المونديال: عيد الديمقراطية والحرية للرعايا

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 23 يونيو 2010 - 10:26 ص بتوقيت القاهرة

 المونديال.. والعرب ليسوا بين المشاركين فيه إلا رمزيا، لكن الجماهير العربية ترى فيه فرصة للتعبير عن آرائها بحرية.. وأهل النظام العربى يرون فيه إجازة ممتعة للراحة من رعاياهم الذين يتوزعون بحماستهم على الفرق المتنافسة على الكأس، فينشغلون عنهم ويتركونهم يستمتعون بإجازة هانئة.

إنها أيام العيد! إنها ليالى الأفراح!
ينتظر العرب أربع سنوات كاملة ليأتيهم هذا العيد الذى يملأ حياتهم بهجة وحبورا ويمنحهم الفرصة للتعبير عن مواقفهم وآرائهم وعواطفهم، بغير حسيب أو رقيب أو مساءلة حول تأييدهم أو اعتراضاتهم على «لعب» هذه الدولة أو تلك بمشاعرهم.

إنه شهر الكلام المباح فى الليالى الملاح: شهر الحرية والديمقراطية والتعبير عن الموقف، مهما كان حادا، من دون خوف من سلطاتهم أو تهيب يلجم ألسنتهم عن التعبير وقول كلمة الحق أمام سلطان جائر!
4
إنه شهر «المونديال» الذى كاد يكون «مباركا» بلياليه التى يحلو فيها السهر حيث يتلاقى الأصدقاء والخلان متى شاءوا وحيثما أرادوا، فيعبرون عن عواطفهم صريحة بغير مواربة، ويقررون مواقفهم من «الدول» شرقا وغربا، وبغض النظر عن القوميات والأديان والعقائد وصراع الحضارات.

إنه الشهر اليتيم للحريات العامة فى طول الوطن العربى وعرضه!
ولأنه على هذا القدر من الأهمية والخطورة فإن أهل النظام العربى يحتفون به ويكرسونه «عيدا مفتوحا» يشغل به رعاياهم عنهم، وفى ذلك مكاسب واضحة للأطراف جميعا.
إنه شهر حرية الرأى والممارسة الديمقراطية الصحيحة.

الكل يقول رأيه فى «الدول» و«الأنظمة» و«الحكام» و«اللاعبين» و«المدربين» وسياسة كل فريق ومدى التزامه القوانين والأحكام المرعية وقرارات مجلس الأمن الدولى، بعنوان غزة.. أو ما يتعلق بالطموح الإيرانى المستفز للحاق بإسرائيل فى المجال النووى، أو بالطبيعة الإنسانية المرهفة للاحتلال الأمريكى للعراق والتى تتجلى فى دفنه ملايين الأطنان من السموم فى أرض الرافدين بحيث ستغيب عنها الخضرة وسيسقط عنها لقب «أرض السواد» لتغدو «صحراء الموت الأمريكى السريع»، بالمقابل فإن الاحتلال الأمريكى المدول فى أفغانستان قد اغتنم شهر «المونديال» المبارك ليزف إلى العالم بشرى عثوره فى أرض ممر خيبر على كنوز من المعادن الثمينة تتجاوز قيمتها ثلاثة تريليون دولار.. فهل بعد هذا يمكن أن يتجرأ مكابر على إدانة الاحتلال واتهام المارينز بسرقة ثروات الشعوب المقهورة بالاستعمار الجديد!

إنه شهر التخفف من المعارضات ومطالبها، هذا إن وجدت..
ينشغل المحكومون بأقدام اللاعبين والكرات التى تهتدى إلى المرمى أو تطير بعيدة عنه مستهلكة أعصاب الجمهور، وقد يختصمون حول موقف الحكم من هذه «التمريرة» أو تلك فتعلو أصواتهم المهتاجة، وقد يتضاربون، ويستمتع أهل النظام بمشاهد العراك بين رعاياهم وقد انصرفوا عن مطالبهم فى الخبز مع الكرامة وحق العمل وحق الرأى وحق الانتخاب وسائر البدع التى جاءتنا من بلاد الكفر والخروج من الدين وعليه..

تطغى صرخات التهليل للكرة التى دخلت المرمى على وقع أزيز الرصاص الإسرائيلى القاتل للمتطوعين الأتراك من أجل نجدة المليون ونصف المليون فلسطينى المحاصرين فى قطاع غزة حتى الموت جوعا وعطشا وسط أنقاض بيوت لجوئهم الثانى التى دمرتها الحرب الإسرائيلية.

كذلك تطغى الحماسة لتمريرة حاذقة من أحد اللاعبين على حقيقة أن مجلس الأمن الدولى ظل يعمل طوال أيام لتمرير قراره بفرض جولة رابعة من العقوبات الجديدة على إيران، لاحتمال أن يكون برنامجها النووى قد بات قادرا على إنتاج قنابل نووية ولو بعد سنوات طويلة، فى حين أنه رفض وبشكل واضح اعتماد مشروع قرار يدين إسرائيل لهجومها على أسطول الحرية الحامل بعض الطحين والدواء والكتب المدرسية والقصص والحليب لأطفال غزة المحاصرة.

وبالتأكيد فإن شهر المونديال الذى يكاد يكتسب أهمية استثنائية توازى القداسة ليس هو الموعد الأفضل لتذكير العالم بحقيقة أن إسرائيل تملك مفاعلا نوويا قادرا على إنتاج الرءوس النووية منذ ثلاثين أو يزيد، وأنه قد أنتج ــ على ما تردده المصادر الموثوقة فى هذا المجال ــ مائتى رأس نووى.

لا عرب فى المونديال، غالبا..
وإذا ما وقعت معجزة واستطاع فريق عربى الوصول إلى الجولات الأولى من مباريات كأس العالم فإنه يستقطب عواطف العرب عموما الذين يتشهون نصرا من أى نوع، ولو فى كرة القدم.. فينسون الخصومات التى يسقطها أهل النظام العربى عليهم ويندفعون فى تأييده، عائدين إلى عقولهم والأصول: أنه فريقهم جميعا، وعليهم أن يشجعوه حتى لو كان أضعف من أن يصل إلى الدور النهائى والحصول على الكأس الذى بمستوى الأمنية!

لا عرب فى المونديال، غالبا..
ربما لهذا يتوزع العرب فى ولاءاتهم على فرق عدة، لكنهم يحجبون عواطفهم بالتأكيد عن الفريق الأمريكى، مثلا، أو الفرنسى، أو البريطانى غالبا، وينحازون إلى دول يعتبرونها الأقرب إلى قلوبهم، والأكثر تعاطفا مع قضاياهم الأساسية، وفلسطين دائما هى المعيار، كمثل البرازيل والأرجنتين، ودول العالم الثالث إجمالا، أو الفرق المخاصمة لمن يخاصمونه سياسيا.

إن أهل النظام العربى يقدمون فى مناسبة المونديال دليلا ناطقا على فشلهم المطلق: فى الداخل كما فى الخارج، فى الرياضة كما فى السياسة والاقتصاد والتعليم!

إنهم يستخدمون الرياضة فى الداخل لإشغال رعاياهم عن همومهم الأصلية، ودفعهم للانسياق مع عواطفهم بل غرائزهم إلى النهاية، فتصير الأندية الرياضية بديلا من الأحزاب.. ولأن أهل النظام هم أصحاب الثروة، أو مصدر النعمة على من يقربون من رجال الصفقات والأعمال، فإنهم يوجهون هؤلاء لرعاية أندية فى مواجهة أندية أخرى، بما يسهل انقسام الرعايا بعيدا عن همومهم الأصلية، واندفاعهم فى الخصومة أو الولاء خارج السياسة، أى خارج المعارضة والتصدى لمصادر الظلم والإجحاف وإهمال مطالبهم المشروعة.

وقديما استغرب «قائد ثورة الفاتح من سبتمبر» فى ليبيا أن يتنازع بضعة وعشرين لاعبا كرة قدم واحدة، وقرر أن يكون لكل لاعب كرته الخاصة يذهب بها حيث شاء.

لقد أفسد أهل النظام العربى الرياضة (والرياضيين) فى جملة ما أفسدوا من مجالات الإنجاز، ولا نقول الإبداع، التى يستطيع «رعاياهم» تحقيقها لو أنهم يملكون حق القرار وحق الرأى فضلا عن حق القول، حولوا الرياضيين إلى دعاة بل وأبواق للنظام: إن فازوا فالفوز له وإن خسروا فالخسارة عليهم..

يكفى أن نستعيد المشاهد المخزية لما حفلت به المباريات بين منتخبى كل من مصر والجزائر فى مباريات كأس أفريقيا، لنتبين كيف خربت الأغراض السياسية المباشرة لأهل النظام العلاقات الأخوية (بل والمصالح الوطنية) بين الشعبين الشقيقين قبل أن تضرب الروح الرياضية فى الصميم وتشوه سمعة الأمة جميعا التى وقف العالم يسمع المسئولين فى أكبر دولتين عربيتين «يردحون» ويتبادلون الشتائم ويهينون دماء الشهداء والرموز الوطنية لمن كانوا رفاق سلاح وشركاء فى الجهاد من أجل التحرر واستعادة الكرامة العربية والإسلامية.

إن أهل النظام العربى لا يتورعون عن استخدام أى سلاح لاستثارة غرائز «الجمهور» وسحبه بعيدا عن مطالبه، بل والوقوف ضد مطامحه، وحرفه عن أعداء وطنه وقوميته ودينه من أجل أغراضهم الصغيرة.
إن أهل النظام العربى وبعضهم قد حكم عقودا طويلة، وما زال يحكم سعيدا، قد عجزوا عن إنتاج فريق واحد مؤهل للمشاركة جديا فى مباريات كأس العالم.. فضلا عن الحلم بالفوز بالكأس.

إن جماهير الأمة «تستورد» الأبطال من خارجها، فى زمن البؤس الذى نعيش فيه مسحوقة بالضآلة وانعدام الجدارة بتحقيق أى فوز( ولا نقول: أى نصر) حتى فى الرياضة.

آخر مثال حسى إن الجماهير العربية ترفع الآن صور القادة الأتراك الذى تصرفوا بإحساس عميق بالكرامة فى مواجهة الاعتداء الإسرائيلى الوحشى على قافلة الحرية فجمدوا علاقاتهم بها، وفضحوا عنصرية هذه «الدولة» التى زرعت بالقهر فى قلب الوطن العربى، وأصروا على تشكيل لجنة تحقيق دولية لإدانتها بجريمتها التى لم يستطع أقرب حلفائها أن يبررها، بل هى أحرجت الجميع من «أصدقائها» بدءا بالرئيس الأمريكى الأسمر ذى الجذور الإسلامية، الذى تتهاوى صورته على مدار الساعة، وانتهاء بحلفائها ومناصريها فى كل الأحول من العنصريين الأوروبيين المعادين للعرب والإسلام.

لقد أصاب هذا النظام العربى الأمة بالقحط: لا قائد ولا زعيم، لا حكومة ناجحة ولا إدارة، لا موسيقى موهوبا ولا مطرب أو مطربة تخاطب الوجدان، فضلا عن أن كلمات الأغانى بمجملها تكاد تشكل إهانة للذوق العام.. أما السينما والمسرح فحدث عن المستوى الهابط ولا حرج، وأما الجهات الراعية للآداب، رواية وقصصا وشعرا ومسرحيات، فقد توزعت بين إدارات رسمية تطارد روائع الإبداع كما حصل مع « ألف ليلة وليلة»، وبين شيوخ نفط «يشترون» بدنانيرهم الشعراء والكتاب ويذهبون بهم بعيدا عن هموم أهلهم.

فمن أين سيأتى الفريق المؤهل للفوز بدخول جنة كأس العالم، قبل أن نحلم بمن يصل إلى النهايات وملامسة ذلك الكأس السحرى؟!

من الذكريات المؤلمة:
أن الاجتياح الإسرائيلى للبنان فى يونيو 1982 قد تزامن مع مباريات كأس العالم، وكانت قد أقيمت فى إسبانيا.
ولقد انشغلت الجماهير العربية العاجزة عن الفعل والتأثير على أهل النظام العربى بنتائج المباريات بين الفرق المختلفة عن وقائع ذلك الاجتياح الذى دمر عاصمة عربية مميزة هى بيروت «التى» احترقت ولم ترفع الأعلام البيضاء.

كذلك فإن مباريات كأس العالم فى يونيو ويوليو2006 قد شهدت مع نهاياتها الحرب الإسرائيلية على لبنان من 12 يوليو وحتى 13 أغسطس 2006 بكل البطولات والمواجهات المشرفة بين طوابير جيش الاحتلال بتفوقه الجوى والساحق وقوة نيرانه الجهنمية وبين مجاهدى المقاومة فى لبنان الذين واجهوا العدو فصدوه ومنعوا تقدمه وحققوا بثباتهم فى مواقعهم حتى الساعة الأخيرة نصرا مبينا.

لكن أهل النظام العربى قد نقموا على المقاومة صمودها، ورأوا فى انتصارها هزيمة لهم، إذ فضحت عجزهم واستسلامهم فنقموا عليها، ومضوا بعد الحرب يشنون عليها حملات التشويه فاتهموها فى وطنيتها وفى دينها، ورأوا أنها إنما تآمرت عليهم فشغلتهم ــ جمهورهم ــ عن متابعة وقائع المونديال والتمتع بأهداف الآخرين!

إنه المونديال.. والعرب ليسوا بين المشاركين فيه إلا رمزيا، لكن الجماهير العربية ترى فيه فرصة للتعبير عن آرائها بحرية.. وأهل النظام العربى يرون فيه إجازة ممتعة للراحة من رعاياهم الذين يتوزعون بحماستهم على الفرق المتنافسة على الكأس، فينشغلون عنهم ويتركونهم يستمتعون بإجازة هانئة!
إنه المونديال.. عيد الرياضة فى العالم وعيد الديمقراطية عند الرعايا العرب!
وشتان ما بين العيدين!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved