أوباما يضرب مجددًا

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 23 أبريل 2015 - 9:20 ص بتوقيت القاهرة

الثقافة الشعبية الأمريكية غنية بقصص عن مغامرات وأعمال المشاهير، جعلت من كثير منهم أبطالا فلم تميز فى الانبهار بهم بين شقى خطير غارق فى الجريمة حتى أذنيه وزعيم سياسى وطنى ضحى من أجل بلده وشعبه وجماعته. نشأنا نعرف عن BILLY THE KID وعن JESSE JAMES وغيرهما من اشقياء عصر رعاة البقر وبخاصة مرحلة الانفلات التى أعقبت الحرب الأهلية الأمريكية أكثر مما نعرف عن أبطال عرب عاشوا فى ذلك الوقت. ثم جاءت مرحلة، أظن أنها مازالت مستمرة، ينشأ فيها جيل يعرف عن سوبرمان والرجل الوطواط تفاصيل أكثر من كل ما عرفه عن إنجازات بلاده وإخفاقاتها. كم هرولنا ونحن صغار، كما يهرول شباب هذه الأيام، لنرى فيلما سينمائيا أو لنقرأ قصة مثيرة تحمل فى عنوانها عبارة جيسى جيمس يضرب من جديد أو سوبرمان يضرب من جديد.
•••
قضيت أياما خلال الأسبوع الفائت أتابع هرولة مماثلة ذكرتنى بهرولتى لمشاهدة أفلام وقراءة كتيبات تمجد بطولات «شجعان» رعاة البقر، ومغامرات سوبرمان والرجل الوطواط وغيرهما من الأبطال الذين اختاروا التصدى للشر وتحملوا على عاتقهم محاربة الأشرار فى المدن الأمريكية. كنت أتابع تعليقات الصحف وقنوات التليفزيون على آخر «مغامرات» الرئيس باراك أوباما، كاد العنوان يكون واحدا لكل التعليقات «أوباما يضرب من جديد».
لم تكن قد مر سوى أيام قليلة على صدور الإعلان عن توصل إدارة أوباما إلى اتفاق مع إيران، بعد سنوات عديدة من الجفاء والقسوة المتبادلة، حين خرجت الأنباء من مدينة بنما تبشر بعودة كوبا إلى احتلال مقعدها فى قمة الأمريكيتين، بعد ٥٤ عاما أو ما يزيد من صدور قرار أمريكى بعزلها ثم فرض العقوبات عليها. ما كان أحد فى الغرب يصدق أن رئيسا أمريكيا سوف يجد الشجاعة المطلوبة لعقد اتفاق مع ممثلى النظام الإيرانى أو يمد يده مصافحا رئيس دولة كوبا. لاشك عندى أنه فى المرتين كان الأمر يحتاج إلى شجاعة، إذ كانت تقف فى وجه التغيير تيارات قوية النفوذ. فى الوقت نفسه اعتقد أن أوباما ما كان يمكن، مهما تحلى بقدر أو آخر من الشجاعة والنوايا الصلبة، أن يفعل ما فعل فى المرة الأولى مع إيران ويعود فيضرب مجددا فى قضية العلاقات مع كوبا، إلا إذا كانت الظروف المحيطة بالقضيتين قد تغيرت إلى درجة سهلت له توجيه الضربتين.
•••
قبل أربعة وخمسين عاما، فرضت أمريكا العزلة على كوبا. عشنا كل هذه السنوات فى ظل الاعتقاد أن أمريكا نجحت فى مسعاها بقرار عزل دولة كوبا وفرض عقوبات عليها. نعرف الآن أن أمريكا هى التى عاشت معزولة طول هذه المدة عن شعوب قارة أمريكا الجنوبية، نجحت فى عزل كوبا دبلوماسيا واقتصاديا ولكن بثمن باهظ وهو كراهية شعوب أمريكا الجنوبية للولايات المتحدة. دفعت واشنطن خلال هذه المدة هذا الثمن مفضلة إرضاء عدد محدود من الشركات الكبرى هيمن على ثروات بلاد عديدة فى القارة، وبخاصة فى أمريكا الوسطى، من ناحية أخرى، خضعت معظم دول القارة لحكم نخب عسكرية هوايتها شراء السلاح وتخزينه، فقامت بينها وبين كبرى شركات تصنيع السلاح فى أمريكا، وبينها وبين البنتاجون، علاقات وثيقة ومصالح متبادلة، ولم تكن إحداها لتقوى على الاقتراب من حكومة كوبا أو التعامل مع شعبها. كذلك نجحت الدبلوماسية الأمريكية فى إثارة خلافات بين حكومات أمريكا الجنوبية، فلم تكن كلمتها تجتمع إلا نادرا على موقف واحد لصالح شعوبها وتحرير القارة.
•••
تغيرت الظروف وتبدلت الأوضاع. لم تعد قائمة الحرب الباردة التى كانت السبب وراء التهديد السوفييتى بإقامة قاعدة صواريخ فى كوبا فى عام ١٩٦٢، وكانت الذريعة المثلى لترهيب حكام القارة من خطر الشيوعية وفرض الديكتاتورية العسكرية وتكميم الحريات. استجدت تطورات وظروف أخرى كثيرة اخترت من بينها ما اعتقد انه لعب دورا جوهريا فى انتقال القارة من حال إلى حال وفى إقناع واشنطن بضرورة تعديل سياستها تجاه جيرانها.
أولا: تحولت أمريكا الجنوبية تدريجيا وعبر العقود الثلاثة الأخيرة فى اتجاه اليسار والاعتدال واستطاعت الديمقراطية النفاذ إلى مراكز الحكم فى دول عديدة وإن كانت بصعوبة شديدة أحيانا. انعكس هذا التحول على الخطاب السياسى المتعلق بكوبا، إذ توقف الإعلام فى أمريكا الجنوبية عن التحدث عن كوبا الديكتاتورية، واتجه إلى الحديث عن كوبا المعزولة، ولكن الفخورة بنفسها والمقاومة بشجاعة لضغوط وعقوبات الدولة الأعظم فى العالم.
ثانيا: ظهر فى القارة عملاق برازيلى حرك بظهوره الحاجة إلى إعادة النظر فى توازن القوى الإقليمى، وفى نظام التفاعلات بين دول القارة الجنوبية والولايات المتحدة. كانت نهضة البرازيل حافزا لدول عديدة فى القاهرة لتأمل فى مستقبل أفضل، كانت أيضا سببا مباشرا فى زيادة مظاهر وأعمال تمرد حكام القارة على الهيمنة الأمريكية.
ثالثا: انتعشت الأحوال الاقتصادية فى أمريكا الجنوبية لأسباب لا علاقة مباشرة لها بالولايات المتحدة. كانت التجارة مع الصين أحد أهم هذه الأسباب، إذ أدى توسع العلاقات التجارية والسياسية مع الصين إلى رفع مستوى أسعار المواد الخام، وزيادة الدخول فى معظم انحاء القارة.
رابعا: اثبتت قوى اليسار فى عديد دول أمريكا الجنوبية كفاءتها حين نجحت بدون مساعدة من واشنطن فى التوصل إلى تسوية نزاعات عديدة بين دول القارة وداخل كل منها، نجحت كوبا مثلا فى التوسط لتسوية أزمة فشلت فيها الولايات المتحدة على امتداد عقود، وهى أزمة العلاقة بين حكومة بوجوتا وثوار كولومبيا، نجحت أيضا بوليفيا وبيرو وشيلى. بمعنى آخر.. بدأت دول امريكا اللاتينية تتصرف لأول مرة بحرية فى علاقاتها ببعضها البعض مستفيدة من انعزال الولايات المتحدة.
خامسا: حدث أيضا أن هذه الدول وزعت نفسها على منظمات إقليمية متنوعة لا تجيز بحكم مواثيقها اشراك دولة من خارج القارة، فقامت منظمة Celac، والجدير بالذكر أنها عقدت مؤتمر قمة فى مدينة هافانا، عاصمة كوبا، فى عام ٢٠٠٤ وحضرها رؤساء ٣٤ دولة من أمريكا الجنوبية. بمعنى آخر، كانت القارة تتجه رويدا رويدا نحو إعلان الاستقلال الثانى لها، بعد قرنين من حصولها على الاستقلال الأول المعروف بالاستقلال البوليفارى.
سادسا: كان واضحا فى قمة ٢٠١٢ للأمريكيتين التى عقدت فى مدينة قرطاجنة بكولومبيا أن عددا كبيرا من دول القارة لن يحضر أى قمة قادمة لا تشارك فيها كوبا، ففى تلك القمة لم تحضر نيكاراجوا واكوادور، بينما حضر رؤساء البرازيل والأرجنتين وبوليفيا ليطلبوا من المؤتمر توجيه الدعوة لكوبا لتحضر القمة التالية، وأصدرت مجموعة ألبا Alba الإقليمية بيانا ان أعضاءها سيدعون إلى قمة لا تحضرها الولايات المتحدة وتحضرها كوبا، هكذا تعود القارة لاتينية صرفة وخالية من العنصر الانجلو سكسونى الممثل فى الولايات المتحدة وكندا.
•••
تطورات مهمة صنعت بالفعل بيئة سياسية وإقليمية مختلفة تماما عن البيئة التى شهدت فرض العقوبات على كوبا. يبقى متصدرا هذه التغيرات واقع لم تتمكن واشنطن من اخفائه وهو انحسار المكانة الدولية والإقليمية للولايات المتحدة. يبقى أيضا أن نعترف بالدور الجوهرى الذى لعبه الرئيس أوباما لتحرير المكتب البيضاوى فى البيت الأبيض من نفوذ قوى يمينية ومصالح أمريكية قوية وقفت دائما ضد تطبيع العلاقات مع كوبا، وضد السماح لأمريكا الجنوبية بممارسة إرادتها الحرة. يكفى مثلا أنه أعلن استهانته بأصوات الأمريكيين من أصول كوبية فى ولاية فلوريدا، مقابل اعترافه بأهمية ملايين الأصوات الجديدة للأمريكيين الجدد المتحدثين بالإسبانية.
•••
كثيرا ما كنت أتساءل عن جدوى عزل كوبا خاصة وقد لمست بنفسى على مر العقود ضخامة حجم العائد السلبى لهذا العزل على شعبية أمريكا وعلاقاتها بالقارة الجنوبية. جاءتنى، ذات مرة، إجابة لم اقتنع بها فى ذلك الحين، وهى أن فى أمريكا كما فى غيرها أجهزة بيروقراطية تتسم بالغباء، وما الاستمرار فى فرض الحصار والعقوبات على كوبا إلا نموذج بارز لهذا الغباء. اخيرا اقتنعت. اقتنعت عشية انعقاد قمة بنما عندما صدر إعلان فى واشنطن يفيد بأن الولايات المتحدة قررت فى ذلك اليوم اعتبار فنزويلا دولة تمثل تهديدا للأمن القومى الأمريكى. صدر الإعلان بينما جميع الجهود وأجهزة الإعلام وعواصم العالم تركز على الإنجاز الكبير الذى ستحققه هذه القمة بفضل شجاعة كل من أوباما وكاسترو، وبخاصة أوباما الذى استطاع بذكاء وحكمة اختيار الفرصة ليضرب ضربته الجديدة على طريق إصلاح السياسة الخارجية الأمريكية.
هذه المرة أجبت بنفسى عن السؤال، إنه حقا لغباء بيروقراطى شديد، غباء مثله كان سببا فى عزل أمريكا عن القارة الجنوبية لعقود عديدة، وسببا فى حصار وعقوبات فرضت على اثنى عشر مليون كوبى لمدة ٥٤ عاما.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved