دبلوماسيون وثوار يغردون

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 21 ديسمبر 2011 - 9:10 ص بتوقيت القاهرة

كانت المعلومة، الحصول عليها والتعامل معها، أهم ما يتميز به الصحفى عن الدبلوماسى عن رجل أو امرأة المخابرات عن الباحث فى مركز من مراكز البحث الأكاديمى  والفكرى. كانت المعلومات سلعة نادرة. لم تكن، كما هى اليوم، متاحة لكل من يريد أن يقرأ أو يعرف. أذكر جيدا، كيف كان الدبلوماسى يكد ويتعب سعيا وراء معلومة، يركض من حفل إلى آخر ومن لقاء إلى آخر ومن سفارة إلى أخرى بحثا عن معلومة ضرورية يستكمل بها تقريرا يعده للمسئولين فى وزارة الخارجية، وكيف كان ينهض مبكرا ليقرأ صحف الصباح ليحصل على خبر جديد يبدأ به مشوار السعى وراء معلومات تنفيه أو تدعمه.

 

أذكر أيضا كيف كان الصحفى يجلس بجانب الهاتف ليتصل بمعارف وأصدقاء ومسئولين وخبراء ليحصل على خبر أو معلومة. لم يكن أمامه من وسيلة للحصول على المعلومة سوى هذا الهاتف وعدد من المعارف والمصادر وقدماه تنقلانه من مكان إلى آخر. وبين هؤلاء المعارف والأصدقاء كانت معلومة الدبلوماسى هى الأغلى والأصعب لما كان معروفا عن حرص الدبلوماسى على الكتمان وعدم التفريط فى معلومة فى حوزته.

 

لذلك كانت العلاقة بين الدبلوماسى والصحفى دائما دقيقة وحساسة، فالدبلوماسى لا يريد أن تصل المعلومة التى حصل عليها إلى المسئول فى بلده عن طريق الصحف ووكالات الأنباء قبل أن يبلغها بنفسه ويحصل على الاعتراف بجهده. وكان الصحفى يتخيل أن الدبلوماسى، هذا الشخص الغامض، كنز معلومات لا يفنى. عرفت صحفيا، وقد صار من أقرب الأصدقاء، كان يزورنى كل صباح ويجلس على الناحية الأخرى من مكتبى وعلى وجهه ترتسم براءة الأطفال. لا يمد يده إلى ورقة ولا يسأل سؤالا محرجا ويتحدث فى كل شىء باستثناء العمل. علمت بعد فترة أنه كان يخرج من غرفة مكتبى حاملا معلومة جديدة، وأنه كان خبيرا فى القراءة المعكوسة للمذكرات والتقارير المصفوفة على المكتب.

 

●●●

 

كان المبدأ المتعارف عليه فى عالم المعلومات، أى العالم الذى يتحرك فيه الدبلوماسيون والصحفيون والعاملون بالمخابرات والباحثون، هو أن المعلومة الأهم التى يجب أن تحظى بأولوية الحصول عليها هى المعلومة التى لا يريد صاحبها أو من توجد بحوزته إطلاع الآخرين عليها. كنا ونحن فى بداية مسيرة العمل الدبلوماسى نغلى برغبة شديدة فى التعرف على القضايا التى يهتم بالبحث عن معلومات عنها زملاؤنا فى السفارة المنتدبون من أجهزة المخابرات والمتخفون وراء وظيفة سكرتير تجارى أو موظف إدارى بالسفارة. كان الغموض الذى يحيط بهم يزيد شهيتنا لمعرفة من يقابلون وأين يذهبون وكثيرا ما جازفنا وسألناهم ولم نحصل ولا مرة واحدة على إجابة شافية.. سمعت فيما بعد، أن أجهزة المخابرات فى معظم دول العالم، قررت أن يكون أفرادها معروفين لزملائهم كموظفى مخابرات لإزالة الغموض المثير للفضول وربما لتشجيعهم على التطوع بمعلومات والإرشاد عن مصادر..

 

●●●

 

تغيرت أمور كثيرة فى عالم الاتصالات والمعلومات. أصبحت معظم المعلومات متاحة لمن يريد أن يصل إليها. يقال الآن إن ما يزيد على 99٪ من مجمل المعلومات متاح، وإن الحصول عليها يحتاج لوسائل أبسط كثيرا من تلك التى كنا نستخدمها كدبلوماسيين وصحفيين ورجال مخابرات وباحثين قبل عقدين أو ثلاثة. أغلبنا يستخدم الآن وسائط إلكترونية. وأغلب المعلومات التى نحتاجها موجودة فى مكان واحد هو الشبكة الإلكترونية، ويمكن الوصول إليها بلمسات على بعض أزرار الكمبيوتر الشخصى الذى يحمله كل منا فى جيبه أو يحتفظ به على مكتبه. هذه المعلومات لا يخضع الوصول إليها لشروط أو مواعيد، أغلبها متاح على امتداد الأربع والعشرين ساعة.

 

على الرغم من هذه السهولة فى الحصول على المعلومة أعرف دبلوماسيين يعتبرون «التغريد» Twitter غير لائق بمكانتهم ووقارهم، وأقابل رجال مخابرات يتمسكون بمبدأ أن لا شىء يهم فى عملهم إلا الأسرار وأن المعلومة التى أصبحت متاحة للصحفى والدبلوماسى والباحث فقدت قيمتها بالنسبة لرجل المخابرات. وأسمع من صحفيين لم يمارسوا، أو مارسوا ولم يتقنوا، التعامل بالوسائط الحديثة، أن صدقية الخبر ترتبط ارتباطا وثيقا بمصدر من لحم ودم وأن كل ما يأتى من مصادر أخرى مشكوك فى صدقيته. وأتعامل أحيانا مع باحثين ما زالوا يصرون على تجاهل الشبكة الإلكترونية وما زالوا يقضون الساعات الطوال ينقبون فى الكتب ويبحثون فى الأرفف والملفات عن دراسة أو معلومة. هؤلاء لم يدركوا بعد إن كثيرا مما نقرأ ويقرأون هذه الأيام من أعمال جيدة كتبه باحثون اعتمدوا على الشبكة الإلكترونية.

 

●●●

 

صدر مؤخرا كتاب بعنوان Guerilla Diplomacy يتعرض فيه كاتبه داريل كوبلاند لظاهرة أطلق عليها تعبير الدبلوماسية الإلكترونية، ويقارن بين الدول التى تقدمت دبلوماسياتها فى استخدام الوسائط الإلكترونية وهى الهند وأمريكا وإندونيسيا والدول التى تخلفت، ويقول إن الدبلوماسى المعاصر الذى لا يستخدم هذه الوسائط الالكترونية وبخاصة الفيس بوك والتويتر والمدونات لا يختلف عن الدبلوماسى الذى لم يكن يقرأ الصحف فى عام 1914.

 

●●●

 

هل كان يمكن لثورات الربيع أن تنشب وتستمر بدون ثوار يجيدون التغريد؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved