مائة عام على «الدولة العربية»: الخروج من التاريخ!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 22 مارس 2016 - 10:25 م بتوقيت القاهرة

دار الزمان بالعرب دورة كاملة، بعد مائة عام من انتباههم إلى هويتهم الجامعة وإلى تاريخهم العريق الحافل بالأمجاد، قبل انهيار «دولتهم» وتفرقهم أيدى سبأ، اتباعا «لدول» شتى أخذت منهم علم الإسلام وقتلتهم به.. وعشية قدوم الاستعمار الغربى ليعيد صياغة واقعهم بما يناسب مصالحه، فإذا هم ممالك وإمارات وجمهوريات عديدة يفتقر معظمها إلى أسباب الحياة.

... وعندما انتبه العرب إلى أن الاستعمار الغربى، بريطانيا وفرنسا، وحتى البرتغال، قد توزع أقطارهم باعتبارها «تركة السلطان العثمانى»، حاولوا أن يستعيدوا هويتهم الجامعة، العروبة، لكنهم كانوا أضعف من أن يرفضوا المفروض فسلموا بكياناتهم المرسومة وفق مصالح المستعمر الجديد، على أمل أن يجددوا نضالهم من أجل الوحدة، وإن استغرق زمنا طويلا واستهلك أجيالاً منهم.

سيمضى زمن قبل أن يستفيقوا من سكرة الاستقلال ليكتشفوا أن ليس بين الكيانات المستولدة قيصريا، لا سيما فى المشرق العربى، من هو قابل للحياة مستقلاً كامل السيادة: فالحدود رسمتها مصالح المستعمر الأقوى، (وكان آنذاك بريطانيا) آخذا بالاعتبار منابع النفط وضرورات حماية المشروع الإسرائيلى، الذى كان «وعدا أعطاه من لا يملك ـ الاستعمار البريطانى ـ لمن لا حق له فيه ـ الحركة الصهيونية».

اقتطعت أجزاء من كيانات كانت ولايات عثمانية، رسم حدودها صراع الولاة ـ أيام السلطنة ـ بالذهب مع «الباب العالى» أو مع «السلطان» تارة بذريعة التنوع الطائفى أو المذهبى لسكانها، وطورا تحت غطاء صراع المصالح بين المستعمرين الجدد.. وقد لعبت الاكتشافات الأولية للنفط دورا بارزا فى هذا المجال (العراق والشاطئ العربى للخليج ـ الكويت، دولة الإمارات العربية المتحدة، قطر..) فضلاً عن عمان التى كانت ـ ذات يوم ـ سلطنة شبه امبراطورية تجمع معظم مشيخات ما كان يسمى «الساحل المتصالح».

بالمقابل، كان «اليمن» دولة غارقة فى غياهب النسيان، جنوبها تحت الاستعمار البريطانى لتأمين الطريق إلى الهند، وأهله يتوزعون رعايا لمجموعة من «السلاطين» فى عدد من القرى الفقيرة والمركز عدن، المرفأ الاستثنائى فى أهميته لوقوعه على خليج يمكن للقوة العسكرية فيه التحكم ببحر العرب الذى يشكل صلة وصل بين المحيطين الهادئ والأطلسى، بينما يمسك البريطانيون بباب المندب أيضا وصولاً إلى قناة السويس التى تربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.

***
فى تلك الفترة تقريبا كان مشروع المملكة ـ العربية السعودية قد أخذ يتبلور، لاسيما، وقد أغوى البريطانيون الشريف حسين، ملك الحجاز، بمشروع توحيد الديار العربية المجاورة (بلاد الشام) فى مملكة عظمى! و«عينوه» قائدا للثورة العربية الكبرى.. ثم لم يتوانوا عن خلعه ونفيه إلى قبرص التى مات فيها، مسهلين الطريق أمام عبدالعزيز آل سعود ليمد سلطانه إلى معظم شبه الجزيرة العربية، محتفظين بشاطئها الطويل الخليج العربى، بدءا من البصرة فى العراق وحتى خليج عمان.

ولقد دخل الأميركيون إلى المنطقة من باب نجدة الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) فى حربهم ضد المحور ـ ألمانيا وتركيا ـ مدفوعين بشميم النفط الذى كانت بعض الاستكشافات قد أكدت وجود خزين عظيم منه فى شبه الجزيرة العربية، وتحديدا فى جنوبها (الدمام).

كذلك كان البريطانيون قد اشتموا رائحة النفط فى شمال العراق (منطقة الموصل) التى كان الأتراك يطمعون فيها، فأدخلوها فى نطاق انتدابهم على أرض الرافدين حاسمين الجدل حول هويتها.. لا سيما أن الفرنسيين كانوا يتطلعون إلى ضمها لسوريا تحت سيطرتهم.

* * *
ذلك ما كان فى الماضى الذى تعود أشباح مجرياته التأسيسية لواقعنا لتفرض نفسها بصياغة جديدة يتولاها أقوياء هذا الزمن بمعزل عن أصحاب الأرض التى صارت دولاً شتى، بعضها «مصطنع» وفقير بموارده وشعبه مستقطع من أهله الأقربين (الأردن كمثال.. وشعبه، فى الأصل، بعض شعب سوريا، ببدوها وحضرها.. وقد أنشئ استرضاء للشريف حسين، وتم تثبيته بعد خلع الملك فيصل ابن الشريف حسين عن عرش سوريا لتكون لفرنسا، ثم تم التعويض عليه بعرش العراق).

وسيمضى وقت قبل أن يدرك العرب أن ابتداع «إمارة الأردن» قد جاء فى سياق التمهيد للمشروع الصهيونى بإقامة دولته فى فلسطين وعلى حساب شعبها الذى تم تشريده وإن ظلت أكثريته فى أرضها.. ثم ارتأى البريطانيون أن يضم بعض فلسطين، الذى فاض عن حاجة الإسرائيليين إلى الأردن، مطمئنين إلى أن هذا الحل

سيوفر الراحة «للدولة» التى تمت إقامتها بالقوة، وسيرضى تطلعات الأمير عبدالله ابن الشريف حسين إلى الملك، وهكذا أسبغ عليه لقب «صاحب الجلالة» الذى لا يقارن ألقه بالأمير أو الشريف.. فالملك أبقى من النسب، ومن تعزز به.
على أن ذلك كان تدبيرا مؤقتا.. فبعد هزيمة 1967 ضمت إسرائيل الضفة الغربية إلى الأرض المحتلة... قبل ان تسلم بعد الثورة الفلسطينية وجهادها الطويل وسيل الشهداء بنوع من الحكم الذاتى فيها تتولاه سلطة لا سلطة لها، بدليل ما نشهده حاليا من مجازر يومية لا تؤثر فى «السلطة» حتى بالاحتجاج!

* * *
ما أشد ما اختلف المشهد فى المشرق الآن عن واقعه قبل بضع سنوات: فاليوم تبدو «كيانات» دول عربية عدة مهددة فى وجودها، أو فى الصيغة السياسية لهذا الوجود.

■ اليمن، التى بذلت دماء غزيرة فى استقلال جنوبها، ثم فى توحيد الجنوب الذى كان مزقا تحت الاحتلال البريطانى، مع الشمال الذى كان «مملكة» لآل حميد الدين أسقطتها ثورة الجيش والشعب فى أيلول 1962، بدعم مفتوح من مصر جمال عبدالناصر وعبر مواجهة شرسة مع المملكة العربية السعودية، يكاد يكون اليوم أرضا خرابا: مدنها مدمرة بـ«عاصفة الأمل» التى شنها عليها ولى ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان، لجعلها منطقة نفوذ لعرشه العتيد، وجيشها منقسم على ذاته بعدما اشترى الذهب بعض قيادته.

الأخطر تحريك الفتنة فى بلاد لم يعرف أهلها من منهم من «الزيود» ومن منهم من «الشوافع»، خصوصا وقد كانوا يصلون جنبا إلى جنب فى المسجد الواحد، ويتصاهرون بلا حرج.

باختصار، ثمة من يحلم فى المملكة بأن يجعل اليمن «لبنان» جديدا، أرض سياحة وثقافة وخدمات، يحكم من خارج، ويدرأ المخاطر عن الأسرة المذهبة فى الرياض.

على أى حال، لا يمن فى المستقبل القريب، حتى لو توقفت الحملة العسكرية السعودية، فالشعب المنقسم على نفسه (نتيجة تقسيمه إلى جهات بعضها للمستعمر البريطانى معززا بسلاطين المدن والبلدات فى الجنوب ـ وتوزع ولاء قبائله فى الشمال بين السعودية ومصر) سوف يعانى الأمرين وهو يحاول استعادة «دولته» بوحدة شعبه، الذى وجد الآن من يحرك أسباب الفتنة بين «جهاته»، مستقدما إيران لتعزيز اتهامه فى وطنيته، ولتبرير تقسيمه سياسيا على قاعدة طائفية: الزيود والشوافع.

■ كذلك لا عراق موحدا فى المدى المنظور.. فلقد حركت جهات كثيرة، عربية وأجنبية، عوامل الفتنة فيه بين السنة والشيعة، فضلا عن تحريض الأكراد على طلب «الاستقلال» فى دولة كاملة السيادة بدلا من «الإقليم» الذى سلم عرب العراق بأن يكون لإخوتهم الأكراد استقلالهم الذاتى داخل الدولة المركزية، ينال نصيبه من موازنة الدولة المركزية، وله لغته وإدارته الذاتية.

■ ولا سوريا موحدة، دولة قوية ومهابة، كما كانت قبل خمس سنوات من الحرب التى اختلطت فيها العناصر: فهى عربية ـ دولية وإن اقتربت من أن تكون حربا أهلية، فضلاً عن إمكان اعتبارها فتنة طائفية.. يمكن أن تتأثر بما يجرى فى العراق (وفى اليمن). وقد تؤثر فى لبنان، الأخطر أن «حروب الداخل» فى كل من أقطار المشرق تتيح لتنظيم «داعش» فرصة أن يتمدد وأن يؤسس لمناطق سيطرة يسميها «دولة الخلافة».. وبالتالى لحروب يختلط فيها الأهلى بالدولى والطائفى بالمذهبى والقومى بالعنصرى.. إلخ.

* * *
بعد قرن من النضال من أجل دول مستقلة فى كيانات مصفحة بالطائفية والمصالح الأجنبية والمطامع الإسرائيلية، يرى أهل المشرق العربى أنفسهم مهددين بأن يخسروا دولهم من دون أن يستعيدوا فلسطين.. بل إنهم يرون ـ بأم العين ـ تمدد النفوذ الإسرائيلى عبر الحروب بين الطوائف والأعراق، لتكون «دولة يهود العالم» الدولة الوحيدة فى هذا المشرق العربى.. مع احتمال أن تتمدد لتكون «امبراطورية» ما كان يسمى «الوطن العربى الكبير» بالاتكاء على حلفائها الكبار فى مركزهم واشنطن ثم فى سائر دول العالم، غربا وشرقا.


رئيس تحرير جريدة « السفير» اللبنانية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved