الشديد وبالعجز والارتباك والخوف عجلوا بنشوبها.

•••

عاشت المنطقة العربية سنوات تحت حكم أنظمة أغلبها يرفض فكرة أن المجتمعات العربية فى حاجة ماسة إلى تغييرات، بعضها جذرى. منها من لم يرفض الفكرة اختار تأجيل التغيير ليقوم بها من يأتى بعده أو حين تتغير الظروف القائمة. أغلب النخب الحاكمة أخطأت، وبعضها مازال يرتكب نفس الخطأ، حين أمعن ويمعن فى رفض فكرة الحاجة للتغيير أو حين قرر تأجيل القيام بالتغيير. أخطأوا لأن المجتمعات كانت تتغير من داخلها فى اتجاهات شتى وتلقائية، بينما المؤسسات مجمدة، وبينما يزداد تخلف الفكر السياسى للنخب الحاكمة، وبينما بقيت أدوات السيطرة تقليدية ومتعجرفة.

لم نكن فى الحكم، ولم نكن حتى قريبين منه، ومع ذلك كنا وكثيرين من حولنا نرى بوضوح عمق التغيير الذى لحق بمجتمعاتنا. تأكدنا كما تأكد خبراء فى الخارجو أن عرب الألفية مختلفون عن عرب القرن العشرين، عرب الألفية يجسدون خلاصة بارزة ومركزة لتجارب مكثفة ومتنوعة دخلتها الأمة على امتداد نصف قرن، لعله نصف القرن الأهم فى العصور الحديثة. يحمل عرب الألفية وزر الاعتراف بأن الانتصارات العربية منذ الاستقلال وحتى سنوات الانكشاف التى نعيشها الآن كانت دون المستوى. كانت دون مستوى توقعاتنا الوطنية والقومية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. أما هزائمنا فكانت كارثية. صحيح أن فترات النهضة والتصدى وإثبات الوجود وصعود الهمم كانت مهمة لاستمرار بقائنا واشعال طموحاتنا، ولكنها كانت قصيرة العمر ولم تكن على مستوى الأمانة الذى تطلبه صيانتها أو إطالة عمرها أو تجديد منابعها.

•••

يحمل المخضرمون من عرب الألفية على أكتافهم عبء انتصارات إسرائيلية مهينة، انتصار بعد انتصار. أغلب شباب الألفية جاء ليجد إسرائيل واقعا لا يأتى ذكره فى خطب وتصريحات المسئولين إلا لماما وتتهرب من نشر أخباره الصحف الرسمية. امتنعت الجامعات العربية عن تدريس إسرائيل، وامتنعت المدارس عن تلقين التلاميذ ظروف نشأتها وحروبها ومشاريع استيطانها وبشاعة عقيدتها، كانت انتصارات إسرائيل العسكرية والسياسية وستظل بذرة من بذور الثورة فى العالم العربى.

•••

عرب الألفية، بقايا أمة أحرجتها وكسرت كرامتها الحرب الأمريكية على العراق. هؤلاء لن ينعموا يوما براحة ضمير فقد وقفوا متفرجين على شعب عربى يتفسخ، ثروته تبدد ومستقبله يشتد إظلاما بعد سنوات داكنة من الكبت والقمع والظلم. جاءت الحرب الأشد سفالة فى تاريخ الحروب الحديثة، لتضيف دونية إلى الدونية التى خلفتها انتصارات إسرائيل، ولتغرس بذرة أخرى فى تربة حقل مخصب بالغضب والإحباط والقمع.

عرب الألفية، أكثرهم شباب. شباب لا يجدون فرص عمل كافية، وإن وجدوا فعائدها لا يقيم أود عائلة. جاءت مرحلة ساد بين شباب الألفية الظن بأنه بالمشاركة السياسية قد يحصل على تغيير لمصلحته فراح يطالب بالمشاركة ورفض طلبه. طالب بوظيفة ورفض طلبه، طالب بحق التعبير وحقوق أخرى قرأ عنها فى الشبكة الإلكترونية ورفض طلبه. راح يقرأ ويناقش الفكر المتطرف التجاء فيه وهروبا من فكر سياسى عقيم وإعلام فى أحسن أوصافه رتيب، فعوقب. بذرة أخرى من بذور الثورة غرسها ويرويها الرفض المتعاقب لمطالب مشروعه لشباب هم النسبة الأكبر من عرب الألفية.

•••

تقدمت وسائل الاتصال والمعلومات. وصلت هذه الوسائل إلينا، أى إلى عرب الألفية، بشكل «ثورى». وصلت فجأة وبزخم هائل وبسرعة مدهشة. عبأت أجواء الشباب بمفاهيم الحقوق والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات والمساواة، أحاطتهم بأفكار تعتبرها القيادات التقليدية الحاكمة أفكارا ليست أقل تطرفا من الأفكار الدينية التكفيرية والإرهابية، ساوت بينها فى الثواب والعقاب. هكذا انغرست بذرة أخرى من بذور الثورة فى عرب الألفية، وهكذا توحدت فى الذهن الأمنى مفاهيم التطرف الدينى ومطالب الحقوق السياسية والاجتماعية وتوحدت أساليب مواجهتها فى مطاردة تعرف جميع الأطراف فيها أنها ستكون مطاردة بدون هوادة وبدون نهاية.

•••

شاءت الظروف أن يبدأ القرن الجديد بأزمة اقتصادية ضربت النظام الاقتصادى العالمى ضربة موجعة لم يتعافَ منها حتى الآن. قيل وقتها إن أمة العرب لن تتأثر بالأزمة وتداعياتها، باعتبار أنها تعيش خارج الزمن. أخطأوا، فالأزمة التى أثرت فى اقتصادات الصين وأفريقيا كان لابد أن تؤثر وإن بعد حين فى اقتصادات العرب ومجتمعاتهم. بالفعل أثرت فى أنماط الهجرة وانتقال العمالة وفى انخفاض عائدات الاغتراب فى جميع دول شمال أفريقيا. وقد يثبت أنها لعبت دورا بشكل غير مباشر، فى تدهور أسعار النفط. هذه الأزمة بحواشيها ربما حرمت الأنظمة الحاكمة فى بعض الدول العربية من إمكانية توجيه إمكانات مادية نحو مشكلات اجتماعية بعينها لتخفف من غضب المحرومين والفقراء والمهمشين وسكان العشوائيات والمطالبين بخدمات تدفع عنهم شعور المهانة ونقص الكرامة.

•••

ليس من المبالغة اعتبار الفساد أحد أهم أسباب غضب المواطن، ومن ثم أحد أهم بذور الثورة بين عرب الألفية. تبقى الشكوى من الفساد على مختلف المستويات ممارسة يومية ودائمة فى مجتمعات كثيرة، ولكنها تصبح حادة ودافعة لغضب أشد فى مجتمعات محشوة بالعديد والمتنوع من بذور الثورة. كانت الشكوى من الفساد بارزة فى قائمة مطالب العدالة الاجتماعية التى رفعتها جماهير ثورات الربيع العربى، وماتزال بارزة فى أشكال غير مألوفة فى جميع المجتمعات العربية، تعبيرا عن غضب يتفاقم مختلطا ببذور أخرى من بذور الثورة.

•••

لنكن صرحاء فى سعينا لتحقيق الاستقرار فى مجتمعاتنا والتوصل إلى تسوية «تاريخية». نقولها عن اقتناع وشعور بالمسئولية، الثورة لازالت ناشبة وإن بدرجات متفاوته فى معظم إن لم يكن كل أنحاء المنطقة، ولا تفسير أو تحليل محترم لأحوال عديد من الدول العربية فى الآونة الراهنة يمكنه أن يتجاهل هذه الحقيقة.

لن يجدى نفعا لأى طرف الحديث المتكرر عن المؤامرة الخارجية. هذا الحديث لن يقنع الجماهير الغاضبة أو المستاءة أو المتضررة من ممارسات ونقائص هى تعرفها ونحن نعرفها والحكومات تعرفها. هناك تدخلات أجنبية لاشك فيها. حدثت هذه التدخلات منذ أقامت الجماعات والدول علاقات بينها وتحدث الآن وسوف تستمر تحدث. لن نختلف على أن مسئولية الدول عن أى ضرر تتعرض له الشعوب نتيجة هذا التدخل الأجنبى تتحملها الدول المتدخلة كما الدول المتدخل فيها، لا نختلف على حق الدول فى صد التدخل غير المرغوب فيه، وفشلها فى هذا يعنى تقصيرها عن أداء هذا الواجب. أما الدولة المتدخلة فلن تتوقف عن التدخل من تلقاء نفسها أو لأسباب أخلاقية أو مبادئ سياسية، لم يحدث فى تاريخ العلاقات الدولية ولن يحدث أن تمتنع الدول عن التدخل فى شئون الدول الأخرى. نحن أنفسنا قدمنا الدليل. كنا فى صدارة الأمم التى دأبت على استدعاء التدخلات الأجنبية. كنا أيضا فى صدارة الدول التى دأبت هى نفسها على التدخل فى شئون بعضها البعض.

•••

كذلك لن يكون مفيدا الاستمرار فى سياسات كبت الحريات وتقييد ممارسة الحقوق الإنسانية. الكبت والتقييد يفيدان فقط فى سرعة تخصيب «بذور الثورة» المغروسة فى تربة المجتمعات التى تعانى مشكلات اقتصادية واجتماعية ونقص فى العدالة والمساواة، لن يفيد الاستقرار أو الشعور به إلا ربما لمدد قصيرة محدودة هى المدد التى يجرى خلالها تخصيب بذور الثورة فى حماية مظلة التعتيم ومنع التظاهر والتضييق الإعلامى والسياسى. من يقول إن الشعب سيتعود على نقص الحقوق والحريات شخص واهم ومتوهم وجود قوى قمع اسطورية وميزانية أمن هائلة وشعب بدون ذاكرة ومجتمع دولى ممتنع عن التدخل وشباب فاقد الإحساس بشبابه وحاجاته والرغبة فى العيش الكريم.

•••

مازالت بذور ثورات الربيع تجد فى المجتمعات التى نشبت فيها ما ومن يرويها ويبقيها حية وجاهزة لإثبات قدرتها على النمو والتفتح. يرويها الغضب نتيجة إجراءات القمع والكبت، يرويها أيضا حنين لم ينقطع لدى ملايين الناس إلى أيام قاموا بتسجيلها تاريخا شخصيا لا ينسى. أيام لا ينقص من قيمتها وروعتها دور لعبته وماتزال تلعبه قوى خرجت من أحشاء المجتمع العميق لتستنزف الطاقة التى تفجرت وتبدد الأحلام التى تفتقت. أعرف، وأتمنى أن يعرف من يخطط لأمن واستقرار وسلام اجتماعى ونهضة حضارية أنه بدون هذه الطاقة وبدون تلك الأحلام، سيكون فى حكم المستحيل إنجاز هذه الخطط أو غيرها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved