دولـة الأوهام الفلسطينية

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 22 ديسمبر 2010 - 11:11 ص بتوقيت القاهرة

 مفرحة هى الأخبار المبشرة بأن العديد من دول أمريكا اللاتينية، تتصدرها أكبرها: البرازيل والأرجنتين وفنزويلا، قررت ــ ولو متأخرة ــ الاعتراف بـ«الدولة الفلسطينية»، التى لا تزال فى منزلة بين منزلتى الحلم والاحتمال، وعلى حدود الرابع من يونية 1967، فور إعلان قيامها.

على أن هذه الأخبار المفرحة ينبغى ألا تنسينا ما سبقها وواكبها وسيأتى بعدها من تطورات مقلقة، بل محزنة، تتصل بواقع الدول العربية القائمة تحت أثقال خطايا أهل النظام العربى وأخطائهم، مما يجعلنا أمام مسلسل من المفارقات:

المفارقة الأولى أن هذا التعهد بالاعتراف بدولة فلسطينية يصطدم بواقع أن الأرض (وربما الإرادة، عربيا) لا تزال رهينة لدى الاحتلال الإسرائيلى الذى يحاول شطب شعبها والتهام أرضه الوطنية بالمستوطنات والمزيد من المستوطنات التى يستورد لها المستوطنين الذين سيصيرون «سكانها» وبالتالى «المواطنين» فى دولة يهود العالم «الديمقراطية»، على حساب بناتها من أهلها على امتداد ألفى سنة أو يزيد.

المفارقة الثانية أن هذه المبادرة التى تقدم عليها دول أمريكا اللاتينية ولأسباب مبدئية، تجىء بينما العديد من «الدول» العربية القائمة ككيانات سياسية منذ عشرات السنين، لها من يمثلها فى جامعة الدول العربية وفى الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتى قد يرفعها نظام القرعة إلى عضوية مجلس الأمن الدولى أحيانا، تزلزلها النزعات الانفصالية متعددة الأسباب والمصادر.

فها هو السودان ينشطر إلى «دولتين»، شمالية وجنوبية، مع توقعات جديدة عن تفاقم الحالة الانفصالية وإغراءات «الاستقلال» والتى تنذر بولادة «دول» أخرى فى الشرق (دارفور) وفى الغرب، بل حتى فى بلاد النوبة شمالا.

وها هو العراق تأخذه النتائج المباشرة للاحتلال الأمريكى الذى ورث عن الطغيان دولة مصدعة البنيان، وشعبا مقهورا مطاردا فى حياته وفى رزقه، إلى أنواع من الانفصال السياسى (والاقتصادى بإغراءات النفط) بين جهاته الجغرافية وتركيبته الديمغرافية والطائفية والمذهبية: الشمال الكردى، والوسط السنى، والجنوب الشيعى، بينما تظل العاصمة بغداد ومحيطها قيد التفاوض، فى انتظار أن يمنح أهلها، بدورهم، حق تقرير المصير!

وها هو اليمن الذى لما يهنأ بدولته الموحدة التى لم يبلغ عمرها العقدين من السنين، يبدو مهددا فى وحدته.. وها هى أصوات المطالبة بالانفصال ترتفع ليس فقط فى «الجنوب» التى أخرجت الثورة الشعبية فيه الاحتلال البريطانى، ثم أخذته حقائق التاريخ والجغرافيا والمصالح إلى الوحدة مع الشمال، بل حتى فى الشمال ذاته نتيجة حكم الفرد المصفح بالعشائرية والعسكر.. وبين آخر ما ظهر إلى السطح فيه صراعات قبلية داخل المذهب ذاته بإغراءات السلطة ولو على جزء يسير من «التراب الوطنى».

وبالعودة إلى فلسطين وما يدبر لها، لا بد من التوقف أمام حدث لافت جرت وقائعه قبل أيام قليلة تاركة خلفها العديد من الأسئلة والتساؤلات حول مدى «استقلال» القرار الأوروبى وقدرته على مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

فقبل فترة وجيزة، جرت محادثات أوروبية مكثفة، وهدد الاتحاد الأوروبى بالاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967، فى محاولة لمعاقبة إسرائيل على رفضها تجميد الاستيطان فى الضفة الغربية لاستئناف المفاوضات..

لكن بيان الاعتراف هذا لم يصدر، نتيجة ضغوط أمريكية ــ إسرائيلية شديدة، واكتفى الأوروبيون بإصدار «بيان قوى» سيضم إلى أرشيف المواقف الأخلاقية التى لا تبنى دولة فلسطينية إلى جوار «دولة اليهود الديمقراطية» والتى يجد معها الفلسطينى نفسه أمام خيار بائس: بين ان يبقى فلسطينى الهوية مهددا بالطرد فى أية لحظة وتؤخذ منه أرضه، أو يتنازل عن فلسطينيته لكى يبقى لاجئا فى أرضه!

وقبل شهور قليلة ظهر رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو، فى شريط فيديو بثته قناة إسرائيل العاشرة، وهو يتفاخر كيف خرب خلال الانتفاضة الثانية، اتفاق اوسلو. قال: «سوف أقوم بتفسير الاتفاقات بطريقة تسمح لى بأن أضع حدا بهذا القفز فى اتجاه حدود 1967.. إننى اعرف ما هى أمريكا. إن أمريكا هى شىء يمكن أن تحركه بكل سهولة، وأن تحركه فى الاتجاه الصحيح. إنهم لن يعترضوا الطريق..

لعل ما يعزز حاليا ثقة نتنياهو فى قدرته على تحريك أمريكا فى الاتجاه الصحيح، «الهدية» التى جاءته من حيث لم يحتسب.. فزعيم الأغلبية فى الكونجرس الجديد هو إيرك كانتور. وهذه هى المرة الأولى التى سيحتل فيها يهودى ــ إسرائيلى الولاء الرتبة الأعلى فى الكونجرس.

فى العام الماضى قاد كانتور وفدا مكونا من 25 عضوا من أعضاء الكونجرس الجمهوريين فى زيارة لإسرائيل، انتقد خلالها إدارة أوباما علنا على «تدخلها فى الأمور الداخلية الإسرائيلية» مثل طرد عائلات فلسطينية من منازلها فى القدس الشرقية، واستمرار الاستعمار والاستيطان اليهودى فى الضفة الغربية طوال 43 عاما.

وما بات معروفا الآن أن أركانا فى اللوبى الإسرائيلى كانوا يتولون سياسة أوباما الشرق أوسطية، ومنذ العام 2002 كان الرجل الذى صار رئيسا يتلقى المشورة من لى روزنبرج، وهو عضو فى « الشبكة الوثيقة ليهود شيكاغو»، والذى «رعى ومكن» مهنة أوباما السياسية على حد تعبير «شيكاجو تريبيون».. وهو من رافق السناتور اوباما فى زيارته الأولى لإسرائيل حيث انتبه إلى تقديرها لاحتياجاتها الأمنية.. ثم ان روزنبرج قدم أوباما، المرشح للرئاسة، إلى مؤتمر اللوبى المؤيد لإسرائيل فى العام 2002 حيث تعهد أوباما فى تناقض فج مع القانون الدولى والتعهدات الأمريكية بأن «القدس ستبقى عاصمة لإسرائيل ويجب ان تظل موحدة».

وعلى هذا فإن الخطاب «العاطفى» الذى أورد فيه أوباما الإشارة إلى دولة فلسطينية إلى جانب الدولة اليهودية لا قيمة له سياسيا، وهو قد سقط من ذاكرة الجميع فى أى حال.

يبقى أن نشير إلى ان إقرار تمديد تافه مدته 90 يوما لتجميد توسيع المستوطنات غير الشرعية فى الضفة الغربية المحتلة (باستثناء القدس الشرقية) ولمرة واحدة، كانت كلفته 20 طائرة مقاتلة من طراز الشبح إف ــ 35، بقيمة 3 مليارات دولار.

إن دول العالم اجمع تعرف أن «عملية السلام فى الشرق الأوسط» قد ماتت، وإن امتنع الكل عن دفنها. وبالطبع فإن المبادرة العربية لم تعمر طويلا.

وعلى الرغم من أن «الدول» ومعها أهل النظام العربى، لا يريدون إعلان وفاة تلك المبادرة التى صاغ فكرتها الملكية قلم صحفى أمريكى لم يشتهر عنه إيمانه بالحق الفلسطينى، فإن المستقبل الفلسطينى يبدو مظلما أكثر مما كان فى أى يوم مضى:

لا أهل السلطة مستعدون للاستقالة على الرغم من التهديدات المتكررة التى يطلقها رئيسها الطائر دائما حتى لا يخضع فى كل سفرة إلى إذن إسرائيلى بالخروج من «أرضه»، ثم بالدخول إليها،

ولا أهل المعارضة الذين اتخذوا من غزة قاعدة لسلطتهم مستعدون للمجازفة بإعلان الرفض القاطع للمشاريع المطروحة، بل قد صدر عنهم ما يناقض التزامهم المبدئى بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، حين أعلنوا أنهم يقبلون بدولة فى حدود 1967.. ثم حاولوا التنصل من هذا الإعلان بطريقة غير موفقة. فالمهم، لهم أيضا، الاحتفاظ بالسلطة..

أما أهل النظام العربى فلا يعرفون اليأس. وهكذا فإنهم، وبعد كل إهانة، يتوجهون إلى واشنطن طالبين منها التدخل والتوسط، مع مزيد من التنازلات.

من كان حسن النية أو مغرقا فى الوهم منهم أو متخابثا أو متواطئا، كل هؤلاء يتصرفون وكأن الجنرال أيزنهاور هو الذى يحكم الآن الولايات المتحدة، وأنه لا بد سوف يتدخل لإجبار إسرائيل على الانسحاب (ومعها بريطانيا وفرنسا) فى أعقاب العدوان الثلاثى على مصر فى مثل هذه الأيام من العام 1956.

وينسى أهل النظام العربى أن أيزنهاور أولا قد مات منذ عقود، وثانيا أنه لم يكن يقوم آنذاك بعمل خيرى، ولكنه استفاد من الخطأ التاريخى الذى ارتكبته بريطانيا وفرنسا عبر شن الحرب على مصر بالتواطؤ مع إسرائيل، وكل منها لسبب، لإعلان طرد الإمبراطوريتين العجوزين من الشرق الأوسط، لتحل الولايات المتحدة الأمريكية محلهما.. آخذة فى اعتبارها أن تتولى بنفسها رعاية إسرائيل رعاية مطلقة، بوصفها الشريك الاستراتيجى الدائم.

لكن أمريكا أيزنهاور وبغض النظر عن الأغراض الاستراتيجية المختلفة يومها عنها الآن، قد اختفت تماما، لتظهر أمريكا الإمبريالية التى تريد وتسعى وتعمل للهيمنة على العالم كله..

لتوضيح الفارق، يمكن الاستشهاد بما قاله وزير الحرب الأمريكى دونالد رامسفيلد: «إننا لا نحصى جثث الآخرين».

وحتى اليوم لا يبدو «الشعب الأمريكى» معنيا بأن يعرف كم من العراقيين قتلوا أو جرحوا أو شردوا من ديارهم فى «حرب التحرير» الأمريكية لبلادهم؟! علما بأن أعداد الضحايا بالملايين..

تماما كما أن الإسرائيليين غير معنيين بأن يعرفوا كم من الفلسطينيين قتلوا أو شردوا خلال دهر الاحتلال الممتد منذ العام 1967 وحتى اليوم، هذا إذا ما قفزنا عن بداية الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين بكل المذابح وعمليات القتل الجماعى التى شهدتها أنحاء فلسطين المختلفة، بالمدن والقرى، خلال العام 1948.

دولة الأوهام فى فلسطين العربية التى تخلى عنها أهلها لن تبصر النور فى عصر سقوط الدول الكرتونية التى أقامها الاستعمار فى الأرض العربية، والتى عاشت فى قلق مصيرى لا هى تستطيع أن تكتسب قوة من واقعها ولا محيطها يحضنها فيحصنها والكل بحاجة إلى من يحميه ليبقى.. وها هى تلك الكيانات تتهاوى بالضربات الانفصالية القاضية فلماذا ستتنازل إسرائيل؟!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved