اقتراح بمحاربة الفاسدين الصغار

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الخميس 22 يناير 2015 - 7:55 ص بتوقيت القاهرة

هناك انطباع لدى بعض المصريين انه لم يحدث أى تغيير حقيقى على أرض الواقع رغم كل التصريحات المتفائلة. أصحاب هذا الرأى وهم مواطنون عاديون غير مسيسين يقولون ان الأزمات المعيشية مستمرة بفعل الفساد المستشرى فى المحليات.

تقول الحكومة انها جادة فى القضاء على الفساد، والبعض يحصر الفساد فقط فى مجموعة من بعض كبار رجال الأعمال الذين كانت سيرتهم على لسان غالبية وسائل الإعلام خلال معظم سنوات حكم مبارك.

نتمنى أن تقضى الحكومة وأجهزتها على مظاهر الفساد الكبير منه والصغير والمتوسط، وإلى ان تفعل ذلك، فهناك اقتراح قد لا يكلف الحكومة الكثير، لكنه سيرسل إشارة مهمة إلى عموم المواطنين أنها بدأت اتخاذ إجراءات عملية للقضاء على الفساد.

تستطيع الحكومة بدءا من الغد أن تستهدف مجموعات محددة من اللصوص والفاسدين «النص نص» وإذا تمكنت منهم فإن جزءا كبيرا من المشاكل سيختفى، مثلا لصوص الوقود المدعم، هؤلاء يشكلون عصابة ضخمة ــ غير منظمة ــ على مستوى الجمهورية، تضم فئات متعددة بينها بعض أصحاب المحطات وبعض مفتشى التموين وبعض المسئولين فى المحليات، وبدلا من أن يقوم مفتش التموين بدوره فإنه يتلقى راتبا ثابتا من صاحب المحطة نظير ان يتركه يسرق ويبيع فى السوق السوداء.

هناك عصابة أخرى تتحكم فى سوق اسطوانات الغاز، حيث تتفق مع بعض أصحاب المستودعات وتأخذ كميات كبيرة من الاسطوانات بالسعر المدعم والبالغ ثمانية جنيهات، وتبيعها بأسعار تبدأ من 25 جنيها وتصل إلى مائة جنيه أحيانا بحجة ندرتها أو توصيلها للمنازل.

والمأساة ان الفئة الأكثر تأثرا بأزمة الأنابيب هم الفقراء والمطوحنون الذين لم يدخل الغاز الطبيعى بيوتهم إضافة إلى غالبية القرى، فى حين أن القادرين لا يعانون بالمرة لوجود غاز طبيعى فى منازلهم لا يكلفهم فى الشهر ثمن أسطوانة غاز واحدة.

الفئة الثالثة التى تحتاج ثورة حقيقية تطيح بعرشها هم بعض معدومى الضمير فى الأحياء والمحليات وبعض الوزارات الخدمية، الذين يتقاضون آلاف الجنيهات لتمرير رخص البناء أو إدخال الكهرباء والمياه وبقية خدمات البنية الأساسية.

الفئة الرابعة بعض الموظفين الذين يتقاضون أسعارا محددة يعلمها الجميع لإنجاز رخص السيارات فى المرور أو فى بعض مراكز السجل المدنى، أو بعض أفراد الشرطة الذين «يطنشون» على المخالفات مقابل «الشاى بالياسمين».

الفئة الخامسة هم «كبار السياس» فى المناطق الراقية الذين تحولوا إلى عصابة حقيقية وسرقوا الشارع وحولوه إلى جراج ملاكى لصالحهم. قبل أيام سمعت دبلوماسيا محترما يقسم بالله أن أحد السياس فى منطقة وسط البلد بنى ثلاث عمارات وفى النهاية باع المنطقة لسايس آخر بمبلغ 160 ألف جنيه.

خطورة الفئات السابقة أنها تجعل الفساد مقبولا شعبيا، فعندما يدخل أحدنا مصلحة حكومية ويعطى الموظف ولو عشرة جنيهات فهو يساهم فى تثبيت هذا الفساد الصغير،الذى يتحول إلى كبير لاحقا.

السؤال من الذى سيقضى على هذا الفساد الصغير والمتوسط؟!.

الإجابة هى ضرورة وجود إرادة حكومية راسخة وحقيقية وموظفين شرفاء يؤمنون أن دورهم حيوى وخطير لمستقبل هذا البلد.

والشرط الأساسى لنجاح هذه الحملة ان تطال الجميع، بحيث تكون عدالة عمياء فعلا، وأن يتم تدمير أى موظف فاسد بغض النظر عن حكاية ظروفه وأسرته وأنه محتاج حتى يستمر على قيد الحياة.

الشرطة وبقية الأجهزة الرقابية تتحمل جزءا مهما فى هذه العملية لكن الجزء الأكبر يتحمله المجتمع الذى ينبغى أن يتكاتف ويساند الحكومة فى هذه العملية، وألا يقبل أى مبررات مهما كانت وجيهة تعرقل أو تدافع عن هؤلاء الفاسدين الصغار.

أتمنى أن تدرس الحكومة هذا الاقتراح بجدية، فقد يشكل أحد المداخل الرئيسية لفتح ثغرة أو كوة تنير الطريق نحو المستقبل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved