مقارنة الأديان


صحافة عربية

آخر تحديث: الخميس 22 مارس 2018 - 9:55 م بتوقيت القاهرة

على مدى أكثر من ساعتين، حرصت على مشاهدةِ فيديوهين اثنين كان بثّهما بثّا مباشرا من إحدى قاعات كلية الشريعة فى الأردنيّة، أستاذ الشريعة والداعية د. أمجد قورشة. وهى مهمةٌ شاقةٌ وثقيلةٌ تحمَّلتُها لكى أكون منصفةً وموضوعيّةً مع الداعية الذى يثير كثيرا من اللغط حوله.
وابتداءً، فإنَّ الموضوع المثار فى هذين الفيديوهين هو، بحسب زعم الداعية، مقارنة أديان، حيث أمسك بيده الكتاب المقدس بجزأيه العهد القديم والعهد الجديد، وبدأ حالةً من القراءة سنتبيّنُ بعد قليلٍ، طبيعتها ووصفها. وإذ تفترضُ مادةُ مقارنة الأديان تأهُّبا علميا ومعرفيّا وموضوعيا وأمانة علميّة ونزاهةً، فإنَّ الحدَّ الأدنى من هذ لم يتوافر فيما قدَّمه الأستاذ الجامعيّ، ولم يختلف عما يمكن أن يُقدّمه داعيةٌ «لم يُنهِ الخامس الابتدائيّ»، وهى عبارةٌ وردت على لسان الأستاذ وهو يسخر من أول سطرين فى العهد القديم، وأن ما فيهما يخالفُ الحقيقة العلمية التى يعرفها طالب الصف الخامس ابتدائيّ!!
لم يدخل الأستاذ الجامعيُّ إلى مادته إذن بموضوعيةٍ ونزاهةٍ، بل دخل كداعيةٍ لا يهمُّه أن يردَّ إلى مرجعٍ، أو يُسمّى أحدا من أهل البحث والنظر فى علوم مقارنة الأديان، بل تبعَ الأسلوب المعتاد لدى الدعاة فى تجاهل أسماء العلماء وعناوين دراساتهم، التى غالبا هى تأليفٌ من بناتِ أفكارهم، لمنح كلامهم مصداقيّةً ومتانةً. ومضى يقول: بعضُ المستشرقين، من الحاقدين على الإسلام، كثيرون منهم تركوا المسيحيّة لهذا.... وهكذا. بل إن الأستاذ دخلَ إلى مقارنة الأديان من بابِ أن دينه الذى يدين به هو الأفضل، وليست هذه بغيةَ «مقارنة الأديان»، بل الغاية العلمية هو تتبع أوجه الالتقاء والاختلاف، والظروف التاريخيّة، وطبيعة الخصائص ومفردات العقيدة وأنواع العبادات، والتعرُّف إلى الطقوس، ومعانيها لدى أصحاب الديانة وجذورها التاريخية، بل ونقد الأديانِ كافّةً بلا استثناء.. أى أنَّ علمَ مقارنة الأديان هو علم دنيويٌّ لا علاقة له بعقيدة دارسيه، يضعُ الدارسُ والدارسةُ نفسيهما على مسافةٍ واحدةٍ من جميعِ الأديان محلّ الدراسة، وليست مقارَنةً تلك التى تريدُ أن تنتهيَ إلى أنَّ إحدى هذه الأديان هو الأفضل، وإلا فهو الخروجُ الفاضحُ عن الموضوعيّة والأمانة العلميّة، وإلا خرجَ الأمرُ عن مهمة البحثِ والعلمِ النزيهِ إلى مهمة الداعية، وشتانَ ما بينهما! وهو ما اختاره الدكتور قورشة. فبينما المطلوبِ إليه أن يكون، كأستاذٍ جامعيٍّ، على مسافةٍ واحدةٍ من الأديان موضع المقارنة، فإنه لم يستطع أن يتخلّى عن دور الداعية أو المبشّر لدينٍ يدينُ به مستمعوه وطلبتُه، أى أنّه جهدٌ خائبٌ لا قيمةَ له، إلا إذا كانَ المقصودُ بالبثِّ المباشر للمحاضرةِ تحويلَ الـ 2 % من مسيحيى الأردن إلى الإسلام، وإقناعهم بالسخريةِ من عقيدتهم أن ثمةَ ما يفضُلُ دينَهم!
شخصيّا لا أجدُ ما يمنعُ من نقدِ الأديان، على أن يتمَّ ذلكَ بقدرٍ عالٍ من النزاهةِ والتجرُّد العلميّ والتخلى عن الانفعالات والسخرية والتسخيف، وأن ينطبقَ ذلكَ على جميعِ الأديان المدروسة، لا يُستثنى واحدٌ منها، وهو ما لم يفعلهُ الأستاذُ الجامعيُّ الذى يعجزُ عن مغادرةِ دوره كداعية. فهو قد وزَّعَ النقاشَ بين (هم) أى: المسيحيون و(نحنُ) أى: المسلمون، مستعملا أكثر التسميات إيلاما لأتباع المسيح (النصارى)! وهو تقسيمٌ مُغرِضٌ وغيرُ علميّ، حيثُ بدا الداعيةُ كأنَّه فى مناظرةٍ شعبويّةٍ بين زغلول النجار والقس الذى أحرقَ المصحف فى إحدى الولايات الأمريكيّة.
وعلى ذلك، بدت المحاضرتان تحشيدا أيديولوجيا عنيفا ضد المسيحيين، لا تنتمى إلى مقارنة الأديان بل إلى «صراعِ الأديان»، وهو أمرٌ على قدرٍ كبيرٍ من الخطورة! وخصوصا أنها امتلأت بالسخرية من عقيدة التثليث ومن قصة الخَلق فى التوراة، مما كشف عن ضغينة جعلت مواقع التواصل تهيج اعتراضا وغضبا لم يطفئه الاعتذارُ الباهت الذى قدمه الدكتور قورشة على صفحته على الفيسبوك.
والسؤال الآن: ما الذى على الجامعة الأردنية وكلية الشريعة أن تفعلاه لتبرئة الكلية من تهمةٍ خطيرةٍ، وهى أنها مؤسَّسةٌ لتخريجِ الفكر المتشدّد وبثِّ خطاب الكراهية والإساءة إلى المنهج العلمى فى البحثِ والتفكير وتعليم التحيّز والتعصُّب والتناقض مع رسالة الجامعة؟
دعونا لا نفقد الأمل!

زليخة أبوريشة
الغد ــ الأردن

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved