ليس هكذا تدار العلاقات الخارجية

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأحد 23 يونيو 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

الصين تصعد واليابان تستأنف الصعود. الهند والبرازيل وروسيا وإندونيسيا وشيلى والمكسيك تنهض فى ظل ظروف داخلية صعبة وتحديات إقليمية هائلة. إنها حقا لمتعة لمحترفى السياسة الخارجية وهواتها متابعة أساليب إدارة هذه البلاد لسياساتها الخارجية، كل تجاه الآخر وكل تجاه دول الإقليم والدول الكبرى. اخترت للصدارة الصين واليابان ليس فقط لخبرة سابقة بإحداهما وفترة دراسة غير قصيرة عن الأخرى، لكن أيضا لأن الدولتين رغم الأصول الثقافية والعرقية المتقاربة تشتركان فى تجارب تاريخية مؤلمة، ولا يخفى شعباهما عجز كل منهما عن تقبل الآخر والوثوق به جارا أو حليفا يؤتمن. تبقى، رغم ذلك، متابعة إدارتهما لخلافاتهما درسا متجددا فى علوم إدارة الصراع.

 

ترى فى المتابعة كيف يحرص صانعو السياسة الخارجية فى بكين كما فى طوكيو على «تحصين» الاختلافات بينهم وخلافاتهم ضد ضغوط قوى التطرف فى الدولتين، وهى قوى لها شأنها ومبررات وجودها. منها المتجذر عمقا فى ثقافة ألفية تقدس العنف ورموزه ومنها القوميون الجدد وهؤلاء يختفون عقودا، ويظهرون فى المناسبات، ويعرف السياسيون المدربون كيف يشبعون شهوة هذه القوى للظهور وإثبات الوجود بالسماح لجماعاتها بالتظاهر فى مناسبة أو أخرى ضد الدولة الأخرى أو مقاطعة منتجاتها، ولكن فى معظم الأوقات والأحوال وبعد أن تفلح فى تفريغ طاقتها يسرعون بكبح جماحها وأحيانا نزع أنيابها.

 

●●●

 

لا شك أنه من حق صانع السياسة الخارجية، وبخاصة المكبل بأزمة أو عدم خبرة، الاستعانة بحماسة قوى داخلية ليظهر فى مفاوضاته بمظهر المجبر على التشدد أو المدعوم بالداخل. ولكنها لعبة خطرة. إذ يحدث أن يستغل الخصم الدولى هذا الشحن الجماهيرى فيصعد مواقفه إلى حالة الحرب. هذه على الأقل ما فعلته إسرائيل مع مصر فى الفترة من أبريل إلى يونيو 1967. وقد يحدث أن يستغل الحاكم فورة الشارع لينقض على الشعب بتحول جذرى فى توجهات السياسة الخارجية، تحول ما كان ليفعله فى ظروف عادية. هذا ما فعله الرئيس السادات فى أعقاب «انتفاضة» يناير 1977. يحدث كذلك أن يفلت عيار قوى الحشد المتطرفة فتقبض بنفسها على عملية صنع السياسة عموما والخارجية خصوصا وهو ما فعله المتطرفون الماويون عندما أشعلوا نيران الثورة الثقافية فور انتهاء دورهم فى برنامج التثوير الاشتراكى للمجتمع الصينى.

 

●●●

 

فوجئت بقرار صانع السياسة الخارجية المصرية إقامة «سوق عكاظ» فى قصر الرئاسة بهدف، كما قيل، طرح بدائل عمل فى قضية السد الحالى إقامته على النيل الأزرق فى إثيوبيا. أخطأ الرئيس خطأ سيحاسبه عليه ليس فقط علماء العلاقات الدولية، بل أجيالا قادمة عديدة قدر لها أن تدفع ثمن هذا الخطأ، وهو بكل المعايير ثمن باهظ. لقد تسبب هذا التصرف، أيا كانت نية من اقترحه، فى الإساءة إلى سمعة وأرصدة السياسة الخارجية المصرية. يكفينا هنا الإشارة إلى أن الدبلوماسية المصرية مضطرة الآن ولوقت قادم إلى استخدام بعض أرصدتها، وهى أرصدة متناقصة لأسباب معروفة، لتحسين الصورة البشعة لمصر التى خلفتها لدى الدول الأفريقية والعربية حادثة الحوار سيئ السمعة والمذاع على الهواء الذى انعقد فى رئاسة الجمهورية المصرية.

 

●●●

 

الشىء نفسه تكرر، وإن بشكل أسوأ بكثير، فى حفلات مهرجان «الإرهاب» التى أقيمت لنصرة شعب سوريا، وبدت أمام الرأى العام الخارجى أنها لنصرة «النصرة» وشبيهاتها ولو كان الثمن تفتيت سوريا وتدمير نموذج فريد لتعددية إنسانية رائعة عاشت لعشرات القرون على نفس الأرض. هذه الحفلات، التى كانت أقرب شىء ممكن فى توقيتها وأهدافها ومفردات خطابها إلى الطقوس التى كانت تمارسها القبائل الأفريقية وقبائل الهنود الحمر فى الأمريكيتين. كانوا يجتمعون حول نار موقدة ويرقصون رقصات الحرب ويجمعون الذهب والأموال ويحشدون الشباب ويدعون للجهاد دفاعا عن القبيلة أو لغزو قبائل أخرى.

 

هكذا وصف معلقون فى الخارج استعدادات حكومة مصر للإعلان عن عزمها تغيير سياستها تجاه الأزمة السورية. سرى الظن كالنار فى الهشيم أن التوقيت مناسب لتنفيذ خطة، وليس مؤامرة، تجتمع فيها إرادة بعض القوى السياسية ممثلة للتيارات الدينية شديدة التطرف وصادقة النية فى خلط الدين بالسياسة، مع إرادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة اللتين قررتا فجأة تصعيد موقفهما اللفظى من سوريا، مع إرادة مجموعة من الأفراد استولت على عملية صنع السياسة الخارجية المصرية، اجتمعت هذه الإرادات لتفرض على القيادة المصرية حشد طاقات مصر الدبلوماسية والعسكرية والشعبية ووضعها فى خدمة خط سياسى مصادره فى الغالب غير مصرية وغير متسق مع المبادئ الأساسية للمصالح القومية المصرية.

 

●●●

 

لم تتعود مصر فى صنع سياستها الخارجية على أن تكون العنصرية أو الطائفية أو المذهبية إحدى ركائز استراتيجيتها الخارجية، ومع ذلك بدت مصر فى قضية السد الإثيوبى من خلال الحوار سيئ السمعة والوضع السورى من خلال مهرجان الإرهاب، كما لو كانت تستمد طاقتها الدبلوماسية من دافع «عنصرى» متعال على اللون الأسود، لون تسعمائة مليون أفريقى، أو من دافع «طائفى» مستجد على ثقافة وأخلاق المصريين رافض فى جذوره المستوردة واقع أو مبدأ وجود مصريين غير مسلمين ولا يتردد أنصاره فى إعلان مسيحيى مصر كفارا، ومسلمى مصر المعارضين للعهد القائم كفارا، وكل الرافضين لإشعال حروب دينية فى المنطقة كفارا أيضا.

 

هكذا رآنا الآخرون خلال الأيام القليلة الماضية. قال لى صحفيون أجانب كبار إن هذه الصورة عن مصر أثرت جذريا فى اتجاهات الرأى العام العالمى عن مصر. لن يتغير هذا الرأى بجهد بسيط أو فى وقت قريب كما يعتقد بعض الهواة، وفى كل الأحوال إن حاولوا التغيير على شاكلة رحلة وزير الخارجية إلى أديس والخرطوم، فستكون التكلفة باهظة على جميع مستويات العمل الدبلوماسى ومواقعه، خاصة إذا استمرت تصرفات المسئولين المصريين وتصريحاتهم تعززه. مثالنا البارز التصريح الذى أدلى بها رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم عندما تعمد رفع خلاف ناشب بين حزبه وأجهزة فى دولة الإمارات إلى مستوى النزاع الدولى، بكل ما يحمله هذا من تهديد لسلامة واستقرار منظومة السياسة الخارجية المصرية، الدرع التى كثيرا ما حمت مصر من تجاوزات بعض حكامها.

 

●●●

 

أضف إلى تعقيدات مسيرة الدبلوماسية المصرية فى أزمتها الراهنة حقيقة أن انشقاقا وقع فى جدار منظومة العلاقات الأمريكية المصرية يحظى الآن باهتمام الدبلوماسيين والمعلقين الأجانب فى مصر. نتج عن الانشقاق أن أصبح لمصر سياستان خارجيتان فى علاقتها بالولايات المتحدة. هناك سياسة خارجية تمارسها القوات المسلحة المصرية، لها دبلوماسيتها وأجهزتها وميزانيتها وتتعامل مباشرة مع جميع أجهزة صنع السياسة الأمريكية. هناك فى الوقت نفسه سياسة خارجية ليس لها دبلوماسية معروفة أو عقل واحد أو مصالح قومية معروفة، إنما تديرها بتخبط واضح أجهزة عديدة، أعلاها شأنا مؤسسة الرئاسة وليس أقلها شأنا مؤسسات وأحزاب وفصائل التيارات الدينية وأفراد كثيرون أكثرهم لا يمثل أحدا. بعد هؤلاء جميعا قد تأتى أو لا تأتى وزارة الخارجية المصرية.

 

●●●

 

ليس هكذا تدار السياسة الخارجية لدولة تحترم نفسها وتريد أن تنهض.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved