إلغاء القمة العربية.. قرار يحمى ما تبقى من العرب!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 23 فبراير 2016 - 10:25 م بتوقيت القاهرة

يتعذر على أى كاتب أن يباشر الكتابة، اليوم، متجاوزا غياب «الأستاذ» الذى أخذنا عنه بعض أصول المهنة محمد حسنين هيكل.

ولعل بين ما يخفف وجع الغياب أن الفقيد الكبير قد كتب وقال على امتداد سبعين عاما أو يزيد ما يشكل ذخيرة ممتازة لأى دارس أو مهتم بفهم التطورات الدراماتيكية التى حفلت بها المنطقة العربية، مشرقا ومغربا، فبدلت فى جغرافيا بعض دولها، وكادت تخرج أهلها – بالصراعات والخلافات التى بلغت حد الحرب أحيانا – من هويتهم إلى الضياع، وافتقار اليقين حول مصيرهم كشعوب وكافة قبل الدول وبعدها.

ولعل قرار المملكة المغربية بإرجاء «بل إلغاء» القمة العربية التى كان يفترض أن تعقد بعد شهر من اليوم، يؤكد استحالة التلاقى بين قادة الدول العربية حتى إشعار آخر، وبالتالى استحالة اتفاقهم ولو على الحد الأدنى كما كان يحدث فى القمم السابقة.

صحيح أن القمة بدأ اعتمادها فى زمن جمال عبدالناصر، قبل ثلاث وخمسين سنة كأرض لقاء بين القادة العرب، ولو متخاصمين، لتسوية الخلافات وإعادة توحيد الموقف. ولكن كان لها من «يدير» أعمالها مغلبا روح المصالحة وتسوية الخلافات وإعادة توكيد الاجتماع على الأهداف المشتركة، وبينها الأمن القومى ومواجهة العدو الإسرائيلى، وتوفير الدعم لشعب فلسطين وتعزيز التعاون بين الدول العربية.


***
وبرغم غياب مهندس القمة العربية، الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، فقد استمرت القمة حتى خروج الرئيس أنور السادات عليها واندفاعه إلى الصلح مع إسرائيل، مباشرة بعد حرب أكتوبر المجيدة «1973» وبعدها تواصل انعقاد القمة، شكلا، ولكنها لم تعد مؤهلة لاتخاذ قرارات جدية خصوصا أن «القادة» قد انقسموا إلى معسكرين، فانكشف عجزها عن اتخاذ قرارات جدية تستوجب «الإجماع» أو توافق الأكثرية على حد أدنى من التعاون «كبديل عن التكامل» والسير بخطى أضعفهم بدلا من وحدة الموقف فى القضايا المصيرية.

إن اعتذار المغرب مفهوم تماما، سواء تمت قراءته من خلال علاقاته المميزة مع المملكة العربية السعودية ومحورها الخليجى، أو تمت فى ضوء الأوضاع المأزومة التى تعيشها العلاقات العربية – العربية، والتى وصلت فى بعض الحالات إلى حد القطيعة الآخذة إلى الاحتراب أو إلى الحرب الفعلية كما فى اليمن.


ولعل تأمل خريطة الواقع العربى تكشف معطلات القمة:

•فالمملكة العربية السعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجى «فى ما عدا سلطنة عمان» تخوض حربا حقيقية ضد اليمن، وهى حرب بلا أفق، ومع ذلك فهى تضغط على سائر الدول من أجل الانضمام إليها فيها، «أو مساعدتها على الخروج من هذا المستنقع الدموى بماء الوجه، طالما أن الانتصار فيها مستحيل، بشهادة الكلفة المدفوعة حتى الآن».

•ومصر لا تبدو متحمسة، فالقمة قد تحرجها خصوصا وإنها تعيش ظروفا حساسة وتحاول ترميم صورتها ودورها القيادى، بينما تضطرها أوضاعها الاقتصادية الصعبة إلى تحاشى التصادم مع دول النفط العربية بالقيادة السعودية.

ويكفى قراءة الموقف المصرى من الحرب السعودية على اليمن لإدراك مدى الحرج الذى عاشته وما زالت تعيشه القاهرة بعدما تعذر عليها أن تلعب دور الوسيط، خصوصا وأن علاقاتها مقطوعة مع إيران. وبالمقابل فهى تحفظ ذكريات مرة مع الرئيس اليمنى المخلوع على عبدالله صالح، فى حين أنها لا تحتفظ بعلاقات واضحة أو وثيقة مع «أنصار الله» «أو الحوثيين، كما يطلق عليهم السعوديون للإشارة إلى مذهبهم المحتسب شيعيا».

•أما الجزائر التى غابت عن المسرح السياسى منذ أن غيبت الأزمة الصحية رئيسها عبدالعزيز بوتفليقة عن دائرة الفعل وإن ظل القرار رهينته، فلا تبدو متحمسة للانخراط مجددا فى ميدان الخلافات العربية – العربية.

• فأما العراق الذى أصر على أن تنعقد القمة العربية السابقة فيه، ولو بمن حضر، فإنه يعيش فى هذه اللحظة أوضاعا صعبة للغاية حيث يحتل تنظيم «الدولة الإسلامية – داعش» نصف مساحته تقريبا، ولديه مشكلة تزداد تعقيدا بين «مكوناته» «شيعة وسنة وأكردا».

فالحكم بغالبيته الشيعية مرتبك، ومفلس بعد عملية نهب منظم لخزينته، والصراع على السلطة ينهك الشيعة ويضرب العلاقات بينهم وبين السنة إلى حد المطالبة «بإقليم سنى» على غرار «الإقليم الكردى» فى حين «يستقل الشيعة بما
تبقى من العراق.. ومفهوم أن مثل هذا التقسيم يلغى «الدولة». فإذا ما انتبهنا إلى أن «داعش» ما زال يحتفظ «بعاصمته» فى الموصل وأنحاء أخرى من بلاد الرافدين، متحديا قوات التحالف الدولى بالقيادة الأمريكية وأساطيل طيرانه التى نجحت – حسب الناطق العسكرى الأمريكى – فى تدمير الخمس من قوته داخل العراق، لتبين أن عودة الدولة العراقية إلى سابق عهدها ما زالت أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع.

ولقد أضيفت على المصاعب الداخلية توريط القوى العراقية، وبالتحديد «الحشد الشعبى» الذى ترعاه إيران تدريبا وتسليحا، فى الحرب فى سوريا وعليها.

وعليها فإن القوات المسلحة الأمريكية قد عادت إلى العراق من باب إعادة تدريب الجيش، الذى يفترض أنها قد دربته سابقا، والحقيقة أنها «خربته» سابقا وزرعت فيه بذور الشقاق، ثم أكملت الصراعات العراقية تخريبه بالنفس الطائفى.
•فأما سوريا فما تزال تحت الحرم، ممنوعة عليها المشاركة فى أى اجتماع يعقد تحت راية الجامعة العربية التى استقالت فيها من دورها الطبيعى.

•وليبيا بلا دولة، مع أن الضغوط الدولية «وبعض العربية» قد توصلت إعلان تشكيلة حكومية قاطعها البعض وغاب عنها بعض آخر وشارك بعض ثالث مرغما.

نأتى إلى لبنان البلا دولة.إضافة إلى مصائبه الكثيرة التى تشل الحكم فيه وتكاد تلغى مؤسسات الدولة، بدءا برئاسة الجمهورية، مرورا بمجلس النواب المقفل على الفراغ وانتهاء بالحكومة المعطلة عن الفعل، فقد «اعتكرت» علاقاته بالسعودية، فجأة ولأسباب غير مفهومة فى الفترة الأخيرة. وهو سيذهب أن دعى بوفد منقسم على نفسه مما سيعطل صوته. وبالتأكيد فإن حكومته ستكون سعيدة بإرجاء القمة إلى موعد غير معروف، تماما مثل عودة الدولة فيه إلى الوعى، وبالتالى إلى الوجود.

***
على هذا فلو إن القمة قد انعقدت فسيكون ذلك حدثا فريدا فى بابه: الدول المؤسسة للجامعة العربية إما غائبة وإما مختصمة إلى حد الحرب، و«الدول الهامشية» كالسودان والصومال وجيبوتى ومعها جزر القمر لا تكفى لاستيلاد نصاب ولو توفر النصاب سيغيب القرار، حتى لو اشترى الذهب أصوات الفقراء التى كانت دائما معروضة للبيع فى ظل تهاوى الدولة فيها.

فى أى حال، فمن الأفضل فى اللحظة الراهنة، تغييب القمة العربية، حتى لا تتبدى فضائح الوضع العربى الراهن بكامل مخاطرها على حاضر هذه الأمة ومستقبل أجيالها الآتية، وحتى لا يفتضح أمر حكام الحروب الأهلية أو الحروب ضد الأشقاء وكلها انتحارية، وأخطر ما فيها أنها تهدد باغتيال الغد العربى، وتكاد تقضى على آمال الأجيال الجديدة فى حياة طبيعية، ولو فى ظل الفقر بعيدا عن الحروب الأهلية والفتن الطائفية والمذهبية.

ونكاد نحسد أستاذ الأجيال، صحافيا، محمد حسنين هيكل، على أنه غادر فى لحظة ما قبل الهاوية التى تدفع إليها أمتنا بأقطارها جميعا، بحيث تكاد تُخرج من التاريخ، تاركة لإسرائيل ومن خلفها ومعها أن تقرر مصائر أجيالنا الآتية.

طلال سلمان
رئيس تحرير جريدة «السفير» اللبنانية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved