مثقف مختلف

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: السبت 24 أبريل 2010 - 9:41 ص بتوقيت القاهرة

 مساء الثلاثاء الماضى كانت القاعة الكبرى بالدور الرابع بنقابة الصحفيين ممتلئة عن آخرها بحشد يمثل كل ألوان الطيف الثقافى والسياسى المصرى، ناصريين ووفديين، ليبراليين، وشيوعيين، حكومة ومعارضة، إخوانا ومستقلين، نقادا ومبدعين وأساتذة جامعة، وقبل هؤلاء وهؤلاء وأولئك صحفيون من كل المؤسسات القومية والخاصة والحزبية، هؤلاء جميعا جاءوا للمشاركة فى تكريم الدكتور عمار على حسن والمناسبة فوزه بجائزة الشيخ زايد فى فرع «التنمية وبناء الدولة» عن كتابه الموسوعى «التنشئة السياسية للطرق الصوفية فى مصر».

عمار على حسن ليس مجرد مؤلف كتاب عارض، فاز بجائزة عابرة بضربة حظ، لكنه ينطبق عليه بحق أنه مثقف موسوعى، فهو باحث جاد فى العلوم السياسية، وصدر له أكثر من 13 كتابا متنوعا فى السياسة والمجتمع والاقتصاد والشئون العربية والتيارات الدينية.

هو أيضا أديب متنوع صدرت له ثلاث روايات ومجموعتان قصصيتان وقصة للأطفال، إضافة إلى مجموعة واسعة من الدراسات والأبحاث فى مختلف صنوف المعرفة.

ونتيجة لكل ذلك فقد فاز بالعديد من الجوائز، وتلقى التكريم من جهات مختلفة.
هذه الصفات تنطبق على كثيرين، ألفوا كتبا أكثر وفازوا بجوائز أكبر، لكن حالة عمار على حسن مختلفة، فهو رجل جاد فى زمن هزيل، باحث جاد يدقق ويعمق معرفته فى زمن يكتفى فيه غالبية مدعى الثقافة، ومثقفى الفضائيات بتذكر بعض عناوين الكتب وقراءة رءوس الموضوعات، ثم ينطلقون فى التنظيم والتحليل، بل ويتبوأون أعلى المناصب.

عرفت الزميل والصديق عمار على حسن منذ تخرجه فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1989، وأدركت أنه موهوب منذ بدايات مشاركته فى المؤتمرات العلمية السنوية المتميزة لكلية الاقتصاد ثم تشاركنا معا فى رحلة غربة إلى الإمارات لم تطل كثيرا بالنسبة له، وعاد بسرعة لينطلق فى سماء العلم والمعرفة والتحصيل.

نموذج عمار هو ما نفتقده فعلًا فى مجالات كثيرة فى حياتنا. هذا النموذج عنوانه الرئيسى هو الجدية.
كان يمكن له أن يعيش من مهنته باعتباره صحفيا.. وكان يمكن له أن يسخر مواهبه الكثيرة لينافق ويحصل على مناصب مثلما فعل الكثيرون، لكنه اختار الطريق الصعب، أن يحترم نفسه، ويساهم فى فضح الزيف والنفاق والفساد.

قد تختلف معه فى بعض الكتابات أو الرؤى والتحليلات، لكنك وفى كل الأحوال لا تملك إلا أن تحترمه.
لم يترك عمار مهنة الصحافة والكتابات السريعة تسرقه وتطحنه مثلما فعلت مع كثير من المبدعين، لكنه نجح فى ترك بصمات واضحة فى عالم الكتابة.

إذا استمر عمار فى مسيرته الراهنة، وصعيديته النقية، وحافظ على شعاراته التى يرفعها، ولم يرضخ للإغراءات الكثيرة، فربما وقتها سنطمئن إلى أن الطريق الذى سلكه الراحل العظيم عبدالوهاب المسيرى مايزال عامرًا، وأن مصر ولادة بحق.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved