ماذا لو؟

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 22 ديسمبر 2015 - 10:40 م بتوقيت القاهرة

مَنْ منا لم يسأل نفسه «ماذا لو؟».
أكثرنا سأل هذا السؤال ليتسلى بتداعياته فى أوقات الملل أو الإحباط. سياسيون كبار وزعماء دول ورجال دين يسألون «ماذا لو؟» كلما فاجأتهم الكوارث وخيبات الأمل، أو فى لحظات الانتصار.
ترديد «ماذا لو؟»، مثلها مثل الاستغراق فى أحلام اليقظة أحيانا مفيدة ومنعشة وكثيرا ما تكون خبيثة وخطرة.
«ماذا لو؟»، هو فى حقيقة الأمر سؤال يسعى للتعرف على الوجه الآخر للواقع الذى يعيشه الإنسان أو تعيشه الأمم. الإجابة عليه تطرح بديلا للوضع القائم، تطرح عالما بديلا أو «حيوات» بديلة.
***
سمعت، قبل أيام، أحد المرشحين لمنصب الرئاسة الأمريكية يسأل ماذا لو لم نعتقل جميع المقيمين اليابانيين والأمريكيين من أصل يابانى عندما نشبت حرب الباسيفيكى فى أعقاب الهجوم اليابانى على قاعدة بيرل هاربر. تلقف السؤال عديد الناس فى أمريكا وخارجها، وإذا بماذا لو؟ تتردد بكثرة. ماذا لو انتصر اليابانيون فى الحرب العالمية الثانية؟. ماذا لو انتصرت القوات النازية فى أوروبا؟. هذا السؤال أو ذاك فى هذا الوقت بالذات كان يحمل لنا معانى خطيرة. فهمنا الرسالة التى تقول بوضوح إن الغرب يجب أن يواجه «المسلمين» بالعزم والقوة اللذين واجه بهما الحلفاء اليابانيين والنازيين والفاشيين من قبل.
***
ماذا لو؟، مسألة اهتم بها المؤرخون وأساتذة التاريخ. يقول Timothy Burke أستاذ التاريخ فى جامعة بنسلفانيا إنه يحث طلابه فى قسم التاريخ على وضع سيناريوهات بديلة للماضى.
كلفهم بأن يسألوا «ماذا لو» أن الهنود الحمر كانوا أقوى مناعة فى مواجهة الميكروبات التى حملها المهاجرون من أوروبا إلى القارة الأمريكية. لم يسأل، كما تعودنا نحن أن نسأل، ماذا لو نجحت الشعوب الأصلية فى الأمريكتين فى مقاومة المهاجرين البيض وجيوش الاستعمار الأوروبى فانتصرت عليهم وأبادتهم لحظة رسوهم على شواطئ العالم الجديد.
لا شك أنه من المفيد أن يعرف طالب التاريخ ورجل الدولة والمثقف كيف تجرى صناعة التاريخ، بمعنى التعرف على العوامل التى تؤثر أكثر من غيرها فى عملية صنع التاريخ . أنا واثق أنه من خلال البحث عن إجابة عن «ماذا لو؟»، يمكن أن نعرف أكثر عن دور «الفرد» فى نشوب الثورات وقمعها وفى تحقيق استقلال أمة وإعادتها إلى التبعية والعبودية، بمعنى آخر دوره فى صنع التاريخ.
يحذر المؤرخ Richard Evans من جامعة كامبريدج من المغالاة فى توجيه الطلاب ليسألوا هذا السؤال وينصح عموما بالابتعاد عن «العوالم البديلة» التى نتخيلها ونعيش فيها كلما أطلق الواحد منا السؤال، «ماذا لو؟».
أنا شخصيا، أرى فائدة كبيرة فى الاستمرار فى تشجيع الشباب على توجيه السؤا ل «ماذا لو؟». دعونا نتصور معا حجم الفائدة التى تعود علينا من السعى وراء الإجابة على السؤال «ماذا لو نزلت الأديان السماوية على شعوب أمريكا الشمالية أو بلاد اسكندنافيا؟».
أستطيع أن أتخيل كم الأسئلة التى ستطرح نفسها تفرعا عن السؤال الأساسى، وأتخيل أيضا أن النتيجة ستكون معرفة أعمق بالدين، وآفاق أوسع لمستقبله، وإدراك أفضل لدور بعض رجال الدين والسياسيين فى صنع التاريخ أو تحريفه.
لا شك عندى أننا لو سألنا السؤال وتحرينا الإجابة العميقة والدقيقة لفهمنا أو ازداد فهمنا لهذه الفوضى العارمة الضاربة فى جميع أنحاء الشرق الأوسط، مهد جميع هذه الأديان.
سؤال آخر. ماذا لو أن قوات الأمن فى مصرنا العزيزة تدخلت فى يناير ٢٠١١ لدعم الثورة؟ أو نسأله بصياغة مختلفة. ماذا لو أن قوات الأمن الداخلى لم تنسحب من الشوارع ولم تترك وراءها عناصر الفوضى تنهب البلد وتهد هيبة الدولة؟ ماذا لو أضافت مصادر قوتها وقوة عزيمتها إلى قوى الشعب الثائر واشتركوا جميعا فى إصلاح دولة استفرد بها لثلاثين عاما نظام حكم فاسد وخضعت لنظام اقتصادى واجتماعى عاجز؟
لو جرت محاولة جادة للتوصل لإجابات أمينة وصادقة على هذا السؤال لاتسعت أمامنا الآفاق لترميم آثار خطأ جسيم، ولأمكن استكمال تنفيذ كل ما هو طيب ومفيد ومثمر فى هذه الثورة من أجل هذا الوطن، أخشى أن التهرب المتعمد من الإجابة على هذا السؤال بالذات سوف يزيد الأمور تعقيدا، وأعلم يقينا أن الاستقرار السياسى لن يتحقق إذا لم نحاول الإجابة على السؤال، ماذا لو لم تختف أجهزة الأمن وماذا لو أنها لم تتخذ موقف العداء والكراهية للثوار وثورتهم، وماذا لو أنها غيرت هذا الموقف .
***
بعيدا عن السياسة، ألم نسمع مرارا طفلا أو مراهقا يسأل «يا أمى ماذا لو كنت تزوجت رجلا آخر غير أبى؟». يستنكر البعض هذا النوع من الأسئلة ويوبخ السائل رغم أنها مفيدة لبناء شخصية الأطفال. فالطفل بطرح هذا السؤال سيكتشف القيمة الحقيقية لرب العائلة والدور الكبير الذى يقوم به. إن توجيه السؤال على هذا النحو قد ينكأ جروحا فى قلب الأم التى قد تسأل بدورها نفسها «ماذا لو أننى فعلا تزوجت أول حب فى حياتى»، بعض النساء سيطردن السؤال من أذهانهن على الفور ولن يستغرقن وقتا فى البحث عن الإجابة، ولكن الكثيرات سيتأملن طويلا فى السؤال وكذلك فى بدائل الإجابة عليه.
كذلك قد يطرح الأزواج على أنفسهم أو يطرح الآخرون عليهم ماذا لو كنت تزوجت فلانة أو علانة التى تعلقت بها قبل عشرين أو أربعين عاما، ربما ينساقون وراء خيالات بحياة بديلة، أو يتفرغون لتقصىى أحوال «هذه الفلانة أو العلانة»، متعللين بالفضول أو المغامرة، وربما تكون النتائج غير مرضية، لكن طرح السؤال ومواجهة الاحتمالات يسفر ولاشك عن معرفة أفضل بأنفسهم وبشركائهم.
***
تأتى فترة فى حياة الفرد يجد نفسه فى حاجة لما يثير الشك فى «كمال» الحياة بوضعها القائم. أكثر الناس يعجزون بحكم ظروف عديدة عن صنع عوالم بديلة، فتراهم يشتقون من الماضى مكونات يصنعون منها ما يقترب من أن يكون عالما موازيا لعالم مجبرين أن يعيشوا فيه أو اعتادوه. أعرف أشخاصا فشلوا فى حل معضلة «ماذا لو؟» فانتهوا محشورين فى موقع ما بين عالمين. أسمع أيضا عن دول عجزت عن التخلص من هاجس «ماذا لو؟» فعاشت محشورة فى موقع ما بين بديلين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved