الإسلام السياسى كظاهرة انتحارية

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 23 أكتوبر 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

كمن الإسلام السياسى طويلاً، وطويلاً جداً، فى انتظار فرصته للقفز إلى السلطة ومباشرة تحقيق مشروعه، الحلم إعادة «الدولة الإسلامية»، أى الخلافة، ولو بصيغة عصرية، إلى الحياة.. وهى التى شبعت موتاً، وألغاها «العثمانيون» الذين حكموا باسمها أربعة قرون ليعودوا أتراكاً.. علمانيين!

  ولقد شجعته الانتفاضات المتعاقبة التى كان بعيداً عنها فى تجلياتها الأولى، بل ومنحازاً إلى السلطة المؤقتة التى جاء بها الاضطرار بعد السقوط السريع لأنظمة الطغيان سواء بالهرب (كما فى تونس) أو بالتصدى لرياح التغيير حتى الموت مع القذافى الذى ظل يكابر حتى اللحظة الأخيرة ويرفض الاعتراف بالشعب وثورته إلى أن تم اعتقاله وقتله بطريقة بشعة بل مقززة شكلت إهانة لثوار ليبيا أكثر مما يمكن اعتبارها انتصاراً لهم، خصوصاً وقد رافقتها الشواهد على أن قوات أجنبية (وبالذات فرنسية) كانت هى من قطع عليه الطريق وسلمه إلى الجمهور الغاضب ليقتله بتلك الطريقة الوحشية والمستفزة لإنسانية الإنسان.

 ها هو الإسلام السياسى يندفع الآن إلى تدمير المجتمعات التى قبلته إلى حين، مفترضة انه قد أفاد من تجربته الطويلة فى المعارضة طلباً للسلطة، مؤكداً بالدم القانى انه ليس جديراً بثقة الشعوب التى أخذت بعضها الحماسة إلى انتخاب الإخوانيين بكثافة وتسليمهم السلطة بأمل أنهم سيكونون المنقذ والمعبر إلى عصر الأخوة والمساواة والعدالة والرخاء.

 من تونس إلى مصر فإلى ليبيا فإلى ممارسات الحركات والتنظيمات الإسلامية فى سوريا ثم فى العراق، كانت السلطة هى الهدف، أما الوسيلة فهى تلك التى يتيحها الظرف، وغالباً ما أتاح الظرف استخدام «الديمقراطية» طريقاً فإذا ما فشل الإسلاميون فى ممارستها أو واجهوا اعتراضات جدية لجأوا إلى الفتوى بالجهاد، مع أنهم ليسوا فى ارض جهاد ولا فى أرض نصرة.

●●●

 لقد خسر الإخوان مصر، وليس السلطة فيها فحسب، بسبب تسرعهم واستغنائهم بنفسهم عن الآخرين، كل الآخرين، أصحاب الأدوار الثابتة بل والحاسمة فى انتصار الانتفاضات الشعبية وإسقاط أنظمة الطغيان.. بينما كان الإخوان يفاوضونها ويرجئون إسقاطها من اجل أن يتمكنوا فيقفزوا إلى السلطة منفردين، بزعم إعادة نشر الإسلام بين المسلمين ونقض المعاهدة ذات الوهج التاريخى التى عقدها الرسول العربى مع المسيحيين وحتى اليهود فى المدينة المنورة، بعد هجرته إليها، هرباً من اضطهاد أهله الأقربين وقد انتبهوا إلى أن الدين الجديد يهدد سلطتهم ويفتح باب المجتمعات لتغيير جذرى يقوده الدين الحنيف فى اتجاه الوحدة والعدالة والمساواة بين المؤمنين، على اختلاف الأديان.

●●●

 لقد رفض إسلاميو القرن الحادى والعشرين الاعتراف بالسابقين إلى الإسلام، أو بالمسلمين عموماً أن هم لم يكونوا من الإخوان ومن والاهم سار فى ركابهم.. فكيف إذن بالمواطنين من أتباع الأديان الأخرى، ومن أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى التى لا تقول بقولهم ولا تقبل تفسيراتهم وبدعهم حول الخلافة والحاكم مطلق الصلاحية بذريعة انه «العادل».

 وبطبيعة الحال فإن هؤلاء الإسلاميين قد اعتبروا الوطنية ضرباً من الهرطقة والقومية أو العروبة كفراً ومن باب أولى أن يعتبروا الشيوعية إلحاداً وبالتالى خروجاً على الدين أو ردة تستحق الإعدام.

●●●

 لقد كفر هذا الإسلام السياسى الذى يعتمد السرية فى تنظيماته وفى تمويله وفى حركته السياسية، بدلاً من التبشير الذى اعتمده لفترة، سائر المسلمين قبل أن يكفر النصارى ويهاجم فيهدم كنائسهم (ولأمر ما يعف عن اليهود وكنيسهم حيثما وجد).

 ولقد اسقط هذا الإسلام السياسى العداوة عن إسرائيل، بل هو اندفع ينافق قادتها ويظهر لها الود والرغبة فى التعاون سياسياً واقتصادياً أن يثير معها المسائل السياسية والاقتصادية التى ألحقت بمصر، تحديداً، غبناً فاضحاً، بل إنها «أذلت» الحكم فى القاهرة وواجهته بتحديات قاسية فابتلعها ممتنعاً عن الاحتجاج فضلاً عن الرد عليها.

 أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة فقد مسح الإسلام السياسى، والإخوان تحديداً، عنها شبهة «الإمبريالية» والرغبة فى الهيمنة على الشعوب والسيطرة على ثرواتها الطبيعية، وسعى إلى التحالف معها (بل والالتحاق بسياساتها) برغم سقوط الادعاء بأن تلك ضرورة لمواجهة الشيوعية ومعسكرها السوفييتى الرهيب، والذى اختفى من الحاضر والمستقبل.

 لقد تصرف الإسلام السياسى وكأن العروبة هى عدوه الأول والأخير، متلاقياً فى هذا العداء مع قوى الهيمنة الأجنبية، وفى الطليعة منها الولايات المتحدة الامريكية، ومع قوى الاحتلال الأجنبى للأرض العربية، وبالتحديد منها إسرائيل التى تحتل عسكرياً فلسطين، وتحتل كذلك بعض مصر (سيناء) بمنعها الجيش المصرى من ممارسة حقوق السيادة فوق أرضه، كما تحتل، سياسياً واقتصادياً، الأردن، ولا تزال تحتل الأرض السورية (هضبة الجولان) وقد جعلتها بعضاً من كيانها، كما أن شبح احتلالها للأرض اللبنانية ما زال ماثلاً فى الأفق، ولولا قدرات المقاومة التى حررت المحتل من هذه الأرض ثم واجهت جيش الاحتلال الإسرائيلى فى حرب يوليو 2006، وهزمته، لكان لبنان جميعاً رهينة فى اليد الإسرائيلية التى تحاول أن تكون هى العليا، ليس بالنسبة لهذا أو ذاك من البلدان العربية، بل للوطن والأمة العربية جميعاً.

 ولقد تصرف الإسلام السياسى بمنطق أن عدوه الأول فى الأرض العربية جميعاً هو الوطنية أما عدوه الأخطر فهو العروبة، سواء بسيمتها المباشرة أو بترجمتها الفكرية، السياسية: القومية العربية.

 وبهذا المنطق فإن الإسلام السياسى يجد نفسه فى موقع الحليف للولايات المتحدة بل وللغرب (الاستعمارى!) عموماً، وللكيان الصهيونى بالضرورة، ويتصرف وكأنه مع هذه القوى جميعاً فى حرب مفتوحة مع فكرة العروبة بوصفها الهوية الجامعة لأبناء هذه الأمة.

 بهذا المنطق أيضا يلتقى الإسلام السياسى مع الكيانات التى تتلاقى على تمزيق الانتماء القومى الواحد لجموع أبناء الأمة والواحدة، فيستفز بالتهديد الأقليات الدينية والقومية مما يهدد وحدة الأمة ويصدع الوحدة الوطنية فى أقطارها.

●●●

 ولقد كانت مصر نموذجاً كاشفاً، إذا استفز الإخوان الأكثرية الساحقة الإسلامية فيها وكادوا يتهمونها بالكفر لأنها لا تواليهم ولا تقبل نزعتهم إلى الهيمنة المطلقة، بقدر ما استعدوا من دون سبب المسيحيين الذين هم الأهل الاصليون فى مصر، فى حين لم يتورعوا عن «سحل» بعض المنتمين إلى المذهب الشيعى منكرين عليهم إسلامهم بعد رميهم بتهمة الكفر والخروج على الدين.

 لقد أضاع الإخوان فرصة أن يكونوا واحدة من النخب السياسية فى هذه الأمة فخسروا الدولة من دون أن يفيدوا الدين الحنيف فى شىء، وتبدوا انفصاليين، احتكاريين ودكتاتوريين، وكأنهم وافدون من دنيا أخرى غير دنيانا، فكان طبيعياً أن يخسروا الدنيا والآخرة.

 وأعظم أفضالهم أنهم أنجزوا هذه المهمة بسرعة قياسية يستحقون عليها أن نتوجه إليهم بالشكر العميم.

 

رئيس تحرير جريدة «السفير» اللبنانية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved