فى الذكرى المئوية لـ«الثورة العربية الكبرى»: العرب يستدعون الاستعمار.. لتحريرهم!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 24 أبريل 2018 - 10:10 م بتوقيت القاهرة

يمكن القول ــ بغير تحفظ ــ إن العرب قد خرجوا من الزمن عائدين قرنا كاملا إلى الخلف، مع فقدان الهمة، بل والرغبة أحيانا فى التقدم لولوج القرن الحادى والعشرين.. مع فارق مهم: أنهم فى بدايات القرن العشرين قد استقبلوا القوات الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا أساسا) بوصفها «حلفاء» بما سمى مجازا، «الثورة العربية الكبرى»، فى حين أنهم الآن يذهبون إليها ــ بملياراتهم ــ طالبين بل راجين منها أن تتولى رعاية شئونهم الأمنية والاقتصادية والاجتماعية لكى يعرفوا الطريق إلى التقدم ودخول العصر فى ظل أوضاع عسكرية قوية تمكنهم من فرض سيطرتهم على المحيط... مستظلين بالراية الأمريكية الخفاقة.
لقد أسقطت رايات الثورة العربية، بل إن أى محاولة للتغيير صارت تدمغ، على الفور، بالإرهاب، بينما يصور استدعاء القوات الأجنبية (أمريكية بالأساس، وبريطانية ــ فرنسية بالتبعية) على أنه من أجل حماية الاستقلال والقرار الوطنى الحر..
بالمقابل، عاد العرب إلى انقساماتهم السابقة على الإسلام واللاحقة به: العرب العاربة والعرب المستعربة... وأضيف إليهم فريق جديد استغنى عن عروبته بطائفيته وخرج منها وعليها ملتحقا بالغرب، لا سيما فى أوساط الأقليات العرقية أو الدينية والتى وجدت «حاضنة» أجنبية تأخذها بعيدا عن أهلها وأرضها إلى الغرب بعنوان إسرائيل.
أُسكتت الهتافات المطالبة بالتغيير، بوصفها دعوات هدامة، وتركزت السخرية على الهتاف الذى رددته الجماهير العربية، فى مختلف ديارها، ذات يوم: «من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر لبيك عبدالناصر...».
انفصل أغنياء النفط والغاز العرب فى الجزيرة والخليج بثرواتهم عن إخوتهم الفقراء، وأنشئوا مجلسا مذهبا نسف أساس «جامعة الدول العربية» وجعلها مؤسسة عاجزة لفقراء العرب، (بعد «طرد» سوريا منها باقتراح قطرى).
وانتبهت دول النفط والغاز إلى خلو موقع القيادة والمرجعية العربية فتصدت لأن تتولاه، متخطية مصر والجزائر وسوريا والعراق، وقد كانت كل دولة منها غارقة فى فقرها ومشكلاتها الداخلية أو مع محاولات الاستعمار القديم العودة بواجهة عصرية براقة، تموه الشراكة مع إسرائيل.
***
وتوالت الفواجع: احتلال صدام حسين العراق للكويت فى 2 أغسطس عام 1990، ثم اندفاع القوات الأمريكية إلى احتلاله، فى ظل تواطؤ عربى معلن ومغلف بالعمل «لتحرير الكويت» ولو بارتهان القرار العربى، ومحاولة طمس حقيقة العجز العربى عن ردع قيادة بلد عربى (صدام حسين) عن احتلال بلد عربى آخر (الكويت)، مما كلف ارتهان الإرادة العربية ــ منفردة أو مجتمعة ــ للقرار الأجنبى باحتلال دولة عربية كبرى بقرار عربى شكلا، أمريكى (إسرائيلى) ضمنا.
بعد احتلال العراق فى (20 مارس 2003) بدأ تاريخ جديد لهذه المنطقة: صار الأمريكى شريكا مقررا فى أى قرار عربى. ومن نافلة القول أن العدو الإسرائيلى كان ضمن الشريك الأمريكى، قبل أن يستقل فيصبح طرفا مقررا فى القرار الأمريكى.
وكان بديهيا أن تعتبر دول الخليج أنها شريك فى هذا القرار، لأسباب عملية، وأن تفتح أرضها، كما لم يحدث فى أى يوم مضى للقواعد الأجنبية، الأمريكية بالأساس، ثم البريطانية والفرنسية بعد احتلال العراق.
كذلك كان بديهيا أن تتفجر الأرض العربية بالغضب، فكانت انتفاضة تونس (وخلع زين العابدين بن على فى 14 /1/ 2011)، ثم انتفاضة مصر فى (25 /1/ 2011) واستقالة الرئيس حسنى مبارك، وقفزة الإخوان المسلمين إلى الحكم فى مصر، ثم سقوطهم عبر انتفاضة شعبية عارمة.
أما فى سوريا فقد بدأ نوع من التململ الشعبى عبرت عنه مجموعات من الشباب فى درعا، فتمت معالجته بعنف غير مقبول، مما حرك قوى الاعتراض الداخلى معززة بدعم خارجى مفتوح، فتفجرت سوريا بحرب أهلية أسهمت فى إشعالها بعض الدول العربية بتشجيع أمريكى معلن وتأييد إسرائيلى أكيد وقد تمثل بالإغارات المتكررة على المطارات والمواقع العسكرية والسورية.
صار المشرق العربى مفتوحا أمام الغزو الغربى الذى يجد الآن من يدعوه إلى احتلال الأرض والإرادة، مرة بذريعة مواجهة «الغزو الفارسى»، ومرة بذريعة «مواجهة داعش»، ومرة ثالثة بذريعة الالتفاف على التدخل الروسى واتخاذه من المطارات فى طرطوس واللاذقية وحميميم قواعد عسكرية..
***
فى هذه الأثناء تفجرت ليبيا بالثورة، وتم إسقاط معمر القذافى الذى عجز عن تفهم أسباب الغضب الشعبى عبر تفرده بالسلطة لأكثر من أربعين سنة طويلة، فكانت النتيجة أن قُتل بطريقة بشعة اتهم بالإشراف عليها الفرنسيون.. وبعدها زالت الدولة الليبية التى كان القذافى قد فتَّتَها وأعادها قبائل مصطرعة، فتناهبتها قوى الغزو الاستعمارى (أمريكا وفرنسا و...) مع مشاركة عربية غير مفهومة وغير مقبولة من بعض دول الخليج التى أغوتها ثروتها بطلب المعالى.
ها نحن أمام خريطة جديدة لما كان يسمى الوطن العربى، تكاد تشابه خريطته قبل قرن مضى، من خلال توزع قوى التدخل الأجنبى (الاستعمارى) على مختلف أقطاره من أقصى الخليج العربى إلى أدنى المشرق: القواعد العسكرية الأجنبية الأمريكية أساسا، ومعها قوات بريطانية وفرنسية فى بعض أنحاء الخليج والعراق، وصولا إلى سوريا حيث تعسكر قوات أمريكية فى منطقة دير الزور ــ الرقة، إضافة إلى القوات الروسية عند الشاطئ، فإلى لبنان حيث يتحدث العارفون عن قاعدة عسكرية أمريكية فى حامات على شاطئ كسروان جبيل.
بالكاد يمكن أن تعثر على بلد عربى مستقل فعلا، فمن لم يرتهن بالقواعد العسكرية، ارتهن باقتصاده عبر القروض و«مساعدات» البنك الدولى وصندوق النقد الدولى أو «القروض الميسرة» من بعض عواصم النفوذ: واشنطن وباريس وبرلين ولندن، فضلا عن موسكو للدول التى تراها صديقة.
على أن الاستعمار « قد جاء ويجىء، ويبنى قواعده العسكرية فى البر والبحر ويحتل السماء العربية بطلب من أصحابها العرب.. وبذريعة «حماية استقلالها» من التدخل الأجنبى والضغوط الدولية لارتهان إرادتها.
ويمكن القول، براحة ضمير، أن ليس ثمة دولة عربية مستقلة وإرادتها حرة.. فالدول التى ليس فيها قواعد عسكرية أجنبية (وهى قليلة) مرتهنة فى اقتصادها وأسباب حياتها.
***
وتشهد أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها بغياب العرب عن القرار فضلا عن إقفال أبواب الجامعة العربية بالثرثرة الفارغة، وهكذا تتبدى فلسطين يتيمة ومتروكا مصيرها للريح، على الرغم من بسالة شعبها، ممثلا بجيله الجديد من شبان وصبايا، بين رموزه المضيئة «عهد التميمى» الذين يرفضون الخروج من الشارع، على الرغم من القمع الوحشى الإسرائيلى والتخلى العربى والتجاهل الدولى فى مواجهة التعنت والشراسة الإسرائيلية فى القمع.
أما المثل الأكثر فجاجة فهو أن يقترح الرئيس الفرنسى ويلبى نداءه الرئيس الأمريكى ترامب والحكومة البريطانية، فتشترك هذه الدول فى شن عدوان ثلاثى جديد على سوريا، بذريعة تدمير مواقع تخزين «الكيماوى» الذى يستخدمه النظام ضد معارضيه بحسب مزاعمهم.
ولقد مر هذا العدوان بصمت عربى شبه شامل يستبطن تأييدا له، بينما تعلو الأصوات العربية المتلفعة بالكوفية والعقال استنكارا «للعدوان الإيرانى» على اليمن، بينما الطائرات الحربية والمدفعية الثقيلة تقصف المدن العريقة فى منشأ الحضارة العربية، اليمن.

«بلادُ العرب أوطانى من الشــام لبغدان
ومن نجدٍ إلى يمــــنٍ إلى مصر فتطوان»

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved