سندريلا

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 - 10:15 م بتوقيت القاهرة

أعرفها منذ وقت طويل. كانت وهى صغيرة تعشق قصة سندريلا. تقرؤها بعد الدرس وقبل النوم. أسمعها تحكيها لرفيقاتها. مرة تحكيها قصة حزينة ومرات تنشر بها السعادة والبهجة. كبرت وسمعت أنها حققت حلم طفولتها. اختارت أميرا أو من كاد أن يكون أميرا. لعلها لم تسع إليه فاحترمت القصة. تركته يقترب منها متوددا ومبديا إعجابه بها. دعاها إلى الرقص فلبت مترددة قليلا ولكن مقبلة. قصص ذاك الزمن لم تعرف التحرش الجنسى وإلا ما كان اقترب وتودد، وما كانت فتاتنا حققت ما أرادت فتزوجت أمير أحلامها، وما كنا سمعنا بلسانها تتمة قصة سندريلا.. تتمة لم نقرأها ولم نسمعها منها وهى صغيرة.. تتمة جديدة صاغتها بنفسها هى وأميرها شريك حياتها.

*******

تسألنى عن أميرى وشريك حياتى أُجِبْكَ بسرعة حتى لا تذهب بعيدا. أعرف ما يدور فى ذهنك. أيام هانئة فى عش من الزهور. اثنان؛ سندريلا وأميرها يتناجيان ويتهامسان ويتبادلان القبل طول النهار ومعظم الليل. تظن أن الفتاة الفاتنة التى وقفت فى الصف بين الأميرات لم تتغير.. قوام خارق للعادة على رأى التونسيات من بنات جيلى.. شعر أسود منسدل.. خصلات منه لا تتخلى أبدا عن موقعها فوق صدرى وخصلات أكثر وأغزر على ظهرى. التاج إياه ما زال على رأسى منذ تلك الليلة التى لا شك تذكرها أنت وملايين غيرك من عشاق قصة سندريلا. يؤسفنى وقد جئت أخيب أملك فأقول إن هذا الذى يدور فى رأسك وترويه ظنونك بعيد عن الواقع، واقع القصة التى تعمَّد خيالك اختزالها وواقع سندريلا التى هى أنا وواقع كل سندريلا اختارت من أحلامها 
أميرا تزوجته أو اختارته شريك حياة. 

*******
أنت، مثل كل الرجال المحترمين، تقرأ وتسمع إحصاءات تكشف عن ارتفاع فى نسب الطلاق فى أغلب المجتمعات. أعرف ــ ودون أن تخبرنى أنت ــ أنك مثل كل الرجال المحترمين، تعتقد أن مثل هذه الأمور لا تحدث فى عائلتك ولا فى قبيلتك. ستقول وتقسم أنك عشت طول حياتك لم تسمع عن طلاق هز أركان العلاقة الزوجية فى بيوت أهلك، ولا تلك التى تحدث عنها الأقرباء والجيران. الطلاق أمر مؤسف يحدث للآخرين. كيف يمكن للخيال أن يتصور أن سندريلا المقيمة فى ضمير كل نسائنا وخيالات كل رجالنا أخفقت فى حياتها وخرجت عن سياق القصة.. سندريلا، رمز البراءة والطهارة والأخلاق الحميدة.. سندريلا التى وعدت بتوظيف كل هذه الفضائل لإسعاد أمير أحلامها.. سندريلا التى لا تخطئ ولا تقصر.

*******
سندريلا، ليست دائما بالصفات التى تصفون. هى تخطئ وتقصر. سندريلا، يا أستاذى ــ وأرجوك لا تغضب ــ خانت قصتها. يحملون الرجل مسئولية فشل كل زواج. الرجل «عينه زايغة»، الرجل «فلاتى». أقول لهم إن الرجل بشر يشعر بما يشعر به البشر وأحيانا غير البشر من المخلوقات. وكذلك المرأة. المرأة بشر. أم تنكرون؟. الرغبة لدى الرجل فى شريكة حياته، فى سندريلا، يمكن أن تنحسر، كذلك يمكن أن تحسر رغبة المرأة فى شريك حياتها مع مرور الوقت أو تغير الظروف. الرجل يحب المغامرات. يحب المجازفة ليشبع كبرياءه أو يرضى تطلعاته، كذلك المرأة وإن فى مجالات تخصها وتتفوق فيها وبأساليب الحرص والحذر كالكتمان ودقة التخطيط. الرجل يصيبه الملل. والملل إن طال أمده وصار سمة حياة أوصل إلى التمرد وأشعل الرغبة الحاسمة فى التغيير. لمن التقى سندريلا ويريدها شريكة حياة أقول له: «لم توجد بعد سندريلا التى لم تتمرد على حياتها وشراكتها فى هذه الحياة عندما أصابها ملل عظيم وقلق رهيب نتيجة «زهق» متقطع أو مستديم».

*******
الرجل، كما المرأة، من المخلوقات التى تسعى للمحافظة على النوع. جميعها فى سعيه هذا يؤدى وظائف متطابقة. مثلا وأولا، كل المخلوقات ترصد بالدقة الواجبة وبصفة مستمرة صعود وهبوط «قيمة» شريك الحياة. تتمسك به مادامت قيمته مرتفعة. المرأة قد تفكر فى التغيير إذا شعرت بأن قيمتها الذاتية ارتفعت إلى حد دفع إلى انخفاض قيمة الشريك الأول. امرأة هبطت عليها ثروة مفاجئة أو حصلت على منصب أو جاه عظيم أو شعرت، بسبب عمليات تجميل أو عجز أصاب شريكها، أنها صارت محط الانتباه والجاذبية، هذه المرأة قد تفكر فى التغيير. ثانيا: كل المخلوقات تتابع بحساب دقيق درجات إشباع حاجاتها وتسجل رضاها أو عدم رضاها بأفعال تختلف من مخلوق إلى آخر. فإن استدام عدم الرضا أو ندر الإشباع فكرت فى التغيير. ثالثا: كل المخلوقات تدقق فى فرص وجود شريك بديل أو محتمل أو مكمل. لا تترك الأمر للظروف. كثير من الرجال يتجاهلون حقيقة أن رجالا آخرين يحومون أو جاهزين لتلقى بهم الأسباب فى طريق سندريلا. رابعا: كل المخلوقات تفكر فى أن تغير شركاءها إذا توافرت أغلب هذه الأسباب وفرضت نفسها، لا يختلف فى هذا الشأن مخلوق عن مخلوق. لا فرق بين رجل وامرأة. 

*******
سندريلا نضجت وتزينت وحضرت فأبهرت وانبهرت ثم اختارت.. هنا يجب أن تتوقف سيرتها.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved