الفتنة فى مواجهة الانتفاضة

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 22 مايو 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

بين تفجر المجتمعات العربية بالانتفاضات الشعبية التى اتخذت من «الميدان» منصة لمواجهة أنظمة الطغيان وحالة الضياع وافتقاد الطريق إلى المستقبل التى تسود الآن فى مختلف أرجاء الوطن العربى، تتبدى حاجة ملحة إلى إعادة تقييم «التحولات»، وأداء «القيادات» والقوى السياسية المختلفة لإنجاز التغيير للخروج من دوامة التساؤل والحيرة الآخذة إلى اليأس.

 

هل تاهت الانتفاضات عن أهدافها لأنها لم تكن موحدة القيادة، محددة البرنامج؟! وهل فوجئت القيادات والقوى السياسية القائلة بالتغيير والعاملة لها بأن «السقوط» جاء أسرع من التوقع، فلم تعرف كيف تتصرف فى مواجهة الفراغ فى قمة السلطة، تاركة لقوى الإسلام السياسى ذات التاريخ العريق فى فنون الانقلابات أن تفيد من الفرصة للقفز إلى سدة السلطة، بينما هى مشغولة بأسباب فرقتها وبعجزها عن صياغة برنامج للحكم بزخم جماهيرها والشوق العظيم إلى التغيير؟

 

وهل ترى هذه القوى قد أفاقت من غفلتها بعدما كوتها التجربة المرة فتنبهت إلى وجوه ضعفها وعكفت على إعادة صياغة برنامجها مستوعبة الدروس، مدركة دور «الخارج» فى عملية التغيير، وفى تشجيع «الإسلام السياسى» على خوض المغامرة... خصوصاً وأن هذا «الخارج» يعرف بالدقة حجم التأييد الشعبى لقوى الإسلام السياسى ووجوه النقص فى برنامجه، ثم حتمية أن يلجأ إليه لتمكينه من السلطة بالتأييد السياسى ــ ولو متلبساً ــ والدعم الاقتصادى ــ ولو محدوداً، وبشروط قاسية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام قوى «الميدان» التى استمرت فى موقع المعارضة كوسيلة لتدجين الإسلام السياسى وضبط حركة التغيير ضمن حدود ما لا يمس مصالح «الخارج»؟!

 

ثم.. هل يمكن الحديث عما آلت إليه ثورة الميدان فى مصر دون التوغل فى التطورات التى شهدتها الانتفاضة فى تونس وقد غدا الإسلام السياسى الطرف الرئيسى فى سلطتها؟! وهل يمكن تجاهل ما آلت إليه الأوضاع فى ليبيا ما بعد القذافى ومخاطر الحرب الأهلية التى تتهدد هذه الدولة؟ 

 

●●●

 

 وهل يجوز الفصل بين التطورات الدراماتيكية التى تشهدها مصر وتونس وليبيا وما يجرى فى دول المشرق العربى، وتحديداً سوريا التى يقاتل نظامها ضد معارضات عديدة بعضها يمثل تنظيمات أصولية وسلفية وافدة من الخارج البعيد، استولت على موقع القيادة فى مواجهة النظام الدكتاتورى، ما جعل كثيرين يعيدون النظر فى الشعار الذى كان مرفوعاً وجامعاً: «الشعب يريد إسقاط النظام». فليست هذه الجماعات هى «الشعب»، وان كانت هذه الواقعة لا تدفع ــ آلياً ــ إلى إعادة الاعتبار إلى هذا النظام الذى يتحمل المسؤولية الأولى والأخطر عما أصاب سوريا من تدمير.

 

وخسارة دور سوريا، فى موقعها الاستراتيجى المؤثر، كارثة قومية بقدر ما هى أرباح صافية للعدو الإسرائيلى، يجنيها من دون قتال تقريباً.. فأهل النفط العرب يقاتلون بالنيابة عنه، ويجمعون أشتات المقاتلين الإسلاميين وفيهم نسبة ملحوظة من غير العرب لإسقاط النظام بذرائع طائفية، متغافلين عن سجله الذى يتضمن نقطة مضيئة: مشاركته فى حرب رمضان ــ العبور ( 1973).

 

ثم أن خسارة سوريا تستتبع مباشرة خسارة العراق ودوره الذى كان ذات يوم محورياً فى الصراع العربى الإسرائيلى وكان مصدر أمل فى نهوض عربى شامل لأنه كان يملك مقدرات ممتازة اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً.

 

على أن الأخطر بين التطورات التى يشهدها المشرق العربى هى المحاولات الجارية لحرف الصراع السياسى عن مساره ودفعه فى اتجاه الفتنة الطائفية... فيتم تصوير المواجهات الجارية حالياً بين النظام الحاكم فى بغداد (كما فى دمشق) وبين الجماهير الغاضبة من القصور أو التقصير فضلاً عن الممارسات البوليسية، بأنها «ثورات ضد الهيمنة الشيعية ــ العلوية ــ على القرار السياسى فى دول سنية».

 

●●●

 

وبالطبع فإن هذه محاولة لتشويه الانتفاضات الشعبية التى كانت فى أساسها حركات اعتراض وطنى على سلوك خاطئ للنظام ولم تكن «طائفية» أصلاً لا فى مطالبها ولا فى سياق نضالها السياسى... لكن التدخل الخليجى، ودائماً بالقيادة القطرية التى انتدبت نفسها لإنجاز «الثورة» المذهبة فى الوطن العربى، أخذ يحرف هذه الانتفاضات عن وجهتها الأصلية ويدمغها بالطابع المذهبى استنفاراً لسنة المنطقة الذين يتبدون مظلومين ومقهورين بالهيمنة الإيرانية.

 

إيران موجودة، بالطبع، فى المشرق العربى، وفى أفريقيا وأمريكا اللاتينية كما فى مجمل الدول الإسلامية. لكن هذا الوجود «سياسى» بالدرجة الأولى، وهو يفيد أولاً وأخيراً من الفراغ السياسى الذى تسببت فيه أنظمة الطغيان فى مجمل أنحاء الوطن العربى.. وحتى لو حاولت إيران دغدغة مشاعر «الشيعة» وتثميرها فى السياسة فإنها تبقى محدودة التأثير سياسياً، إذا كان الشعب فى أى من هذه الدول المعنية يعيش حياة طبيعية وترعاه دولته بوصفه شعباً وليس تجمعات طائفية ومذهبية بعضها يحمل ذكريات مؤلمة عن استبعادها وحرمانها من المشاركة فى السلطة فى بلادها. والرد على «التغلغل الإيرانى» يكون بتأكيد وحدة الشعب عبر عدالة الدولة فى التعامل مع مكوناته المختلفة. فالدولة تكون دولة الجميع أو لا تكون دولة. ويمكن للخارج أن يفعل فيها وأن يلعب على غرائز الجماعات ومحاولة إثارة الفتنة والتقدم لإسباغ حمايته على بعضها من البعض الآخر.

 

ولدى اللبنانيين تجربة تاريخية حافلة فى هذا المجال... فمنذ قرن ونصف القرن تقريباً، تقدمت «الدول» فقررت فرنسا أن تكون مرجعية الموارنة، وروسيا مرجعية الأرثوذكس، وبريطانيا مرجعية الدروز، على أن يبقى السنة فى رعاية السلطان، وأهمل الشيعة الذين لم يتقدم أحد لرعايتهم، بما فى ذلك إيران..

 

وفى العودة إلى أساس الموضوع لا بد من التأكيد على الجوهر السياسى للانتفاضة الشعبية مع الأخذ بعين الاعتبار تجارب الحكم فى دول المشرق التى ابتدعتها الإرادة الأجنبية فرسمت حدودها، وفق مصالحها، وقررت طبيعة الأنظمة الحاكمة المحافظة على وجوه التميز بين عناصر الشعب الواحد فى توزيع مواقع السلطة.

 

●●●

 

لقد تجدد الحديث فى المشرق عموماً عن معاهدة سايكس ــ بيكو (1916) التى عقدت بين الاستعمارين الفرنسى والبريطانى لتقاسم المشرق العربى، فاقتطعت أجزاء من سوريا لتقوم منها إمارة شرقى الأردن استرضاء للهاشميين بعد «طرد» الملك فيصل الأول من دمشق، وضمت أجزاء أخرى منها إلى متصرفية جبل لبنان لتصير «الجمهورية اللبنانية» على صورتها الراهنة، كما اقتطعت منها منطقة الموصل وضمت إلى العراق تحت الانتداب البريطانى نتيجة لاكتشاف النفط فيها.

 

والتركيز على الطوائف حالياً، بدلاً من الحديث عن طبيعة الأنظمة وعلاقتها بالديمقراطية وحرصها على وحدة الدول فى المشرق العربى، يبدو وكأنه تمهيد لأنواع جديدة من التقسيمات السياسية تلبية لمصالح الدول الأجنبية، بعد إعادة صياغتها، والآن بمساعدة خليجية واضحة... وليس ضرورياً تجديد الحديث عن دور قطر فى المأساة السورية أو عن حملاتها التحريضية لتقسيم العراق على قاعدة طائفية (بعد تكريس تقسيمه على قاعدة عنصرية (عرب وكرد وتركمان..).

 

فإذا كانت مصر مشغولة بهمومها الناتجة عن استيلاء تنظيمات الإسلام السياسى على السلطة فيها، مع الاستعداد للانغماس فى لعبة الصراع بين المذاهب، فإن المرجعية العربية الأساسية تتبدى غائبة أو معطلة فى دورها التوحيدى الذى يؤكد وحدة الشعوب العربية فى أهدافها ويعيدها إلى الميدان الأصلى لنضالها: بناء الدولة القوية ومواجهة العدو الإسرائيلى الذى لم يعد «خارجياً» بل هو موجود وفعال فى لعبة الصراع المذهبى وأعظم المستفيدين من الانشقاق السني-الشيعى الذى يعمل الكثيرون لتحويله إلى مواجهة بالسلاح.

 

●●●

 

إن تجاهل حقائق أصلية أبرزها وحدة شعوب هذه المنطقة، العربية بالهوية على تعدد أديانها ومذاهبها، يبرر لصعود الطائفية والمذهبية باعتبارها السلاح الأخطر فى مواجهة الانتفاضة وهى تتقدم على طريق إنجاز التغيير الثورى.

 

ومصر ليست فى منجاة من الفتنة... وفضلاً عن إعادة تحريك «القضية القبطية» ثمة من ينفخ فى نار الصراع السني-الشيعى، علماً بأن ليس فى مصر من الشيعة إلا عشرات الآلاف الغارقين فى بحر ملايين السنة والتى لم يكن لهم فى أى يوم مطالب سياسية.

 

وإذا كانت الفتنة الطائفية متعذرة فى ليبيا فالفتنة بين الأعراق ممكنة، وها هو الحديث يتجدد عن حقوق الامازيغ،  فضلاً عن حقوق كل «ولاية» فى استعادة استقلالها على أساس قبلى. إن الفتنة هى الخطر الأعظم الذى يتهدد الانتفاضات العربية، خصوصاً وإنها مؤهلة لاستيعاب «الدول» ومشاريعها فى الهيمنة مجدداً على المنطقة باستخدام الطائفية هذه المرة.. فحذار الفتنة!

 

 

 

رئيس تحرير جريدة « السفير» اللبنانية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved