من وحى المؤتمر الاقتصادى..

جلال أمين
جلال أمين

آخر تحديث: الثلاثاء 24 مارس 2015 - 10:20 ص بتوقيت القاهرة

نحن جميعا مهمومون بالاقتصاد، الاقتصاديون منا وغير الاقتصاديين. فنحن نعرف أن معاناة معظم الناس فى مصر، الآن ومنذ فترة طويلة، تعود أساسا إلى أسباب اقتصادية. ثم جاء انعقاد المؤتمر الاقتصادى فى شرم الشيخ منذ أيام، فزاد الحديث عن الاقتصاد حتى كاد يصمّ الآذان. ولكنى لاحظت، بأسف شديد، أن كثيرا مما كتب ونشر عن الاقتصاد المصرى، قبيل انعقاد المؤتمر وأثنائه وبعده، لا يمكن أن يرضى عنه متخصص فى الاقتصاد. فكثير مما كتب يتعارض مع الحقيقة، أو يتضارب بعضه مع بعض، أو لا يحتوى إلا على أنصاف حقائق، أو لا يزيد على ترديد بديهيات يعرفها الجميع، أو يعتريه غموض شديد بحيث يصعب فهمه، بل ويبدو هذا الغموض أحيانا وكأنه متعمد بهدف عدم فهمه، أو هو أقرب إلى الأحلام والتمنيات التى تصوّر على أنها أمر واقع، أو يتناول جوانب اقتصادية غير مهمة، متجاهلا الجوانب التى تهم الناس حقا.. الخ

إن أى اقتصادى يعرف أن الأرقام المطلقة نادرا ما يكون لها أى مغزٍ ما لم تنسب إلى غيرها، والأرقام المطلقة قد تبهر شخصا أميا، ولكنها لا تؤثر فى شخص آخر ينتظر أن يعرف أرقاما أخرى يقارن بها ما يلقى عليه من أرقام. فالقول مثلا بأن مشروعا ما سيوجد مليونا ونصف المليون فرصة عمل، لا يمكن تقييمه إلا بمعرفة المدى الزمنى الذى سيستغرقه المشروع والذى ستوجد خلاله هذه الفرص، ويذكر عدد المتبطلين الآن، وعدد المنضمين سنويا لسوق العمالة، حتى نعرف ما إذا كان مليون ونصف المليون فرصة عمل سوف تساهم مساهمة مهمة أو غير مهمة فى حل مشكلة البطالة. المؤسف أن كثيرا من التصريحات التى نسمعها من الحكومة عن مشروعاتها الاقتصادية، أو عما عقدته من اتفاقيات، هو من هذا النوع، وكأن الحكومة تخاطب شعبا أميَّا أو عددا من الأطفال الذين يبهرهم أى رقم يزيد على المليون.

نحن جميعا نعرف أهمية أن يكون معدل نمو الناتج القومى مرتفعا، وأن 2٪ أو 3٪ يعتبر معدلا منخفضا فى ظروف بلد كمصر، وأن 7٪ أو أكثر يعتبر معدلا مرتفعا، وأن 5٪ معدل لا بأس به فى ظروف مصر الحالية. ونحن لم نستغرب قط ما نشر من أن معدل النمو كان يقرب من 2٪ فى السنوات التالية للثورة، فى ظل اضطراب الأمن والسياسة. ولكن ما معنى أن تصدر تصريحات فجأة، قبيل المؤتمر الاقتصادى بأيام، بأن الاقتصاد المصرى حقق نموا فى نصف السنة الماضية يزيد على 5٪؟ ما الذى حدث لكى يجعل معدل النمو يتضاعف فجأة على هذا النحو، دون أن نشاهد أى تغير يمكن أن يحدث هذه النتيجة، سواء فى حالة الأمن أو السياسة؟ ولكن صاحب التصريح لم يحاول أن يفسر هذا التقدم الملحوظ بالمقارنة بالأرقام السابقة، ولا يذكر أداء القطاعات المختلفة حتى نعرف من أين جاء هذا التقدم الباهر.

من الملاحظ أيضا أن ما يعطى لنا من معلومات فى هذه الأيام، عما يحدث للاقتصاد، لا يقترن بإعلان أى خطة للتنمية، لا سنوية ولا خمسية ولا عشرية. وهو أمر غريب على الأخص من حكومة تأتى فى أعقاب ثورة، وأتيح لها من الوقت ما يمكن أن تنتج فيه خطة نطرحها للمناقشة. وهذا الامتناع عن وضع خطة أمر مؤسف بوجه خاص فى ظروف مصر الحالية. فمشاكل مصر كما نعرف ليست قليلة، وهى معقدة ومتشابكة. وإذا كان من الخطأ أن يسمح المرء لنفسه بالشعور باليأس، مهما كانت المشكلات كثيرة ومعقدة، فإن عليه على الأقل أن يبدأ بوضع خطة، يرتب فيها المشكلات وفقا لأولوياتها، ويعطى الأولوية للمشكلات العاجلة التى يساهم حلها فى حلّ مشكلات أخرى، وهكذا. والمفترض أيضا أن الناس يكونون مستعدين للتفاؤل والتعاون عندما يقال لهم بوضوح فى أى طريق تسير الحكومة، ويعلن لهم ترتيب الأولويات الذى تتبناه الحكومة، فيعرف الناس مغزى كل خطوة فى ذلك الطريق الطويل الذى يتعين السير فيه. إذا لم تفعل الحكومة هذا، فلا جدوى فى رأيى من أى من هذه التصريحات المجتزئة وغير المفسَّرة، وغير المستندة إلى ما يراه الناس فى حياتهم اليومية، فهى لن تقنع أحدا ولن تريح أحدا.

•••

يذكرنى كثير مما ينشر من تصريحات وعناوين الصحف، ومنذ فترة ليست بالقصيرة، واستمر خلال المؤتمر الاقتصادى، بشخص ذهب إلى السوق، وعاد مسرورا، وأخذ يفتخر بما أنفقه فى السوق من مبلغ كبير (كألف جنيه مثلا)، دون أن يذكر لنا ما الذى اشتراه بالضبط، وما هو بالضبط النفع الذى يتوقع أن يعود عليه منه، وما إذا كان باستطاعته شراء شىء آخر أنفع وأرخص.. الخ

إن عناوين صحفنا، وكثيرا من التصريحات الرسمية، مليئة بمثل هذا الفخر بضخامة حجم الأموال التى سيتكلفها هذا المشروع أو ذاك، الذى انعقدت النية على تنفيذه، أو تم التوقيع على اتفاق بشأنه، دون أن يوضح لنا ما يجب توضيحه حتى نتمكن من الحكم بما إذا كان المشروع جديرا أو غير جدير بالتنفيذ. فكثيرا ما لا يقال لنا شىء عن منافعه من حيث حجم العمالة التى سيولدها، أو العملة الأجنبية التى سيدرها، أو ما إذا كان سيحفز على إقامة مشروعات أخرى، أو من القائم بتنفيذه، مستثمر وطنى أو أجنبى.. الخ، ناهيك عن مقارنته بمشروعات أخرى بديلة كان من الممكن تنفيذها بنفقة أقل أو عائد أكبر، أو فى منطقة أكثر حاجة من غيرها إلى مثل هذه المشروعات.

نحن نعيش، منذ فترة ليست قصيرة، فى ظل مناخ من التفكير الاقتصادى أساسه الزعم بأننا لا نستطيع تحقيق نهضة اقتصادية دون اعتماد كبير على الموارد الأجنبية. لقد بدأ هذا النوع من الحديث منذ تدشين السادات لسياسة الانفتاح، وكان الدافع إليه فى رأيى ليس حاجتنا الماسة إلى موارد خارجية بقدر حاجة أصحاب الموارد الخارجية إلى المجىء إلى دول مثلنا. على أى حال، فقد كان المتوقع بعد ثورة يناير 2011، أن نكون قد أصبحنا أكثر ثقة بأنفسنا وأكثر شجاعة وأكبر قدرة على تحدى ما يفرض علينا من سياسات من الخارج، مما كنا عليه فى العقود الأربعة السابقة. ولكن ها قد انقضى أكثر من أربع سنوات على هذه الثورة، ولا يبدو أننا قد أصبحنا أكثر شجاعة وقدرة فى هذا الصدد. أنا لا أقصد بالطبع أن نعود إلى سياسات الخمسينيات أو الستينيات، فالعالم قد طرأت عليه تغيرات كثيرة منذ ذلك الوقت، ولكن المصريين أيضا طرأت عليهم تغيرات كثيرة ومهمة منذ ذلك الوقت، تسمح لهم باستعادة القدرة على الاختيار بين ما يتاح لهم من بدائل، وألا يستسلموا للظن بأن مصيرهم قد أصبح خارجا تماما عن إرادتهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved