عن الأكراد فى العراق وسوريا وتركيا.. بين الحكم الذاتى وحرب الإنكار!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 23 يناير 2018 - 9:49 م بتوقيت القاهرة

تظلم الجغرافيا بعض الشعوب، عندما تتدخل السياسة فى «تعديلها» وإعادة صياغتها بدول لم تكن فيها.. وهناك دول أخرى يظلمها تاريخ «المنتصرين» فيسقطها من ذاكرته.. وللنصر ــ وفق منطقه ــ آباء كثيرون أما الهزيمة فيتيمة.

فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، انتهاء بحرب أكتوبر 1973، لم يكن أحد يناقش هوية الأمة العربية «من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر».. فالتجرؤ على مجرد البحث يكلف صاحبه تهمة «الخيانة» أو «الردة» والخروج على إرادة الأمة..

ومن قبلها كان التوحد فى مواجهة العدوان الثلاثى (1956)، ثم فى مواجهة «النكسة» مشفوعة باستقالة جمال عبدالناصر من منصبه (1967) بين الشواهد القاطعة على وحدة الأمة بمختلف أقطارها، وعلى اختلاف أعراق مواطنيها الذين وحدتهم «العروبة»، كلما تهددها الخطر من خارجها، أو حتى من داخلها.

أما مع الهزيمة التى تبدت وكأنها منطلق للانتصار فى حرب 1973 ثم تكشفت تداعياتها افتراقا بلغ حافة الخصومة، بعد قرار المباشرة فيها معا حتى نهاياتها المرجوة انتصارا، فإذا بالشريكين بالدم فى مواجهة العدو مصر وسوريا «يتخاصمان» ويتبادلان الاتهامات بالتخلى وخيانة الأخوة أو التسبب فى اغتيال النصر المؤكد.

ولقد سمحت لى ظروف عملى الصحفى أن أتجول طويلا فى هذا «الوطن العربى»، فعرفت أقطاره كافة، وتجولت فى أنحائه شرقا وغربا، وحاورت مسئوليه، رؤساء وملوكا، وتعرفت إلى أدبائه الكبار، روائيين وشعراء وقصاصين، وتجولت فى شوارع مدنه وزرت العديد من أرياف البلاد، والتقيت الناس على اختلاف أعراقهم (العرب والكرد والسريان والكلدان فى سوريا والعراق) ثم العرب والبربر أو الشاوية فى الجزائر والمغرب.. كما عرفت كثيرا من قادة الأحزاب الحاكمة والمعارضة فحاورتهم وناقشت أفكارهم.

من هذه التجربة وعبرها عرفت أو تأكدت أن للنصر آباء كثيرين أما الهزيمة فيتيمة..
أما منها ومن خارجها فقد علمنا التاريخ، والتاريخ العربى ــ الإسلامى بالذات، أن العرب والكرد أشقاء، مثلهم مثل العرب والبربر. وإذا ما أرجأنا الحديث عن بربر الجزائر والمغرب، واكتفينا بالمشرق لتأكدنا ــ بالمعايشة كما بالتاريخ ــ أن العرب والكرد أشقاء وشركاء فى صنع مرحلة مضيئة عبر صد الحروب الصليبية وإلحاق الهزيمة بها، وطرد جيوشها من المشرق العربى بأقطاره كافة: مصر وفلسطين (أساسا) وسوريا ومعها لبنان.

ولقد نشأت أجيالنا، عبر مئات السنين، على اعتبار صلاح الدين الأيوبى بطلا قوميا، ولم يسقط إعجابنا بدوره فى حطين واستعادته القدس من الصليبيين عندما عرفنا أنه «كردى».. ومثله الكثير من القادة العسكريين والزعماء السياسيين الذين شغلوا مناصب قيادية فى التاريخ العربى والإسلامى.

وفى حاضرنا ومعه ماضينا القريب، على امتداد القرن الماضى، لم نفاجأ يوما بأن يكون بعض كبار المسئولين فى الدولتين السورية والعراقية من الأكراد، بل إن من السوريين تحديدا مَن يستذكرون بالتقدير أكثر من رئيس لبلادهم كان من الأكراد. وعموما كان العرب يرون فى ذلك تأكيدا للأخوة ووحدة المصير، ووحدة الأمة بعناصرها «القومية» و«الدينية» المختلفة وفيهم الأقباط فى مصر، والكلدان والسريان والأزيديون والصابئة فى العراق وبعض سوريا وحتى الشركس فى الأردن.
كذلك لم نتوقف يوما أمام هوية قادة الأحزاب والحركات السياسية العربية وفيهم المسلم والمسيحى والكردى والسريانى (خالد بكداش فى سوريا، عزيز محمد ومصطفى برزانى وجلال طالبانى فى العراق، الدكتور جورج حبش ومعه الدكتور وديع حداد من فلسطين ومعهما الدكتور أحمد الخطيب من الكويت، وميشال عفلق وأكرم الحورانى وصلاح البيطار من سوريا).

***

عن البرزانى: الأب والابن!
نسوق هذا الكلام مع «انفجار» المسألة الكردية فى العراق نتيجة الغرور الذى اجتاح مسعود برزانى فجعله يتجاوز أساس التفاهم الذى تم بعد الاجتياح الأمريكى للعراق فى العام 2003، والذى استعاد تفاهما سابقا بين الرئيس العراقى الراحل صدام حسين والزعيم الكردى الراحل الملا مصطفى برزانى فى العام 1970 ونص على أن يكون للأكراد فى شمالى العراق نوع من الحكم الذاتى داخل إطار الدولة المركزية فى العراق.

وأذكر أننى التقيت ذلك الزعيم الذى يبدو وجهه وكأنما قَدْ قُدّ من صخر، فى منطقة جلالا بشمال العراق، داخل المنطقة الكردية، وكان صدام حسين قد أقر ذلك الاتفاق.
يومها سألت الملا مصطفى عن الاتفاق فأبدى سعادته به، مستبشرا بأنه قد يكون مدخلا لحل المسألة الكردية فى العراق الواحد الموحد.
بعدها جرت مياه غزيرة فى نهرى دجلة والفرات، وانقلب صدام حسين على الاتفاق الذى تم إبرامه، وشن حملات دموية عنيفة على المنطقة الكردية فى شمالى العراق مرتكبا مجزرة «حلبجة»، وتعمق الافتراق بين بغداد وأربيل.

بعد الغزو الأمريكى للعراق وإسقاط صدام حسين وإعدامه بطريقة من شأنها أن توقظ الفتنة النائمة بين السنة والشيعة، اتفق على نظام جديد أعطى الرئاسة لكردى هو الراحل جلال طالبانى، ومعها وزارات عدة بينها الخارجية، فضلا عن مواقع قيادية فى الجيش والأمن الداخلى..

لكن طموح مسعود برزانى كان يتجاوز هذه الصيغة الفيدرالية، ولقد أغراه بعض الإسناد الأمريكى والإسرائيلى (والتركى لأغراض مختلفة تتصل بمطالب أكراد تركيا، وهم يمثلون أكثر من ثلاثة أضعاف أكراد العراق ــ أربعة ملايين تقريبا)، فجنح نحو تحويل «الإقليم» إلى «دولة» مستندا، بغروره، على إيحاءات أمريكية، ومجاملات تركية (بينما أنقرة تواصل الفتك بأكرادها) وتشجيع إسرائيلى معلن بحضور مباشر فى أربيل..

وهكذا فقد أصر برزانى على إجراء استفتاء يدغدغ أحلام أكراده بالاستقلال، مما استفز بغداد، فحركت جيشها واستعادت كركوك (الغنية بالنفط).. ثم وقع التخلى الأمريكى بتصريحات قالت فيها واشنطن إنها حذرت برزانى من الانفصال.. وكانت النتيجة أن أخرج الملا مسعود نفسه من «السياسة» تاركا رئاسة الإقليم لبرزانى آخر..

عن أكراد سوريا والأمريكيين..
أما أكراد سوريا فأمرهم مختلف جدا، إذ إنهم كانوا على الدوام جزءا من الشعب السورى، ولم يستشعروا يوما بالتمييز، بدليل أن عددا من نخبهم شغل المواقع العليا فى الحكم بدمشق، بينها رئاسة الدولة فى أكثر من مرة.. كذلك كان للأكراد مواقعهم فى السلطة (الحكومة، البرلمان، الجيش، الإدارة.. إلخ).

ولقد لحق شىء من الظلم بأكراد سوريا الذين يعيش معظمهم فى الأطراف الشرقية ــ الشمالية (محافظة دير الزور، محافظة القامشلي).. ولقد ازدادت أعدادهم بعد لجوء أعداد من الأكراد الأتراك هربا من جور الحكم فى أنقره، (علما بأن أكراد تركيا يزيدون أربع مرات على أكراد سوريا وثلاث مرات على أكراد العراق..).

وواضح أن التحرك الكردى فى سوريا، ومحاولة الاستفادة من الحرب فيها وعليها، قد لقى تشجيعا أمريكيا علنيا، خصوصا أنه تجاوز السياسة إلى العسكر، فبعثت واشنطن بقوات برية وأسطول جوى عماده الهليكوبتر إلى المنطقة الشرقية من سوريا، وهو الذى «أنجز» تدمير مدينة الرقة التى لم يكن فيها أكراد فى أى يوم، إلا قلة قليلة تعيش فى أريافها..

وها هى تركيا قد بعثت بقواتها العسكرية لتقاتل الأكراد فى سوريا، مع تجنب الاصطدام بالقوات الأمريكية التى تدعمها، لا سيما من الجو.. مما زاد من أسباب التوتر بين أنقرة ودمشق التى رأت فى التصرف التركى عملا عدائيا يحاول الاستفادة من المناخ الحربى الذى يشغل سوريا فى الداخل.
وهذا يرشح الأكراد لأن يتحولوا، مرة أخرى، ضحية لطموحاتهم التى يلعب عليها التدخل الدولى (الأمريكى الآن) فيحولها إلى المشاركة كحركات انفصالية، علما بأن مطالب أكراد سوريا لم تتجاوز يوما حدود السعى إلى قدر من الحكم الذاتى و«الاعتراف» بنحو نصف المليون كردى يعيشون بلا هوية سورية، نتيجة إهمال مزمن، تمت معالجته بشكل جزئى قبل نحو عشرين عاما، لكن ذلك العلاج ظل ناقصا، وما زال هناك عشرات الآلاف من الأكراد السوريين خارج القيد الرسمى، مثل «البدون» فى الكويت وسائر أقطار الخليج.

الوحدة مع اختلاف العناصر..
بين أن يكون الأكراد شعبا غير معترف به بهويته الأصلية، كما فى تركيا، أو أن يكون شعبا شقيقا تقر له الدولة المركزية بحكم ذاتى يحفظ له «هويته» داخل هذه الدولة، ويعترف به كعنصر مكون للشعب فى البلد المعنى، كما حال أكراد العراق، وأن يعترف به ثم يظل الاعتراف ناقصا سياسيا كما فى سوريا، تتجلى مأساة هذا «الشعب» الذى كان «العرب» يعتبرونه منهم خصوصا وقد كان دائما الشريك فى المصير، وأحيانا «القائد»، ولم يستشعر أبناؤه أى قدر من التمييز.

لكن اختلاف العناصر المكونة للشعب الواحد فى الوطن الواحد، أو الدولة الواحدة، قد يكون عنصر غنى، وتأكيدا للأخوة، وقد يكون عامل افتراق ومدخلا للنفوذ الأجنبى ضد العرب والكرد على حد سواء.

والأمل أن تجد القيادات العربية والكردية صيغا تؤكد وحدة المصير، فى الحاضر والمستقبل، كما تأكدت هذه الوحدة فى الماضى..الأغر!
ا

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved