دبلوماسية النفاق

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الإثنين 23 يناير 2012 - 9:20 ص بتوقيت القاهرة

وصل المستر مايكل ماكفول Michael McFaul إلى موسكو صباح الاثنين 16 يناير ليباشر مهام منصبه كسفير للولايات المتحدة لدى روسيا. وفى مساء اليوم التالى، أى مساء الثلاثاء، بثت القناة الأولى فى التليفزيون الروسى برنامجا سياسيا وثائقيا عن التدخل الأمريكى فى شئون روسيا الداخلية، وتولى التعليق المحلل السياسى المعروف فى موسكو ميخائيل ليونتيف الذى شن هجوما ضاريا على السفير الأمريكى الجديد.

 

أنكر المحلل الروسى أن يكون ماكفول خبيرا فى شئون روسيا وتاريخها وسياستها. ماكفول، حسب معلومات السيد ليونتيف، ليس أكثر من «مروج للديمقراطية». عمل فى موسكو فى وقت سابق وخلال المرحلة الانتقالية فى خدمة المعهد الديمقراطى الأمريكى، وهو المعروف بقربه من أجهزة الاستخبارات الأمريكية، حسب وصف السيد ليونتيف. وهو بالمناسبة المعهد نفسه موضوع الخلاف بين السلطة الانتقالية فى مصر وحكومة واشنطن، فالمعهد يزاول المهمة نفسها، أى الترويج فى مصر لمبادئ توصف بأنها أجنبية، وهى فى هذه الحالة المبادئ الديمقراطية، بدون أن يحصل على تصريح رسمى من الجهات المسئولة و بالتحديد وزارة الخارجية. ويشترك مع هذا المعهد، كموضوع خلاف مع مصر، المعهد الجمهورى للديمقراطية وكلاهما يتقاسمان المهمة ذاتها.

 

●●●

 

نعود إلى السفير الأمريكى الجديد لنعرف أنه كتب مئات المقالات عن روسيا وأنه ألف كتابا فى عام 2011 بعنوان «ثورة غير كاملة فى روسيا.. التغيير السياسى من جورباتشوف إلى بوتين»، وهو العنوان الذى استغله المحلل الروسى فى القناة الأولى ليتساءل عما إذا كانت عودة السيد مايكل ماكفول إلى روسيا كسفير للولايات المتحدة بهدف «استكمال الثورة». وقد تعمد معدو البرنامج بث فيديو يظهر زعماء من المعارضة الروسية وأعضاء فى منظمات المجتمع المدنى يغادرون مبنى السفارة بعد اجتماعهم بماكفول، الأمر الذى يثبت أن ماكفول لم يشأ أن يضيع وقته وبدأ فور وصوله بدعوة المعارضة ونشطاء حقوق الإنسان للاجتماع به. وتصادف أن كان فى السفارة فى الوقت نفسه السيد نيكولاس بيرنز نائب السيدة هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية. وأظن أنه كان قد وصل إلى موسكو للتو قادما من القاهرة بعد أن أجرى فيها مقابلات مع قادة فى جماعة «الإخوان المسلمون» وحزب الحرية والعدالة وآخرين من نشطاء المجتمع المدنى المصرى.

 

هناك فى موسكو صرح بعض المدعوين الروس إلى السفارة الأمريكية أنهم ناقشوا مع السفير ومساعد وزيرة الخارجية الأمريكية مسائل تتعلق بالانتخابات السياسية التى أجريت الشهر الماضى فى روسيا وهى الانتخابات التى جددت ثقة الناخبين فى حزب الرئيس ميدفيديف ورئيس وزرائه فلاديمير بوتين، وناقشوا الانتخابات التى ستجرى بعد أسابيع قليلة والمرشح فيها بوتين ليعود رئيسا للمرة الثانية. ولم يخف الضيوف حقيقة أنهم طرحوا مستقبل رجال الأعمال المعتقلين فى قضايا فساد وتهرب من الضرائب والذين تسعى أمريكا وإسرائيل للإفراج عنهم، كما تباحثوا فى الصحوة الجديدة لحركات حقوق الإنسان وغيرها من التيارات فى المجتمع المدنى فى روسيا.

 

●●●

 

يبدو أن الدبلوماسيين الأمريكيين، وأقرانهم فى أوروبا، باتوا يفهمون الدبلوماسية على نحو يختلف جذريا عن الدبلوماسية التى نشأنا عليها ومارسناها فى مصر ودول أخرى فى أفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا وكان الغرب نفسه حريصا على مبادئها وأخلاقياتها. كان الأصل فى الدبلوماسية أن الدبلوماسى لا يتصل بجهة محلية فى شأن علاقة تهم البلدين إلا بعد استئذان وزارة الخارجية فى الدولة المعتمد لديها. وجاء عهد الرئيس جورج بوش الابن والسيدة كوندوليزا رايس وحزمة من دبلوماسيين تلقوا التدريب أو الإلهام على أيدى قيادات من المحافظين الجدد، مثل فولفوفيتس ورامسفيلد وبايبس وبيرل وتشينى، وفيه مارست الدبلوماسية الأمريكية التدخل فى كل صغيرة وكبيرة فى الدول الأجنبية تحت عنوان الدبلوماسية الشعبية. وتضخمت الفكرة فى أذهان مبتكريها واندمجت مع أفكار أخرى كانت تتردد فى كواليس وندوات مراكز البحث والعصف الفكرى الأمريكية والبريطانية تحت عناوين مختلفة، كان أهمها عنوان «التدخل فى الشئون الداخلية للدول لدوافع إنسانية». ولعله، من وجهة نظرى ونظر عدد لا بأس به من المتخصصين فى العالم الثالث، أخطر وأسوأ ما ابتكر الفكر الاستراتيجى بهدف فرض إرادة الدول الغربية وتبرير سياسات التدخل فى شئون الدول الأخرى بغطاء من القانون الدولى وباستخدام سمعة البراءة والنعومة التى حظيت بها الدبلوماسية، ولكن أيضا لاستخدام الحصانة التى توفرها مظلة الدبلوماسية لحماية الدبلوماسيين الغربيين من تحرش أجهزة الأمن الداخلى وحمايتهم من عواقب الاحتكاك بمبدأ السيادة وبالحريصين عليه والمزايدين به.

 

●●●

 

أقرأ ما يكتب فى الغرب دفاعا عن حق أمريكا فى التدخل فى الشئون الداخلية لدول أخرى، وأقرأ ما يقال فى موسكو وبكين رفضا لدعاوى التدخل، وتابعت ما كان يتردد فى بغداد صدام حسين و يتردد الآن فى بغداد المالكى و فى عواصم عربية عديدة، وبخاصة فى دمشق، تنديدا بما يطلق عليه المؤامرة الأجنبية التى تحاك ضد الحكومات والشعوب العربية باسم الترويج للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، أقرأها مستنكرا هذه الدرجة العالية من النفاق الغربى فى الدفاع عن حق التدخل، فقد تأكدنا من التجارب السابقة أن وراء كل تدخل مصلحة قومية، اقتصادية أو توسعية أو عسكرية، للدولة الساعية للتدخل، ومستنكرا فى الوقت نفسه وإن أشد كثيرا مستوى النفاق العربى فى رفض التدخل بحجة استقلال الإرادة الوطنية وكرامة الأمة وقدسية السيادة، بينما الأمة التى يتحدثون باسمها مكبلة بأصفاد حكامها وجشعهم وفسادهم واستبدادهم. إن حرية الإرادة التى يدافعون عنها هى حريتهم فى التعتيم والقمع ونهب الثروات. هؤلاء الحكام وكتائب المفكرين التابعين والساكتين عن الظلم هم أكبر دافع وأقوى مبرر لتدخل الأجانب فى شئوننا.

 

سمعت الدكتور عبدالعزيز حجازى، قبل سنوات، يتحدث عن التدخل الأجنبى وعلاقته بمنظمات المجتمع المدنى العاملة فى حقل حقوق الإنسان وأذكر جيدا ما قاله فى تلك المناسبة. مرت سنوات تعرضت فيها مصر لتطورات أقل ما يقال فيها إنها كانت استثنائية. لذلك فاجأنى الدكتور حجازى حين شاهدته قبل يومين أو ثلاثة يردد ما كان يقوله عندما كانت مصر تئن تحت فساد واستبداد حكم الرجل الفرد الظالم وتحت تدخل غير قانونى أو دستورى من جانب حرم السيد الرئيس. تحدث كما لو كان شىء لم يتغير.

 

أسأل الدكتور حجازى، وبيننا ما يسمح بالسؤال، ألم يتغير شىء فى مصر يجعله يدرك أن النظام الحاكم الذى عاش وعشنا معه فى ظله كان فاسدا وظالما وأننا تعالينا على شعبنا وحرمناه من حقوق إنسانية عديدة؟. ألم يحن الوقت ليثق جيلنا فى الأجيال الشابة التى هبت بالغضب معترضة على كثير من أخطاء ارتكبناها أو سكتنا عنها أو مهدنا لها أو استفدنا منها حتى استعذبناها؟. أقول له ولكل أولى الأمر فى بلادنا، لو كنا بدون أخطاء لما تدخل الأجانب فى شئوننا، ولما غضب الشباب منا وثاروا علينا، ولما كتب صحفى أجنبى كبير منذ أيام يقول إن عصرا فى دبلوماسية التعامل مع مصر انتهى. «لن تكتفى دبلوماسية واشنطن مع القاهرة بعد الآن برجل واحد تتوقف عنده تتصل به ويتصل بها»، من الآن فصاعدا ستتصل الدول الأجنبية بأفراد كثيرين وجماعات متعددة وأحزاب مختلفة لترسى دعائم علاقتها بمصر على أسس جديدة.

 

●●●

 

من المسئول وقتذاك؟ ومن المسئول الآن؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved