ربيع 1968 وخريف 2010

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 22 ديسمبر 2010 - 10:13 ص بتوقيت القاهرة

المتعة التى حصلت عليها خلال الأسابيع الأخيرة وأنا أشاهد المظاهرات فى شوارع اليونان وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وحتى مصر لم أحصل على مثلها منذ مدة طويلة، وتحديدا منذ عام 1968، فالمظاهرات التى أسعى دائما لمشاهدتها لا تشدنى إليها شعارات مرفوعة أو «مهتوفة» ولا أعداد غفيرة أو قليلة إنما تجذبنى وجوه بين المتظاهرين.

أبدأ بأن أكتم صوت التليفزيون كلما أطلت منه مظاهرة، أخشى من صوت هتاف أو مذيع يشتت الذهن أو يجرفنى مشاركا فى المظاهرة. أبحث فى المظاهرة عن وجه وعندما أعثر عليه أسأل لماذا خرجت صاحبة هذا الوجه الناعم والشعر الهائج إلى الشارع فى هذا البرد القارس، وأتابع كهلا يمشى وسط المتظاهرين وقد خلا وجهه من أى انفعال، يبدو شاردا يفكر فى أمور شتى ليس من بينها الأمر الدافع للتظاهر.

وهناك على أطراف المظاهرة وجه تغطى الكوفية نصفه أو أغلبه، وعيناه تتوقدان حماسة أو شرا وتتبادلان رسائل مع عيون شبان آخرين متناثرين فى بقية الأطراف، وفجأة تنطلق الصواريخ النارية وتشتعل المظاهرة بالعنف ويتساقط القتلى والجرحى.

لم يكن هناك مفر طوال الأسابيع الماضية التى شهدت مظاهرات فى عديد المدن من أن أقارن بين مظاهرات 2010 ومظاهرات 1968، وما أكثر وجوه المقارنة. هنا فى 2010 خرج الناس إلى الشوارع تحثهم الشكوى فى قضايا غلاء وتقشف وفساد وظلم اجتماعى تمارسه طبقة رأسمالية توحشت فى معظم دول العالم ضد طبقة وسطى كانت دائما أمل المجتمعات الساعية للنهوض والرقى.

وهناك فى 1968 خرج الناس إلى الشوارع تدفعهم مشاعر جيل ولد بعد الحرب العالمية الثانية ونضج ليجد نفسه فى خضم حرب عظمى باردة وحروب صغيرة ساخنة وكثيرة. جيل يطلب العيش فى سلام ويرفض العنف ويريد من النخب الحامة وقبلها المثقفة الاستماع إليه. هنا فى 2010 أرى فى المظاهرات وجوها تمثل جميع الاعمار وبخاصة ما يسمونه الآن جيل الوسط، أرى موظفين وعمالا من ارباب العائلات.

وكثيرين من كبار السن وبعض الشبان. هناك فى 1968 رأيت شبابا بكثرة فائقة ولا أذكر اننى رأيت متظاهرين من كبار السن إلا نادرا وان اندس بعضهم وبعض متوسطى العمر بين الشباب وجرى وحدها نشر تحليلات متنوعة لتفسير هذا السلوك.

هنا فى 2010 أرى متظاهرين يحطمون واجهات محلات تجارية ويقلبون سيارات ثم يحرقونها ويمارسون بتعمد واضح العنف ضد الشرطة، أراهم غاضبين وخائفين ويائسين وبعض ممارساتهم تكشف عن سلوك المخدوعين.

نراهم يحملون صواريخ نارية وأسلحة يدوية ويرتدون الأقنعة ويسخرون من رجال الشرطة. هناك فى 1968 رأيت المتظاهرين يتمشون فى الشوارع والحدائق العامة متحاضنين متحابين ومبتسمين، رأيت النساء فيهم وقد وضعت كل أنثى زهرة فى شعرها وارتدت فستانا مزركشا بألوان الورود وبذيله يمسح الأسفلت.

رأيت المتظاهرين يرقصون تارة وسط الشارع ويستلقون تارة أخرى على الأرصفة يدخنون ويشربون قبل ان تعيدهم الموسيقى الصادرة من وسط الشارع إلى مسيرتهم الداعية إلى الحب والسلام..

هنا فى 2010 يستخدم المتظاهرون « التويتر» لاستدعاء بعضهم البعض، ويستخدمون ال sms للاستدلال عن دورات المياه وهى التى كان البحث عنها إحدى أهم مشكلات المتظاهرين عبر العقود.

قرأت أيضا انهم استخدموا خرائط جوجل واستخموا gps للتعرف على الشوارع والميادين وعناوين المؤسسات العامة والمستشفيات وتحديد مواقع الشرطة التى تتربص فى انتظارهم وعدد رجالها ونوع أسلحتهم.

هناك فى 1968 كان الجيتار أداة الاستنفار والاستدعاء والتجمع. هناك حلت أغانى الحب والسلام محل الهتافات والشعارات والاغانى الوطنية. كان المتظاهرون ان تعبوا يحتلون دور السينما والمطاعم الراقية والمقاهى العامة والنوادى الاجتماعية، يزيحون المقاعد والموائد ويفترشون الأرض. لم أرى إلا نادرا اعتداء على شرطى أو انتهاكا لحرية مواطن غير مشارك أو تهديدا لممتلكات عامة أو خاصة.

انتهت المقارنة بين مظاهرات عشتها أو شاهدتها فى عام 1968 ومظاهرات أشاهدها وأقرأ عنها فى عام 2010. وبعد أيام ندخل فى عام 2011. وفى تصورى أنه يجب أن نتوقع جديدا فى سلوكيات الاحتجاج والغضب. نتوقع أن يستخدم المنشق والمحتج والمعارض كفاءته وخبراته فى تشغيل الشبكة الإلكترونية بشكل مكثف، ويطور ما بدأه أنصار أسانج صاحب تسريبات ويكيليكيس، حين استخدموا أجهزة الكومبيوتر الموجودة فى غرف نومهم أو مواقع عملهم للهجوم على مواقع شركات بطاقات الائتمان كالفيزا كارد وماستركارد ونجحوا فى شل انشطتها انتقاما لرفض هذه الشركات قبول تبرعات أنصار ويكيليكس.. لم يخرجوا إلى الشارع فى مظاهرة ولم يشتبكوا مع الشرطة ومع ذلك كانوا مؤثرين وفاعلين.

أقول للذين يسخرون والذين يبتئسون من ضآلة أعداد المشاركين فى المظاهرات المصرية: لاتستهينوا بالغاضب والمحتج واليائس والجائع، هؤلاء وغيرهم لن يعدموا وسيلة غير المظاهرات وأساليبها التقليدية يعبرون بها عما فى صدورهم.


هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved