الثورة ناقصة بدون دبلوماسية ثورية

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 21 يوليه 2011 - 8:43 ص بتوقيت القاهرة

 منشغلون بالثورة. البعض منشغل بها مباشرة كالباحثين عن إطار تاريخى يضعونها فيه علهم يفهمون من السياق ما استعصى عليهم فهمه بسبب ضجيج الميادين وزحمة التصريحات والنظريات أو منشغل بها انشغال المنقبين فى تربة مصرعن بذور أو جذور تبرر أو تشرح أسباب تأخير نشوبها وتتنبأ بصلابتها أو رخاوتها.

منهم أيضا من انشغل بها منبهرا بما حققت وبما يرى من مشاهد لم يشاهد مثلها من قبل، ويخشى ألا تتكرر المشاهد فهو يصطحب معه أطفاله إلى ميادين الثورة ليشاهدوا حدثا قد لا يتكرر فى حياتهم. هؤلاء مثل كل الرومانسيين قضوا معظم سنوات حياتهم يحلمون بلحظة ثورة ويتلهفون للاشتراك فى تظاهرة «مئوية» حين لم يكن الخيال يسمح بأكثر من تظاهرة مئوية وفى أحلك الظروف ألفية. أكثرهم لم يعرف خلال مسيرة حياتهم مظاهرات سوى مظاهرة العشرات على سلالم نقابة الصحفيين.

آخرون، وهم ليسوا أقل عددا على أى حال، منشغلون أيضا بالثورة وإن بطريق غير مباشر. هؤلاء شغلتهم الثورة منذ أن تسببت فى شغور مناصب عديدة ومهمة وانفتاح طرق إلى مواقع فى السلطة كانت مغلقة، وزاد انشغال هذا الفريق من المنتسبين للثورة حين اتضح أن بعض الأبواب، التى تفتح على مناصب أبواب «دوارة» أى الداخل عبرها لا يلبث أن يخرج منها. انفتحت سبل تداول المناصب على غير ما كان يحلم به منظرو الثورة والديمقراطية على حد سواء.

●●●

صادفت قبل أيام معارف وأصدقاء من المنشغلين بالثورة، وفاجأتنى درجة انشغال البعض منهم. لم أكن أعرف أن هناك من انشغل بالثورة إلى حد أنه انفصل، أو كاد ينفصل تماما، عن هموم خصوصياته وعن كثير من تفاصيل ما يحدث فى العالم. وجدت عددا كاد ينطبق عليه وصف محترف ثورة.

علمت أن بعضا ينصرفون أياما لا تعرف عنهم عائلاتهم الكثير ولا يهتمون بتصريف شئون أعمالهم وبيوتهم. خلال شهور ستة كان نداء الثورة يسبق أى نداء يدعو لتلبية واجب آخر. كان العائد، وما يزال، يستحق الانشغال بالثورة وبخاصة النفوس التى تطهرت بفعل الثورة والعقول التى تنورت بنورها والعلاقات الإنسانية التى نشأت وتعمقت بوجودها.

مع ذلك لا أستطيع أن أخفى قلقى على أن ما يكسبه شخص من وراء ادعاء الانشغال بالثورة لن يعوض ما يفقده من روابط أسرية ومن ممتلكات خاصة تنهب ومن أمن شخصى منتهك. ولن يعوض ما أهمله من شئون أخرى يعتمد عليها أبناء وطنه.

هذا عن الداخل، أما عن الخارج فهناك بين المنشغلين بالثورة كثيرون اهتموا بدقائق الثورة وانقساماتها والخوف عليها حتى إنهم صاروا لا يأبهون أو يهتمون إذا الأتراك فى غمرة انشغال ثوار العرب وحكوماتهم بالثورات العربية عادوا لامتلاك مفاتيح أبواب قلاع وأسوار العواصم العربية التليدة، وإذا الإيرانيون نجحوا فى غرس ما يشبه الوقيعة بين استراتيجيين أمريكيين واستراتيجيين إسرائيليين فخرجوا سالمين من حرب كادت تكون وشيكة.

وإذا إسرائيل استقر عزمها على الدخول فى سباق مع الزمن ليحصدوا ثمار الانشغال بالثورات العربية قبل أن يصل المد الثورى العربى إلى مداه ويعود الثوار لتصفية الحساب معها، عندها قد يكتشف الثوار أن فلسطين سرقت خلال انشغالهم بثوراتهم، وأن العالم الغربى بارك السرقة وقت ارتكابها وجعلها أمرا واقعا.

●●●

سمعت ثوارا، ولم يكونوا كلهم من جيل الشباب، يقولون إن الأفضل «لثورتنا» أن تخصص لها كل الجهد فلا تتبعثر اهتماماتنا حتى نحقق ما ثرنا لتحقيقه. صعب أن نجادل أصحاب هذا الرأى الوجيه، وفى الغالب هو رأى صادق صادر عن نوايا «ثورية» طيبة. وأظن أن جانبا من نجاح الأيام الأولى لهذه الثورة يعزى إلى أن شباب الثوار وقادة مراحلها الأولى تجنبوا قدر الإمكان إثارة قضايا فى ميادين الثورة فى تونس ومصر وبعدهما فى اليمن وسوريا تتعلق بأوضاع إقليمية ودولية، ولم تمض أسابيع إلا وكان هؤلاء الثوار أنفسهم يكتشفون يوما بعد يوم أن «الخارج» أو بعضه على الأقل تسرب إلى الداخل رغم§ انشغالهم المفرط به لأسباب ليس أقلها شأنا أن يبقى الثورة منشغلة بالداخل. ولا شك عندى، وليس هذا اليقين نابعا من اعتقاد فى المؤامرة أو إيمانا بنظرياتها، فى أن ثورتنا لو كانت خرجت إلى الخارج متسربة أو مقتحمة قبل أن يتسرب إليها أو يقتحمها الخارجيون لوفرنا عليها وعلينا صعوبات جمة وتضحيات شتى.

لم يعد سرا أن هذه الثورة، تعانى من صعوبات جمة وتقدم تضحيات جسيمة، ولم يعد سرا أن القلق بشأنها يعم أرجاء الشرق الأوسط، بعربه وأعاجمه، ويهز قناعات فى دول الغرب، كان الظن أنها استقرت. البحث جار وبهرولة لافتة للنظر، فى دول الشرق الأوسط والدول الغربية على حد سواء عن منح وقروض ومعونات ومساعدات لدول الثورات وإن بشروط. وقد تأخرت دول الثورات فى الاستجابة بدوافع منها التردد والشك وضباب الحكم وتناقضات الثورة، ووصلت أموال وتنافس المتنافسون واهتم قطاع من الثوار وتمدد الاهتمام إلى الشئون الخارجية عامة وانضم إليهم متعاطفون وثوار مخضرمون.

وخرج يتقدم الصفوف شباب من وزارة الخارجية، هؤلاء أدركوا بحسهم المهنى وحساسياتهم الوطنية خطورة استمرار انغماس الثورة فى شئونها الصغيرة وانحباسها فى «زنقات» السياسة الداخلية. هؤلاء هم أشد العارفين بالعواقب الوخيمة التى يمكن ان تعود على مصر إذا استمر الثوار فى غالبيتهم فى إهمال ما يحدث خارج حدود مصر.

●●●

يتحدثون عن شعوب عربية يقتل أبناؤها فى سوريا وفلسطين واليمن والبحرين وليبيا، وعن سودان جديد وربما سودان ثالث ورابع، وعن أكراد فى سوريا يطالبون بحذف الصفة العربية من عنوان الجمهورية العربية السورية أسوة بالعراق وتشبها بقرار الملك المغربى تسمية اللغة البربرية لغة رسمية ثانية. ألا تثير هذه التغييرات فضول المسئولين فى مصر عن السياسة الخارجية لاستقراء مستقبل بلادهم وموقعه فى إقليم سوف يختلف حتما عن الإقليم الذى نشبت فى رحابه ثورات الربيع؟
أمن الثورة المصرية، وبقية ثورات العرب،معلق بالسرعة، التى سوف يعلن بها ثوار مصر مبادئ السياسة الخارجية المصرية فى عهدها الثورى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved