دبلوماسية الطوارئ

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 22 أغسطس 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

انتبه خبراء فى العلاقات الدولية وإعلاميون غربيون إلى حالة النشاط المتصاعد للدبلوماسية المصرية فى الأسابيع الأخيرة. لم أقرأ بعد، أو اسمع، تقويما شافيا لإيجابيات هذه الحالة ونقائصها، ولكنى استطيع أن أشهد من المتابعة والملاحظة الشخصية أن الجهد واضح والمحاولة جادة. أشهد أيضا بأن المهمة صعبة، ليس فقط لأن مراكز ثقل دولية عديدة تصدت، على غير ما كان متوقعا، لمواجهة كل جهد دبلوماسى تقوم به مصر لشرح طبيعة الأزمة وتبرير القرارات المتخذة، ولكن أيضا لأن وزارة الخارجية المصرية كانت قد بدأت بالكاد تخطو أولى خطوات التحرر من هيمنة وتداخل عديد الأجهزة التى نصبت نفسها لعشرات السنين العقل المشرف على تخطيط سياسة مصر الخارجية وتنفيذها.

●●●

أفهم الدبلوماسية، فى أحد تعريفاتها، كمجموعة من الأساليب التى تستخدمها أو تلجأ لها الدولة لتنفيذ سياستها الخارجية والمحافظة على مصالحها القومية. أفهم أيضا أن هناك ما يمكن أن نطلق عليه دبلوماسية الطوارئ. وهذه حسب رأيى، عبارة عن عدد مختار بعناية من بين الأساليب المتعارف عليها يجرى حشدها فى باقة مركزة يكلف بالتنسيق بينها جهاز متعدد الاختصاصات والصلاحيات. هذا الجهاز له مهمة محددة ومسئول عن تنفيذ أهداف معينة فى مرحلة تتعرض فيها الدولة إلى أزمة داخلية أو خارجية حادة. يحدث كثيرا خلال تطبيق دبلوماسية الطوارئ أن يجرى تفضيل أساليب على غيرها ورفع قضايا بعينها إلى مراتب الأولوية فى قائمة المصالح القومية وبالعكس خفض مرتبة قضايا أخرى، يمكن مثلا تجميد تحالفات تقليدية وتنشيط تحالفات راكدة أو كامنة. يمكن أيضا تقييد حرية الدبلوماسيين الأجانب فى التنقل وفرض إجراءات قنصلية متشددة. هذه التصرفات وغيرها يمكن اتخاذها بشرط واضح وهو أن يكون معروفا فى الداخل والخارج على حد سواء أن تحديد مدة ممارستها يرتبط بحالة الطوارئ وبالوقت الذى تستغرقه الأزمة. هذه المدة تنتهى حتما بانتهاء الحاجة إلى تطبيق دبلوماسية الطوارئ، أى بتسوية الأزمة. عندئذ يتعين العودة إلى العمل بأساليب الدبلوماسية العادية واحترام أولويات المصلحة القومية وأولويات القضايا الوطنية والعودة إلى حالة العلاقات الطبيعية بين أجهزة الدولة ذات الصلة بالعمل الخارجى.

يحدث أحيانا أن يتقبل المجتمع الدولى الإجراءات الاستثنائية التى تتخذها دبلوماسية دول بعينها تمر بأزمة أو تتعرض لحالات حرب أو كوارث اقتصادية، متفهما أسبابها ومقدرا ظروفها. وقد يحدث أن يستسيغ النظام الحاكم حالة الأزمة فيعمل على نشر الزعم باستمرار الأسباب الدافعة إليها، ليستمتع بالمزايا التى يقدمها المجتمع الدولى للدول المأزومة، وللاستفادة من أجواء القمع والهيمنة التى تفرضها قوانين الطوارئ. نعرف من تجاربنا وتجارب الدول القريبة منا، أن كثيرا من أنظمة الحكم فيها تتعمد افتعال الحاجة إلى استمرار العمل بدبلوماسية الطوارئ لفترات أطول، الأمر الذى انتهى فى حالات كثيرة إلى نتائج وخيمة أضرت ضررا جسيما بمصالح الدولة والاستقرار الإقليمى.

●●●

لا يتردد أغلب المتخصصين فى شئون الدبلوماسية والعلاقات الدولية فى الإقرار بأن مصر كانت نموذجا لهذه الحالة. إذ انتهز نظام الرئيس حسنى مبارك ظروف الأزمة التى احاطت بمصرع الرئيس أنور السادات، ليثبت استمرار الحاجة إلى نظام طوارئ. وكانت فيما أذكر ونعلم خطوة ضرورية من وجهة نظر النخبة الحاكمة التى لم تتصور، منذ سنوات سبقت مصرع السادات، إمكان إجراء تحول جذرى فى السياستين الداخلية والخارجية إذا لم تفرض على الشعب والبلاد منظومة طوارئ متكاملة، بل ومدعومة من الخارج. تأكدت هذه الرؤية فور موت السادات وبخاصة عندما كاد الإرهاب يتسبب فى إشعال حريق هائل بصعيد مصر.

إلا أن ما لم يتوقعه المتفائلون بتولى مبارك مقاليد السلطة هو أن النظام سوف يستمرئ الهدوء الذى تصطنعه حالة الطوارئ، وأن يمتد هذا المزاج الاسترخائى إلى حقول السياسة الخارجية وميادين عمل الدبلوماسية المصرية وأدواتها. المهم أنه امتد فعلا إلى حد صارت عنده الحالة المؤقتة التى اخترنا لها تعبير «دبلوماسية الطوارئ» إلى حالة دائمة استمرت لأكثر من ثلاثين عاما. بل أذكر أن مسئولين كبارا ودبلوماسيين صغارا كادوا يعتقدون أن هذه الحالة هى فى الحقيقة الحالة الطبيعية للدبلوماسية كما يجب أن تكون. نسى الكثيرون، ولنا أصدقاء بينهم، أن هذه «الدبلوماسية» ذات الطبيعة الخاصة نشأت فى ظروف أزمة وكان يجب أن تنتهى بانتهاء الأسباب المباشرة للأزمة. نسينا مثلا أن من بين أهدافها وقت النشأة «تجميد» بعض أوضاعنا الدولية على ما كانت عليه تفاديا لانزلاق غير مدروس فى ظروف انتقالية بدت فى حينها صعبة ومعقدة.

انتهى الأمر، أمر استمرار العمل بدبلوماسية الطوارئ، إلى خضوع السياسة الخارجية المصرية لأساليب دبلوماسية من نوع استثنائى ومؤقت بطبيعة ظروفه ونشأته. انتهى أيضا إلى نتائج ليس أقلها شأنا تدنى سمعة مصر الدولية، وتدهور مكانتها فى النظام الإقليمى العربى، وانحسار مساحات اهتمامات مصر فى أقاليم مهمة مثل أفريقيا وأوروبا الشرقية وروسيا ومعظم دول آسيا. وإن نسينا نتائج كئيبة أو مفجعة أخرى فيجب ألا ننسى مسئولية دبلوماسية الطوارئ، أو هذه الدبلوماسية الاستثنائية، عن تعقيد أزمة مياه النيل وتدهور علاقات مصر بدول الحوض.

●●●

قائمة السلبيات طويلة، ولن يكون هينا أو مقبولا أن نعفى التدهور فى العمل السياسى الدولى خلال مرحلة حكم الرئيس مبارك من مسئولية نشوب ثورة شعبية اطاحت بالنظام، ومازالت تموجاتها وعصبياتها تطيح بكيانات سياسية وحزبية وتيارات وشخصيات شتى. اعتقد مثلا أننا ندفع حاليا فى شبه جزيرة سيناء ثمنا باهظا للتنبه لضرورة العودة إلى «الدبلوماسية التقليدية»، أى المعتادة للتعامل مع تبعات معاهدة الصلح ومسئوليات حدود مصر الآسيوية. ولا أبالغ إذا قلت إن ثلاثين عاما كانت مدة كافية لصبغ بعض خيرة دبلوماسيينا وخبرائنا فى العلاقات الدولية بصبغة دبلوماسية الطوارئ، التى هى صبغة من لون خاص ومزاج مختلف. كنا نسمع باستمرار أعذار ومبررات لا يقبلها عقل سليم وبعيد النظر، وإن كنا مدعوين دائما لمراعاة «الظروف» التى كان قد مضى على علاقتنا بها ثلاثين عاما بل أكثر كثيرا، وبخاصة «ظروف الطوارئ» وأمزجة القائمين على حكم البلاد وبخاصة فى القطاع الأمنى، الذى تمدد نفوذه بفضل دبلوماسية الطوارئ فصار يهيمن على عملية صنع السياسة الخارجية.

●●●

جاءت مرحلة كانت دبلوماسية الطوارئ فيها العقبة الأهم أمام كل اجتهاد يحاول إثارة النقاش الجاد والهادئ والواثق حول موضوع المعونات العسكرية الأمريكية وكذلك موضوع العلاقات المصرية ــ الأمريكية باعتباره موضوعا ملحقا بموضوع المعونات، حسب الفهم السائد فى منظومة «دبلوماسية الطوارئ». ركز أصحاب هذا الاجتهاد على أهمية تصحيح هذا الفهم من أجل تهيئة أجواء مناسبة لعلاقات أفضل وعلى أسس أقوى.

كذلك تصدت دبلوماسية الطوارئ لكل اجتهاد حاول أن يعيد فتح قضية أمن حدود مصر الشرقية وقضايا تعمير سيناء وما صار يعرف بقضايا الهوية السيناوية. تصدت أيضا لأفكار تدعو إلى تطوير سبل المواصلات مع الجزيرة العربية ومنها إلى أعماق القارة الآسيوية. ولأسباب غير وجيهة، وأكاد أقول غير وطنية، منعت الاستجابة لكل اجتهاد سعى أصحابه إلى العودة إلى «أفرقة» جانب من السياسة الخارجية المصرية، حتى وإن كان على حساب جوانب «تأوربت» خطابيا فقط مثل التركيز على زيارات لإيطاليا وألمانيا وفرنسا بدون دافع مفهوم أو مصلحة قومية كتلك التى حفزت حكومات تركيا على «أوربة» سياستها الخارجية سعيا وراء عضوية الاتحاد الأوروبى.

●●●

تقف مصر الآن أمام منعطفات خطيرة، أحدها منعطف صنع سياسة خارجية فى ظروف أزمة داخلية هائلة. هذه الأزمة التى استدعت فرض حالة طوارئ يصعب ان نختلف على ضرورتها خلال الساعات والأيام العصيبة التى نمر بها، ولكن يصعب علينا فى الوقت نفسها أن نهمل فى الاشارة، وبكل الوضوح والأمانة، إلى أن النشاط المتصاعد الذى تمارسه حاليا الأجهزة الدبلوماسية المصرية يجب ألا يكون على حساب مصالح أطول أمدا للسياسة الخارجية المصرية. بمعنى آخر، لن يكون فى صالح مصر التى ثارت من أجل وضع دولى أفضل ومكانة أكرم ورخاء أوفر أن تجد نفسها وقد عادت مقيدة الحركة بمزاج يرتاح إلى إعادة الدبلوماسية المصرية إلى حالتها الاستثنائية، حالة «دبلوماسية الطوارئ».

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved