جشع الرجال

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 24 فبراير 2009 - 5:40 م بتوقيت القاهرة

  المرأة غير مسئولة عن الأزمة المالية والاقتصادية التي تمسك بخناق العالم وتهدد رفاه أجيال قادمة ومستقبلها. لتتأكد من براءتها أجب عن السؤال التالي: من المتسبب بحكم المنصب والمهنة والوظيفة والممارسة والتجربة والتخطيط والمصلحة المباشرة في وقوع الأزمة ؟

ستكون إجابتك كإجابة الأكثرية العظمى من الخبراء والناس العاديين هي أن الأزمة تسبب في وقوعها الرئيس السابق جورج بوش الصغير ونائبه ريتشارد تشينى ومحافظ البنك المركزي الأمريكي السابق آلان جرينسبان ووزراء مالية الدول السبع الأغنى والأقوى والمسئولون في البنوك وبيوت الاستثمار وعمالقة مؤسسات القروض قصيرة الأجل وممولو قطاع العقارات !

لاحظ أنه بين كل هؤلاء لا يوجد سوى عدد قليل جدا من النساء. بمعنى آخر، كان الرجال وراء الأزمة العالمية الراهنة وهم الآن وراء احتمال نشوب كساد عالمي رهيب وهذا استنتاج يكاد يرقى إلى مستوى الحقيقة. فالأنباء التي نقلت تطورات الأزمة منذ الصيف الماضي لم تشر إلى امرأة واحدة كانت سببا في سقوط مؤسسة مالية أو كانت في بؤرة فضيحة مالية رهيبة، بينما أشارت وبالأسماء إلى قيادات من الذكور سطعت لسنوات نجوما في سماء شارع المال في نيويورك وفي حي المدينة في لندن وأوساط المال والنفوذ في عواصم متعددة .

هؤلاء كانوا إلى عهد قريب جدا رموزا يحج إلى مدينة دافوس كل عام مئات من رجال السياسة والحكم ليتبركون بمصافحتهم ويظهرون في الصور معهم. هؤلاء، أو كثيرون منهم، لقلة كفاءتهم وفساد أخلاقهم وبشاعة جشعهم وتنكرهم لمجتمعاتهم وشعوبهم وخيانتهم لتقاليد الطبقة البورجوازية التي ينتمون ولو بالاسم إليها تسببوا في إفلاس مؤسساتهم وشركاتهم وخربوا حياة مئات الألوف من المدخرين والمستثمرين في كافة أنحاء العالم. كان بين هؤلاء رجال احتلوا معظم مناصب اتخاذ القرار في مصرف ليمان أحد أقدم بيوت المال في العالم وهم الذين تسببوا في إفلاسه. وشهرة مصرف ليمان في هذا الشأن لا تقل عن شهرة سلسلة مصارف روتشيلد .

فهذه أيضا معروف عنها أنه في تاريخها الممتد منذ القرن الثامن عشر لم تتول امرأة واحدة من عائلة روتشيلد مسئولية قيادية في أي فرع من فروعها ولم يكن لامرأة من نسل روتشيلد في أي يوم الحق في أبداء الرأي في شأن مالي كبر أو صغر، وكانت إذا تزوجت خصص لها مجلس الرجال مبلغا يعوض عن خروجها من العائلة .

أفهم الآن مطالبة بعض النساء في الولايات المتحدة بأن تتضمن خطط الإصلاح المالي وضع الإناث محل الرجال في إدارة شئون المال والاقتصاد في العالم، وأتفهم القرار الذي أصدرته حكومة أيسلندة بتعيين نساء فقط لقيادة المصارف التي أفلسها الرجال الذين جعلوا أيسلندة أول ضحية للأزمة المالية العالمية ومحل سخرية العالم. تقول النساء إن المرأة بطبيعتها أقل إقبالا على المخاطرة وأضعف ميلا للعنف وارتكاب الجرائم وفي طبيعتها أيضا ما يمنع الجشع من أن يتمكن منها فتخضع له.

أفهم أيضا لماذا عادت الممثلة الرائعة جوليا روبرتس صاحبة فيلم «امرأة جميلة» بعد غياب طويل لتمثل دورا رئيسا في فيلم يحكى حكاية الأزمة المالية الاقتصادية ويكشف دور جشع الرجال وفساد قطاع المال والأعمال وتخريب الاقتصاد الأمريكي ونكسة العولمة أو أفولها. وقد يذهب الظن بالبعض هنا في مصر وفى بلاد الشرق عموما إلى أن غضب النساء في الغرب على الرجال بسبب مسؤوليتهم عن الأزمة المالية إنما هو استمرار لحملة تحرير المرأة وتمكينها وتحصيل حقوقها وتحقيق مساواتها بالرجل.

إن غضب نساء الغرب على الرجال لا يختلف في أسبابه ودوافعه عن غضب نساء الشرق على رجالهن.. كلهن في الشرق والغرب يتهمن الرجال بأنهم صاروا أقل رجولة وأشد جشعا بعد أن سيطر عليهم عشق المادة فأهملوا دورهم كآباء وتخلوا عن نسائهم كأزواج وتنازلوا عن مسئولية إعالة الأسرة حتى صار كثير منهم، كما تقول إحداهن، ينتظرون زوجاتهم أمام مقار عملهن في اليوم الأول من كل شهر ليستولوا على مرتباتهن. رجولة أقل صنعت أزمة الأخلاق في بلادنا وجشع رجال صنع الأزمة الاقتصادية العالمية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved