أين تبدأ حدود أمن مصر القومي؟

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الإثنين 23 فبراير 2009 - 9:02 م بتوقيت القاهرة

 بين مصر والعرب خارجها، شيء من سوء التفاهم أو سوء الفهم حول نظرتهم إليها وتوقعاتهم لدورها الذي يفترضون أن لا غنى لهم عنه.


مصر تفترض أنهم يطالبونها بأن تنوب عنهم في دفع الغرم، ثم يعترضون على ان تكون لها حصة إذا ما غنموا ( وليتهم يغنمون!!). هم يرون أو يتصرفون بمنطق ان على مصر ( الشقيقة الكبرى) ان تقدم التضحيات الغوالي وتخسر من قدرتها على تحقيق مطالب شعبها، وهي ثقيلة وعديدة، بل ومن حقها في التقدم وبناء مستقبلها الأفضل...

بينما هم ينصرفون عن مساندتها او مساعدتها الى بناء بلادهم فتزدهر وينعم أهلها بالرخاء، وتحتل " دولهم" المستولدة جينياً او المستحدثة على عجل ومن قلب ثورة النفط او المصطنعة لها الأدوار على حساب من يملك الحق الشرعي والقدرات الفعلية على لعبها، في حين ان المصريين المنهكين بهمومهم الثقيلة يعيشون في حالة من العوز، كثيراً ما تضطرهم الى الهجرة لبيع عرق زنودهم والجباه وكفاءاتهم وشهاداتهم العالية بخبز يكفي العيال شر العوز.



أما العرب، بسطاء الناس في هذه الدنيا العربية الفسيحة الأرجاء، ممن نشأوا مشدودين بالعقل والقلب الى مصر، كقيادة شرعية للأمة، بوصفها الأكبر والأقدر والأعظم أهلية، باعتبارها " الدولة"، فيستغربون الصدود المصري، الذي يتبدى في بعض اللحظات تخلياً عن الدور، وتبرؤاً من العرب ..

بل يتجاوز هذا كله الى اتهام العرب بالتآمر على مصر وتقصد إذلالها بتصويرها دائماً مقصرة، والمزايدة عليها، ورميها بتهمة التخلي عن قضية فلسطين وشعبها وتمكين إسرائيل من الاستفراد بأي مقاومة وكل مقاومة لاحتلالها او بالصمت الحرام عن حروبها المتكررة بل المفتوحة على شعب فلسطين وأخرها المقتلة التي ارتكبتها جهاراً نهاراً ضد المليون ونصف المليون من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والمدارس والمساجد والمؤسسات والبيوت الفقيرة في غزة، الشهر الماضي، ( من دون أن ننسى حربها على لبنان بإنسانه وعمرانه في تموز( يوليو) 2006.


والحقيقة ان المواطن العربي( الطبيعي) لا يمكن ان يطلب لمصر الا العزة وأسباب المنعة فهي " دولته"، وهي معقد آماله، من اجل غد التحرر والخبز مع الكرامة.


وبمعزل عن الحسابات الخاصة لبعض الحكام والمسؤولين العرب، والتي اتخذت او قد تتخذ منحى السعي لعزل مصر وأبعادها او حتى التشهير بها لوراثة دورها القيادي،


وبمعزل عن الحساسية الفائقة التي يتصرف بها بعض المسؤولين المصريين في مواجهة المطالبات العربية، لا سيما الشعبية منها، للقاهرة بأن تكون ما يتمنون لها أن تكون..



-2-


بمعزل عن هذا كله فان الكثرة الكاثرة من العرب ينظرون الى مصر من خلال أمالهم وتمنياتهم وأيضا من خلال احتياجهم اليها بوصفها " دولتهم" جميعاً، و" المركز" والمصدر الشرعي، مبدئياً، للقرار العربي، الا حين تتخلى عنه بالاضطرار، يأساً او عجزاً او نتيجة ضغوط قوى دولية عاتية تساند إسرائيل وتدعمها وتساندها في سعيها لتهميش دور مصر او إلغائه في سياق حربها المفتوحة على الحاضر العربي كما على المستقبل العربـــــي،
والتي لم تتوقف يوماً ولن تتوقف يوماً.


ذلك أن العرب، خارج مصر يعرفون أن " دولهم" الضعيفة تكويناً او المستضعفة بطبيعة السلطة فيها، لا تستطيع أو هي لا ترغب القيام بالمهام أو الواجبات "القومية".


حتى من " ينتقد" السياسة المصرية أو " يعارضها" فإنه إنما يفترض أن ذلك من حقوقه، باعتبار انه يتطلع الى القاهرة على أنها العاصمة الوحيدة المؤهلة- مبدئياً – للقيادة، برسوخ الدولة فيها، بينما معظم " الدول" العربية الأخرى وليدة المصادفات أو المطامع الاستعمارية التي رسمت الحدود في معظم الأقطار وبين بعضها بعضاً، وأقامت الممالك والجمهوريات والسلطنات والإمارات، لتفتيت الجسم العربي والآمال في دولة قوية واحدة موحدة قادرة ومقتدرة... وربما كتمهيد لقيام الكيان الإسرائيلي فوق ارض فلسطين، اذا ما استذكرنا وعد بلفور ثم ما لحق به أو اتصل به من ترتيبات وتقسيم المقسم من ارض المشرق العربي في ما يلي حدود مصر، ما بعد سيناء... أي بدءًا من غزة هاشم بالذات..


أرجو ان يسمح لي هنا باستذكار حوار قديم لكن دلالاته قاطعة وثابتة لا تتحول ولا تتبدل مع اختلاف العهود والحكومات وألازمان:


كنت، كغيري من الصحافيين العرب، كثير التردد على القاهرة، في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، بوصفها مركز الحدث العربي بأبعاده الدولية وانعكاساته على مجمل الإقليم.


وكانت المؤسسات الصحافية مقصدنا، حيث نشأت لنا صداقات طالما كانت مصدر اعتزازنا مع كبار الزملاء والكتاب والمفكرين والأدباء الذين كانوا يعملون لها أو يكتبون فيها.


.. وكان الدور السادس من مبنى جريدة " الأهرام" مقر " الخالدين" كما كنا نسميهم تحبباً، وبينهم الراحلون الكبار الذين أغنوا وجداننا بثقافتهم وأفكارهم وإبداعاتهم الأدبية: توفيق الحكيم، لويس عوض، نجيب محفوظ، صلاح عبد الصبور والحسين فوزي وغيرهم..


أتذكر بالتفصيل، حتى اليوم، وقائع جلسة نقاش بدا هادئاً ثم تحول الى صاخب بين ثلاثة من الكبار، في حضوري، وانطلاقاً من مطالبتي بدور مصري فاعل ولا غنى عنه في الصراع العربي- الإسرائيلي، وكنا – يومها- عند حافة واحدة من مراحل تطوره الخطيرة.



-3-


قال توفيق الحكيم ما مفاده: في رأيي أن مصر يجب أن تتخلى عن كل ما لا يخصها او يمسها مباشرة، وتنصرف إلى بناء نفسها، وبالتالي فعليها ان تتوجه الى الغرب وليس الى العرب، فالغرب يعطيها ويفيدها بينما العرب، لا مؤاخذة، يغرقونها في مشاكلهم ويشدونها باستمرار الى الخلف... ليس عن سوء نية، ربما، ولكنهم هم، واقعياً في الخلف..



عندما حاولت التدخل قطع عليّ الطريق الحسين فوزي الذي أمتعنا بكتاباته عن رحلاته المثقفة عبر العالم وهو يقول محتداً: نحن ما لنا ومال العرب، إنهم متخلفون، ثم إننا مختلفون عنهم في الموقع وفي المصلحة.. نحن في أفريقيا، حيث من حقنا القيادة، وهم في آسيا. ونحن واجهة أفريقيا على البحر الأبيض المتوسط حيث التقدم العلمي والثورة الفكرية. ولنا تجربة ناجحة في حقبة محمد علي، فلنتبعها،ولتكن أبصارنا وأفكارنا مشدودة دائماً الى الأمام، الى التقدم... والتقدم في الغرب!


قبل أن أهم بالتدخل فوجئت بلويس عوض يرفع صوته ويقول بنبرة صعيدية مميزة: اسمع يا حسين، واسمع أنت يا توفيق.. ما تقولانه " كلام فاضي". أنتما تتحدثان عن مصر، وعن حماية مصر، وعن سلامة مصر. ويعرف الجميع أنني لست قومياً عربياً، ولست شديد الإعجاب بتجربة عبد الناصر ومغامراته التي شده إليها العرب بوهم الوحدة.. يمكن أن يقال عني، أو أقول عن نفسي أنني مصري خالص، وإذا شئتم، فأنا فرعوني...

مع ذلك فإنني اعرف يقيناً، وعلى استعداد لان أدافع بكل قدراتي عن هذا اليقين: أن الدفاع عن امن مصر القومي يبدأ من عند جبال طوروس( على حدود تركيا). أفريقيا إيه، وأوروبا إيه!! كي تسلم مصر فلا بد أن تحمي حدودها... وابتداء من جبال طوروس.. هكذا تعلمنا تجارب التاريخ، وهكذا ما تفرضه علينا الجغرافيا. أما حكاية العرب والعروبة فأمر آخر لا شأن لي به!

******


إننا- نحن العرب- لا نطلب من مصر إلا أن تكون ذاتها، إننا لا نريد لمصر إلا المنعة والرفعة والعزة، إن ضعف مصر كارثة على العرب في مختلف أقطارهم، القريبة منها والبعيدة.


ولعل العرب، الناس، يبالغون في مطالبتهم مصر بالكثير مما هو خارج قدراتها، لكنهم يفترضون- بحبهم وحسن ظنهم- أنها إن أرادت قدرت..

" إن لله رجالاً إذا أرادوا أراد".

طلال سلمان

رئيس تحرير جريدة " السفير"

بيروت5/2/2009

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved