3 ساعات فى نهر الراين

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: السبت 24 يونيو 2017 - 9:15 م بتوقيت القاهرة

ماذا يحتاج المرء أكثر إذا كان يمتلك منزلا فخما فوق تل أخضر مرتفع يطل على نهر الراين؟!!.
هذا السؤال سمعته بصيغ مختلفة ونحن نسير على شاطئ نهر الراين فى مدينة بون الألمانية، أو فى رحلة بالمركب داخل النهر نفسه؟
مساء يوم الأحد الماضى «١٨ يونيو» سرت أنا والصديق الإعلامى الاكثر مهنية شريف عامر لمدة زادت عن ساعة ونصف على شاطئ النهر المحاذى لمدينة بون التى كانت حتى عام ١٩٩٠ عاصمة ألمانيا الغربية قبل أن يتم توحيد ألمانيا وتعود العامصة إلى برلين، بعد سقوط حائط برلين عام ١٩٨٩.
وطبقا لحسابات الساعة الإلكترونية فى يد شريف عامر فقد سرنا فى هذا اليوم ١٣٥.٧ خطوة تساوى حوالى عشرة كيلومترات وربع.
الطريق المشرف على النهر أو الكورنيش ممهد ومخصص فقط للمشى وركوب الدراجات، ولا يسمح فيه للسيارات بالسير.
وأنت تمشى على هذا الطريق يمكنك أن ترى كثيرين يمشون بجوارك، معظمهم يرتدى الملابس الرياضية. شباب وأولاد وبنات وأطفال وعواجيز ألمان وأجانب، أوروبيون وأفارقة وآسيويون وعرب.
فى هذا اليوم رأيت تقريبا غالبية الجنسيات، ومن يتعب يمكنه أن يستريح على مقاعد خشبية وأسمنتية مجهزة، أو الاستلقاء على عشب الحدائق الكثيرة الموازية للشاطئ.
فى هذا المكان وفى كل ألمانيا تقريبا لا فرق بين مواطن ألمانى أصلى وآخر حصل على الجنسية، بين زائر أوروبى وآخر أفريقى أو لاجئ سورى.
كانت هناك سيدة عجوز تقود دراجة هوائية وخلفها صندوق موجود به اربعة كلاب يقضون فترة التريض.. وفى حالة أخرى كانت هناك سيدة معها كلب وفى يدها كرة مضرب لكى يستمتع الكلب بعد انتهاء فترة المشى!!.
فى اليوم التالى ركبنا باخرة ضخمة جدا، تضم مئات الصحفيين والإعلاميين من مناطق مختلفة من العالم دعتهم مؤسسة دويتشه فيله الألمانية لحضور المنتدى الإعلامى السنوى الذى عقد لمدة ثلاثة أيام من ١٨ ــ ١٢٢ يونيو تحت عنوان «الهوية والتنوع».
وطوال أكثر من ثلاث ساعات سارت الباخرة فى نهر الراين بحضور صحفيين واعلاميين من مختلف انحاء العالم. غالبية الصحفيين المنتمين لمنطقة الشرق الأوسط وبعد أن كرروا عبارة «سبحان الخالق» قالوا: «هذه قطعة من الجنة» ومنهم الاعلامى عمرو الكحكى. مياه عذبة وخضرة بلا نهاية وفيللات وقلاع فى أعلى التل الملاصق للنهر. وهناك بيوت وفيللات لا يفصلها عن النهر إلا أمتار قليلة. جزء من هذه الفيللات كانت سفارات باعها أصحابها بعد الانتقال لبرلين، واشترى معظمها اثرياء خليجيون، ولذلك فليس مصادفة أن نرى نوعين من العرب هناك: خليجيون يقضون الإجازة الصيفية فى هذه المدينة التى تزيد درجة الحرارة فيها صيفا على ٣٠ درجة، وسوريون أجبرتهم الحرب الأهلية على اللجوء، وهم سعداء الحظ جدا لأنهم وصلوا إلى هذا المكان مقارنة بآخرين إما ماتوا فى البحر، أو فشلوا فى الهجرة واستقروا فى بلدان لا تقل مأساوية عن سوريا.
على طول الشاطئ هناك مساحات كبيرة جدا من الأشجار وتتحول إلى ما يشبه الحدائق، وأمام البيوت مساحات الخضرة بلا حدود، وبالتالى فإن السكان أو المتريضين يضمنون أكبر نسبة أوكسجين طبيعية تجعل صحتهم أفضل كثيرا، مقارنة بغيرهم من بلدان العالم المنكوبين بالفقر والتلوث والزحام.
الإعلاميون استمتعوا فوق ظهر السفينة بالمناظر الخلابة، كثير منهم استمعوا إلى المغنين والعازفين ورددوا معهم الكثير من الأغانى خصوصا القديمة، لكن ما لفت النظر أن بعضهم لديه قدرة فائقة على الفرح. غنوا ورقصوا واستمتعوا فى جو من الود والحب ونسيان الهموم.. شعوب لا تزال قادرة على الفرح والانبساط والتطلع للمستقبل بعيدا عن التطرف والجهل والتقوقع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved