عن تجربة «حزبين» فى الحكم الأبدى .. الجيش والإخوان

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 22 يناير 2014 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

إذا ما تجاوزنا مشروع الانقلاب العسكرى الأول الذى لم يقدر له أن ينجح فى إسقاط النظام الملكى فى العراق عشية الحرب العالمية الثانية، فإن معظم الأنظمة التى قامت مباشرة بعد نجاح الحركة الصهيونية فى إرساء مشروعها فى إقامة إسرائيل على ارض فلسطين، إنما أقامتها جيوش الدول العربية عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية.

لقد كان الجيش هو الملجأ من الهزيمة والأمل فى التعويض والرد عليها، مع سقوط «النظام المدنى» الذى لم يثبت فى أى يوم انه قد قطع مع المستعمر القديم، أو انه فى مستوى طموحات الناس. أما الشعب فكان يتلمس طريقه إلى «السياسة» بعد دهر من التيه وسط ركام التخلف الموروث عن الحكم العثمانى، و«الانبهار» بالنموذج الغربى وديمقراطيته التى سيتبين لاحقا أنها امتياز لشعوبه وليست للتصدير إلى الشعوب الغارقة فى التخلف والتى لا بد من «تمدينها» عبر «الانتداب» أو الاحتلال المقنع حتى تبلغ سن الرشد.

كان معظم الأحزاب وطنية الشعار يتسلم قيادتها نخب متحدرة من الإقطاع الزراعى أو النجاح التجارى، ومعظمها سبق إلى التحصيل العلمى فى الغرب. وسيمضى وقت قبل أن تظهر على المسرح حركات سياسية بشعارات عقائدية مثل الأحزاب القومية أو الشيوعية، بينما كانت الوجاهات والأعيان وأهل الإقطاع تحتل الصدارة فى الحياة السياسية.

بالمقابل كانت الحركات الدينية موجودة فى هذه المجتمعات غالبا من غير تنظيم «حزبى»، وان تميزت الفرق الصوفية بجماهيريتها ولو غير مسيسة.. ثم كان أن ظهرت حركة الإخوان المسلمين فى مصر فى أواخر العشرينيات من القرن الماضى وتمددت نحو فلسطين ومنها إلى سائر بلاد الشام، فى حين كانت «الوهابية» السلفية فى الجزيرة العربية الدعامة الأساسية لحكم آل سعود.

ربما لهذا لم تكن مهمة صعبة على الجيوش حديثة التكوين والتى عادت من ميدان فلسطين بهزيمة مدوية أن تتقدم لأخذ السلطة من أنظمة حكم فقدت أسباب شرعيتها عبر الفشل فى تلبية حاجات مجتمعها فى الداخل ثم عبر السقوط الذريع فى مواجهة الخارج الاستعمارى عبر مشروعه الإسرائيلى على ارض فلسطين.

لذا يمكن القول، دون السقوط فى التهويل، أن الأنظمة التى حكمت البلاد العربية من الجزائر وحتى اليمن، مع استثناء جزئى للبنان، كانت متحدرة من العسكر.

كذلك يمكن القول من دون مبالغة أن العسكر يتحملون الجزء الأعظم من المسئولية عن أحوال العرب، دولا وشعوبا، طوال العقود الستة الماضية، بكل ما فيها من إخفاقات مدوية وانجازات لم يقدر لها أن تكتمل.

•••

لقد ألفت الشعوب العربية أن يكون الحكم عسكريا، أو بقيادة عسكرى يجتهد فى تقديم نفسه كمصلح يحمل مشروعا للنهوض بمجتمعه والوصول بدولته إلى المكانة التى تستحق على المستوى الدولى.. وأحيانا كانت المحاولة تتبدى كاريكاتورية.

وبالتأكيد لا يمكن إصدار حكم مطلق على مجمل هذه الأنظمة فهى ليست واحدا، بل تقتضى الحقيقة الاعتراف أن بعضها قد حقق نجاحات ملحوظة فى مجال النهوض بالمجتمع وتنمية قدراته واكتساب مكانة مميزة على المستوى الإقليمى وحتى على المستوى الدولى (جمال عبدالناصر وتجربته المميزة فى مصر، والتجربة المضادة لأنور السادات وبينهما التجربة الطويلة لحافظ الأسد فى سوريا).

أما الحكم على نتائج هذه «الحقبة العسكرية» بإخفاقاتها ونجاحاتها على امتداد أكثر من ستين عاما فقد قالته الميادين فى كل من تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن وصولا إلى السودان.

على أن الخروج من الحقبة العسكرية لا يعنى الانتقال آليا إلى الديمقراطية.. ولقد شهدنا فى بعض هذه الأقطار نهايات كارثية كادت تذهب بالبلاد جميعا وليس بأنظمتها فحسب.

ولما شاخت الأنظمة المتحدرة من العسكر وعجزت عن حماية مجتمعاتها إلا بالأمن، وعن تلبية متطلبات الأجيال الجديدة إلا بالقمع، كان لابد من نزول جيل الغضب المدفوع إلى اليأس من الوطن نحو الميدان.

وهكذا توالى تفجر الانتفاضات فى مختلف البلاد العربية التى يحكمها العسكر ــ ولو بملابس مدنية وعبر أجهزة أمنية متعددة ــ تأكيدا لسقوط الخوف والإصرار على التغيير واستعادة القرار الوطنى ولو عبر المواجهة بالدم.

•••

انتهت مرحلة صعبة وتقدمت المرحلة الأصعب بمهامها الثقيلة تنادى القادرين على تحمل مسئولياتها الثقيلة..

وتنوعت مواجهة هذه المسئوليات بين دولة عربية وأخرى تبعا لدرجة الوعى ولمستوى حضور المؤسسات السياسية (الأحزاب والتنظيمات) ذات القدرة على قيادة الانتقال من مرحلة الحكم الديكتاتورى إلى النظام الديمقراطى.

فى تونس، على سبيل المثال، قفزت الأحزاب القديمة عائدة إلى الساحة لتفاجأ بأن تنظيم الإخوان المسلمين كان الأكثر قدرة والأعظم تماسكا خصوصا وان له برنامجه التاريخى وقد حدثه بسرعة وقدم نفسه على انه الأكثر أهلية لتولى المسئولية عن السير بالبلاد إلى مستقبلها.. ولقد لجأ هذا التنظيم بقيادته التى عادت من المنفى الاختيارى وقد «عصرنت» برنامجها وشعاراتها إلى رفع شعار الائتلاف مع عدد من التنظيمات ذات التاريخ، مستبعدا تنظيمات أخرى ذات طابع تقدمى وعروبى.

ولقد تعثرت جهود الإخوان فى السيطرة على السلطة كاملة، برغم كل الحيل الشيطانية والبراعات التى لجأ إليها «القائد التاريخى» للنهضة راشد الغنوشى، وبرغم الإسناد التركى (والقطرى) والتنظيم العالمى للإخوان المسلمين.. ثم تفجر الدم عبر عمليات اغتيال سياسى استهدفت قائدين مميزين ينتميان إلى التيار التقدمى. وحين تحرك الجمهور غاضبا اضطر «الإخوان» إلى التسليم بالمشاركة، ثم إلى مزيد من التنازلات فى الحكومة وفى الدستور وفى موعد الانتخابات النيابية.. وللأيام أن تحكم إذا كان هذا التصرف «مناورة» أو تعبيرا عن إدراك فعلى للواقع.

أما فى سوريا الغارقة فى دماء أبنائها فتتواصل الحرب التى تجاوزت نظامها لتفتح أبوابها أمام أشتات التنظيمات السلفية والجهادية فتعمل تدميرا وتحطيما لبنية الدولة والمجتمع، مستفزة الجمهور عبر وصمه بالكفر تمهيدا لإعلان احتكارها الإيمان...

وواضح أن هذه الحرب لا يمكن أن تنتهى بتسوية، لأن هؤلاء «الوافدين» تحت شعار الجهاد لا يؤمنون بالدولة ولا يسلمون بالحدود بين الدول بل يعملون لإعادة الخلافة وما يشابهها.

ومؤكد أن الشعوب العربية تحمد الله على أن تجربة الإسلاميين فى الحكم، كانت قصيرة، وإلا لعظمت كلفتها كأن تدمر «الدول» التى تظل ضرورية، برغم بؤسها، أو تمزق وحدة المجتمعات لا سيما تلك التى تتعدد مكوناتها وان ظل المسلمون يشكلون الأكثرية الساحقة من أبنائها.

•••

تبقى تجربة مصر الثورة التى تتقدم فى قلب الصعوبة. ومن الإنصاف للجيش المصرى أن نشهد له انه قد قدم للأمة، حتى الساعة، تجربة مغايرة لكل ما سبق من تجارب، فابتعد عن لعبة الانقلاب العسكرى مستدعيا الشعب ومنذ اللحظة الأولى ليكون هو صاحب القرار فى حاضره وبالتالى فى مستقبله.

ومؤكد أن الشعوب العربية جميعا تحفظ لهذا الجيش انه قد التزم تحقيق الإرادة الشعبية، فمكن لها أن تسقط حكم الإخوان فى الشارع بالتظاهرة التاريخية غير المسبوقة والتى امتدت بطول مصر وعرضها فى 30/6/2013.

على أن الامتحان الحقيقى ما زال مفتوحا، أمام قيادة هذا الجيش الذى مكن الشعب من التكفير عن خطأ التسرع فى اختيار «الرئيس» قبل سنة ونصف السنة، ربما لأن تجربته فى ممارسة الديمقراطية طرية العود، ولعله قد تعجل الخلاص من حكم الطغيان الذى أعاد مصر إلى الخلف جيلا بل جيلين وأكثر.

أما وقد أنجز الشعب دستوره الذى لا يمكن اعتباره مثاليا، فإنه سيعرف بالتأكيد خطوته التالية نحو إعادة النظام الديمقراطى المؤهل لإعادة بناء مصر وفق إرادة شعبها العظيم وحقه فى الغد الأفضل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved