عن المذهبية في حرب اليمن..

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 22 أبريل 2015 - 9:25 ص بتوقيت القاهرة

فى بيروت، وانطلاقا منها، يمكن فك بعض رموز الشيفرة تمهيدا لقراءة مختلفة لهذه الحرب المباغتة التى أطلقتها المملكة العربية السعودية على اليمن بعنوان «الحوثيين»، بتهمة الخروج على الشرعية والإعداد لانقلاب يوصلهم إلى السلطة بدعم مباشر من إيران.

ففى بيروت لا حاجة للتمويه والمداراة، لأن المستنقع الطوائفى مفتوح فيها لرياح الحرب الأهلية العربية (والدولية ضمنا) منذ أربعين عاما على الأقل، وفيها وعبرها تتوفر ترجمة مختلفة للحرب فى سوريا وعليها، وللحرب فى العراق وعليه، ولسائر الأحداث والتوترات السياسية فى سائر أنحاء المشرق العربى، وبينها البحرين وصولا إلى اليمن.

فى بيروت وعبرها يمكن طمس السياسة أو نزعها عن هوية التفجيرات والصدامات الأهلية التى جرت العادة على تسميتها «الأحداث المؤسفة»، والإعلان عن حروب طائفية، كانت فى بداياتها ونتيجة لثقل العامل الفلسطينى فيها ـ «حربا» بين المسلمين والمسيحيين، لتنتهى إلى معارك متقطعة بين المسلمين أنفسهم، سنة وشيعة.. وإن ظل غلافها السياسى صامدا نتيجة لعوامل عديدة، بينها الحروب الإسرائيلية المتكررة وثقل «العدو القومى» للعرب فى قلب خريطة الصراع بين أطرافها الذين كانوا موحدين فانقسموا متباعدين إلى حدود الفتنة.. خصوصا مع استدعاء إيران أو قدومها من دون دعوة تحت راية الجهاد المقدس من أجل فلسطين، ولعبها دورا مؤثرا كان فى الأصل ـ وعلى مدى التاريخ الحديث ـ من حق مصر، ثم خلفتها فيه سوريا ـ بالاضطرار كما بالرغبة ـ بعد معاهدة الصلح التى أخرجت مصر من قلب الصراع العربى ـ الإسرائيلى، وتسببت ـ بنسبة أو بأخرى ـ فى خلخلة الاطمئنان إلى رسوخ الهوية العربية، مانعة الانزلاق إلى مستنقع الطوائف والمذاهب والحرب الأهلية.

على هذا، لم تتأخر بيروت عن كشف الهوية الفعلية أو المضمرة لهذه الحرب التى باشرت المملكة العربية السعودية ـ ومعها بالضرورة مجلس التعاون الخليجى ـ فى ما عدا سلطنة عمان ـ شنها على اليمن باسم «عاصفة الحزم» مستعيدة مقطعا من أهزوجة نظمها مؤسس المملكة عبدالعزيز آل سعود فى حروبه ضد خصومه (من المسلمين السنة) الذين كانوا ينازعونه حقه فى حكم المملكة المذهبة.. فالسلطة أقوى من الدين غالبا.

•••

اليوم، تجاوزت الرياض، ومعها بعض عواصم الخليج وبعض الأطراف السياسيين فى عدد من الدول العربية، بيروت فى تحديد الهوية الفعلية لهذه الحرب ضد «الحوثيين» بإعلانها حربا ضد إيران، بما يشمل ضمنا توجيه تهمة جارحة ضد الشيعة العرب عموما، بأنهم يقدمون مذهبهم على عروبتهم، ويقدمون إيران على أوطانهم. فالصورة الآن ـ إعلاميا على الأقل ـ أنها «حرب سنية» تقودها السعودية وتستنفر لها أتباع المذهب ـ وهم الأكثرية الساحقة الماحقة من المسلمين ـ ضد الشيعة بعنوان إيران (الفارسية).

ولقد وفرت الرياض المباركة العربية لهذه الحرب عبر القمة العربية فى شرم الشيخ، خصوصا وأنها ـ عمليا ـ قد أعلنتها فيها وعبرها، مستنفرة «العرب» ضد «الفرس» والأكثرية السنية ضد الأقلية الشيعية.. كما أنها كانت واثقة من موقف «المجتمع الدولى» منها، وهو ما تجلى قبل أيام عبر القرار الذى اتخذه مجلس الأمن الدولى بالإجماع، مع امتناع المندوب الروسى عن التصويت. فمن سيقف إلى جانب هذا المجهول الذى اسمه «الحوثيون» فى مواجهة المملكة المذهبة التى يواكبها فى مطلبها مجموع العرب وأكثرية المسلمين؟

هل كانت مصادفة أن الرئيس اليمنى عبدربه منصور هادى قد غادر قصر الرئاسة فى صنعاء، متسللا، إلى عدن، ومنها تسلل إلى الرياض التى حملته إلى القمة لتؤكد شرعيته، عربيا.. أم أن هذه الخطوة كانت ضرورية لإضفاء تغطية ملتبسة على الاجتياح السعودى بالنار لدولة عربية ذات سيادة، سرعان ما زكاها مجلس الأمن الدولى، كما كان ضروريا استحضار خطر الاجتياح الإيرانى، عشية الاتفاق الدولى مع طهران وقبل إنجازه، فتكسب السعودية فرصة إضافية لصفقة متكافئة مع إيران عبر نصرها السهل على اليمنيين الذين لا يجدون قوت يومهم، فمن أين لهم القدرة على صد حملة التدمير السعودية التى تستهدف وحدتهم الوطنية قبل السلطة فى صنعاء وبعدها؟!

والحقيقة انها ليست المرة الأولى التى يتم فيها النفخ فى نار الطائفية بل المذهبية لتبرير «التغيير» فى صنعاء.. لقد جرت محاولات كثيرة من قبل، ولعل تنصيب عبدربه منصور هادى رئيسا مؤقتا كاستنفار للجنوبيين لمواجهة الشماليين، مع التركيز على الربط بين حقبة الحكم الفاسد لعلى عبدالله صالح وبين الحوثيين، كان يستهدف تزوير طبيعة المعركة السياسية وتظهيرها كحرب شيعية مدعومة من إيران (الفارسية) ضد السنة العرب.. وتأتى فى هذا السياق الحملة الساذجة التى اعتمدت استذكار إقليم الأهواز (الذى اغتصبته إيران الفارسية) وإعادة تلميع بعض المنحدرين من أصول عربية فى تلك المنطقة (ربما كبديل من فلسطين..).

•••

هل من الضرورى التذكير بأن شعب اليمن قد انتصر، عبر تاريخه الحديث، وتحديدا بعد الثورة التى خلعت حكم الإمامة فيها (22 أيلول ـ سبتمبر 1962) ونصبت المشير عبدالله السلال رئيسا (مع مجلس لقيادة الثورة) على محاولة إثارة الفتنة.. ويشهد التاريخ أن المملكة العربية السعودية هى التى عززت القبائلية وكذلك الطائفية بل والمذهبية فى مواجهة الحكم الثورى الذى دعمته الجمهورية العربية المتحدة بقيادة جمال عبدالناصر، آنذاك. فهى من احتضن الإمام البدر ابن الإمام أحمد حميد الدين، الزيدى، والذى يمكن اعتباره بين أبرز «السادة» الذين ينتسب إليهم الحوثيون؟

وهل من الضرورى التذكير بأن الدول الأجنبية أرحم بالعرب من بعض الأنظمة العربية التى تتبنى سياسات تحرض على الفتنة وتستثمرها فى طمس مطالب شعوبها وإشغالها «بخصومها» من أشقائها فى الهوية القومية كما فى الدين؟

•••

إن أقوى أسلحة «عاصفة الحزم» ليست الطائرات الحربية الأحدث والأقوى فى التاريخ الحديث بصواريخها المؤهلة لتدمير دول وبلاد فقيرة إلى حد الإملاق، بل هى الفتنة.

ومن أسف أن بعض قادة الإمبريالية فى العالم، وفى طليعتهم الرئيس الأميركى اوباما، لم يتورعوا عن توجيه ملاحظات قاسية إلى الحكم السعودى، عبر دعوته إلى الاهتمام بشعبه وحقوقه الطبيعية فى ثروة بلاده، كما فى حياة سياسية واجتماعية مقبولة يتوفر فيها الحد الأدنى من الحريات وبينها حرية الرأى والتعبير وتشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية، فضلا عن حقوقهم بالحد الأدنى من الثروات الطبيعية لبلادهم، وفى الطليعة منها النفط.

لقد أهدرت فى هذه الحرب المفتوحة كميات خرافية من الأموال على الجانبين: فالسعودية قد تكلفت مئات ملايين الدولارات ثمنا للصواريخ التى دمرت بها المرافق والمنشآت العسكرية والمدنية فى اليمن الفقير إلى حد الإملاق، والذى سوف يحتاج إلى سنوات ضوئية قبل أن يتمكن من إعادة بناء ما تهدم.. علما بأن هذه المنشآت قد بنيت بأموال استنزفت طاقات اليمن، كما بهبات وشرهات وقروض تنتظر من يسددها.

وبالتأكيد فإن ما أهدر فى تدمير المرافق الحيوية فى الدولة الفقيرة كان يكفى لبناء يمن جديدة مؤهلة لدخول عصر التقدم الإنسانى، فضلا عن تأمين السكن والتعليم والغذاء لهذا الشعب الفقير، والمبتلى بالقات والحكم الردىء والجار الظالم الذى يحاسبه على مكوناته الطبيعية.

على أن أخطر ما فى «القضية اليمنية»، التى أضيفت الآن إلى مجموعة الجروح العربية النازفة، أنها قد جعلت من «الفتنة» سياسة رسمية معتمدة، ليس فقط بديلا عن العروبة والوطنية بل ومن الإسلام كذلك.

وهذا أعظم انتصار يحققه العرب فى القرن الحادى والعشرين على عدوهم القومى: إسرائيل!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved