الصحافة الحرة فى أمريكا: قصة النهاية

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 21 ديسمبر 2016 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

عشت ضيفا دائما على مهنة الصحافة قارئا وباحثا وفى أحيان ممارسا. سمحت لى الظروف بأن أراقب أحوالها عن قرب وكثيرا ما كنت فى قلب أزماتها ومعاناتها وكذلك انتصاراتها. عاشرتها شبه حرة فى مصر لفترة قصيرة كنت فيها تلميذ الثانوى، وعشنا معا أحرارا لسنوات قليلة فى إيطاليا وكندا وشهورا معدودة فى تشيلى قبل أن يستولى الجنرال بينوشيه على السلطة ولحقت بها فى الأرجنتين لأقضى معها عامين قبل أن يصل الجنرال أونجانيا إلى الحكم.

أمضيت وقتا معتبرا أقارن بين الحالات المختلفة لحرية الصحافة وأقيس مساحاتها مستخدما معيارين فى القياس. هناك بالطبع نموذجان، نموذج الصين فى السنوات التى أعقبت مباشرة استلام الثوار السلطة فى بكين، وهى السنوات التى شهدت تجارب رهيبة فى الإدارة الإعلامية للبلاد. كان من بين تجارب الحزب الشيوعى الصينى حملة «دع مائة زهرة تتفتح» وهى التى انتهت بإيداع عشرات الألوف من الصحفيين فى معسكرات التلقين والنقد الذاتى، وحملة «فلنتفوق على بريطانيا العظمى فى إنتاج الصلب»
وكانت نتيجتها مجاعة وبوار الأراضى الزراعية واعتقال المشككين والمعتدلين، ثم حملة الثورة الثقافية وهذه أيضا تسببت فى فصل مئات الصحفيين وأساتذة الجامعات والتشهير بالمثقفين. أما النموذج الآخر الذى استخدمته فى قياس ممارسات الدول التى عشت فيها فكان النموذج الغربى كما اختبرته قارئا وممارسا فى الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا.

***
أخشى أن يكون هذا النموذج الأخير فى طريقه إلى الزوال ليحل محله شىء آخر. أتصور أن تطورين بالغى الأهمية يتشاركان الآن فى صنع الشىء الأمريكى الجديد الذى سوف يحمل اسم منظومة الصحافة والإعلام عموما. بدأ التطور الأول بإعلان رجل الأعمال دونالد ترامب نيته النزول إلى حلبة انتخابات الرئاسة الأمريكية. عندها توجست الصحافة الأمريكية شرا. يعرفه الصحفيون، يعرفون كراهيته لهم ولمهنتهم فهو الذى كان يقول إن الصحفيين كسالى وتنقصهم الأمانة. يعرفون أن شركاته التى يمتلكها أقامت ضد صحفيين ومؤسسات صحفية 4000 قضية على امتداد ثلاثين عاما. رجل يتلذذ بتعذيب الصحفيين والإساءة لهم. وبالفعل وقبل أن تصل الحملة الانتخابية إلى نهايتها كان ترامب قد رفع قضية ضد مجموعة «ديلى بيست» يتهمها فيها بأنها شهرت به حين أعادت خلال الحملة نشر تصريح لإيفانا، الزوجة الأولى لترامب، كانت قد أدلت به فى عام 1989 استخدمت فيه كلمة اغتصاب فى وصف تصرفه معها أثناء خلاف عائلى وقع بينهما. عاد ترامب فرفع قضية أخرى على الواشنطن بوست التى يكرهها كراهية قصوى متهما إياها بالتشهير لأنها نشرت أن كازينو قمار تاج محل الأشهر فى مؤسسات الترفيه التى يملكها ترامب مهددا بإعلان الإفلاس. رفع قضية ثالثة ضد وكالة اسوشيتيد برس لأنها كتبت عن مشكلات إدارية داخل شركات ترامب، ثم هدد النيويورك تايمز برفع قضية إذا استمرت تنشر عن تخلفه فى سداد الضرائب المستحقة عليه ورفضه الإفصاح عن حالته المالية، ولأنها نشرت تحقيقا عن تحرشه بسيدتين شهدتا بذلك. يومها خرج محامى ترامب يهدد الصحيفة ويعلن أنه يتحداها أن تسترسل فى النشر.
يهتم أساتذة لإعلام فى الولايات المتحدة بالآثار التى سوف تنجم عن الأسلوب الإعلامى الذى أدار به ترامب حملته على الإعلام الأمريكى بصفة عامة. هناك ما يشبه الإجماع على أن ترامب أضاف جرعة قوية من الكذب والأنباء الزائفة إلى مضمون الرسائل الإعلامية. الرجل يكذب باستمرار حتى صار الكذب القاعدة التى ينطلق منها الصحفيون الذين يتعاملون معه. هو يتهمهم بالكذب وهم يحتارون بين أنباء موثقة من مصادر يطمأنون إليها وبين أنباء زائفة يخترعها الرئيس المنتخب. اهتم الأساتذة أيضا بالتقلبات فى التصريحات التى يدلى بها ترامب أيام كان مرشحا وأيام استعداده لتحسين صورته مع اقتراب دخوله البيت الأبيض. لم يفوتهم التأكيد على الآثار الوخيمة التى يمكن أن تنتج عن الخلط بين الخاص والعام فى حملة ترامب، وهو ما سيحدث بالتأكيد بعد تسلمه مقاليد الحكم. يضربون المثال بالتحقيق الصحفى الذى قامت به صحفية فى مجلة فانيتى فير ونشرته المجلة تحت عنوان «محل الشواء الذى يملكة ترامب قد يكون المطعم الأسوأ فى أمريكا». المقال بالفعل يسىء إلى سمعة «أبراج ترامب» وهو الفندق الأشهر بين فنادق ترامب وبخاصة بعد أن صار المفضل لدى السفارات الأجنبية لتقيم أعيادها الوطنية وحفلاتها وينزل فيه ضيوفها والزوار الكبار من المستثمرين والسياسيين الذين يطمحون فى رضاء الرئيس الجديد. هدد مساعدو ترامب بفرض عقوبات على المجلة فأعادت رئيسة التحرير طباعتها وعلى الغلاف كتبت «مجلة لا يريد ترامب أن تقرأوها». الجدير بالإشارة لأهميته الفائقة هو أن المجلة تلقت فى ذات اليوم ستة عشر ألف اشتراك جديد. المعنى الذى وصل إلى إدارات مختلف المؤسسات الصحفية من هذه القصة هو أن خصومتها لرئيس الدولة سيكون مفيدا لها. وبالفعل فقد سبق أن استفادت صحيفة النيويورك تايمز عندما اختلفت معه فزاد عدد المشتركين فيها إلى ثلاثة ملايين. هذه الزيادات تعنى أن نسبة مهتمة من قراء الصحف ومستهلكى الإعلام تشجع الصحف الغاضبة على انتقاد ترامب ومحاسبته.
***
التطور الثانى الذى سوف يؤثر حتما فى تحديد مستقبل حرية الإعلام يتعلق بالحال السيئة التى تردى إليها الإعلام بشكل عام والصحف الورقية بشكل خاص. يصف بعض الخبراء الحال الراهنة فى مسيرة الإعلام بحمام دم يذبح فيه الإعلام والإعلاميون ولا منقذ محتملا فى الأجل المنظور. نظرة متشائمة ولكنها ليست بعيدة كثيرا عن الواقع. الجارديان البريطانية تفقد ثلاثين بالمائة من محرريها والهافينجتون بوست ثمانية وثلاثين وعشرات المؤسسات الإعلامية الأخرى بنسب متفاوتة. الزميلة السفير اللبنانية تعتزم الإغلاق بعد أيام وستلحق بها زميلة أخرى. أخذ حمام الدم هذا أشكالا وتبريرات مختلفة منها إعادة الهيكلة واستيعاب ابتكارات جديدة وعمليات استحواذ والتحول إلى صيغ مناسبة حسب تعبير المسئولين عنها. هناك أسباب موضوعية لا شك فيها أهمها ارتفاع تكلفة الطباعة مقارنة بتكلفة أساليب بث أخرى وانخفاض عائدات الإعلان والفقر العلمى لكليات ومعاهد تعليم الإعلام وتدهور مستوى الخريجين والضعف الشديد فى اللغة، ناهيك عن أمور أخرى استجدت أو تفاقمت فى السنوات الأخيرة. من هذه الأمور على سبيل المثال وليس الحصر، التوجهات السياسية لحكام عديدين لا يثقون بالإعلام القائم فى دولهم، وترامب خير دليل. هناك أيضا انحسار متصاعد لثقة القراء فى صدقية المادة التى يقرأونا أو يسمعونها فى وسائل الإعلام وهو ما يدفعهم غالبا إلى ابتكار إعلامهم الخاص بمساعدة الهواتف الذكية والآيباد وغيرهما.
لم تعد ظاهرة الكذب واختلاق أنباء زائفة من سمات إعلام دون آخر بل نراها ونعانى منها فى بلادنا كما يعانى منها الأمريكيون والروس فى بلادهم. صحيح أن الإعلام فى أزمة خانقة ويتعرض لهجمة ضارية من جانب الحكومات فى شتى الأقطار، ولكن تبقى الحقيقة قائمة، حسب رأى الخبير الإعلامى جيم روتنبرج، وهى أن هذا الاضطهاد للصحافة والصحفيين يجب أن يؤدى فى النهاية إلى انتفاضة إعلامية يتحسن بها الأداء وتجدد الصحف نفسها وترتفع إلى مستوى التطورات التكنولوجية ويستعيد الصحفيون الالتزام بأخلاقيات المهنة. بالنسبة للإعلام الأمريكى يأمل جوتنبرج فى أن يتسبب عداء ترامب للإعلام إلى إنقاذه من بحر الدم الغارق فيه.
***
يتوقع إعلاميون وأكاديميون أمريكيون أن يبدأ ترامب والحزب الجمهورى بإعداد قانون جديد للإعلام وقوانين تتشدد فى معاقبة الصحفيين الذين يتعرضون للشأن الخاص بقصد التشهير، وهو احتمال لو تحقق لأضر أبلغ الضرر بالعلاقة بين السلطة التنفيذية والإعلام باعتبار أن ترامب وعائلته مطالبون بأن يعدلوا بين العام والخاص ولن يعدلوا، لا هم ولا الإعلاميون. هنا أيضا من يتوقع أن تلجأ إدارة ترامب إلى اتخاذ إجراءات استثنائية متذرعين بما ردده ترامب فى خطاباته فى الحملة الانتخابية عن ضرورة استعادة العظمة الأمريكية، الأمر الذى يمكن أن يدفع الإدارة إلى اتهام صحفيين معارضين بالتجسس والانتماء لمنظمات معادية لأمريكا وارتكاب الخيانة فى حق الوطن.
***
لن تكون المعركة بين ترامب والإعلاميين بسيطة فالنوايا لدى الطرفين غير طيبة. يحذر خبير إعلامى من أنه لو نفذت إدارة ترامب تهديداتها ونواياها تجاه المؤسسات الإعلامية فلها أن تتوقع أن يرد الإعلام فى اتجاهين أولهما الدفع نحو اتهام ترامب بالخيانة العظمى لتواطئه مع روسيا، وثانيهما فضح الخلط المتعمد بين العام ممثلا فى السياسة الخارجية والدفاعية والخاص ممثلا فى المشروعات الدولية الكبرى التى تقيمه أو تشارك فيها مؤسسات ترامب العاملة فى مجال الإنشاء أو إعادة التعمير، وهو النشاط الذى تديره ابنته ومستشارته للشئون السياسة والإعلامية السيدة إيفانكا، والتلميح هنا واضح ويشير إلى إعادة إعمار سوريا والعراق وليبيا ودول فى شرق أوروبا.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved