التمرد على الطريقة الأمريكية

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 24 يوليه 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

«دير تريل» Deer Trail وترجمتها مسار الغزلان، مدينة صغيرة جدا فى ولاية كولورادو تبلغ مساحتها 2.8 ك. م. مربع تقع على ارتفاع ما يزيد على 1500متر فوق سطح البحر وتحيطها قمم الجبال وتنتشر حولها البحيرات والغابات التى تمرح فيها قطعان شتى من الحيوانات وبخاصة الغزلان. ظهرت المدينة لأول مرة على خريطة رسمية فى عام 1870 عندما اختارت شركة للسكك الحديدية موقعها كمحطة لقطارات تنقل القمح والبيض. ازدهرت لبعض الوقت حتى إن مصرفين فتحا فرعين فيها وقامت خمسة محال بقالة وثلاثة فنادق. حدث هذا قبل أن يضربها الكساد فى عام 1930، ثم فيضان فى عام 1965 أغرق المحال التجارية فى الشارع الرئيسى. يسكن المدينة حسب إحصاء عام 2010 ما لا يزيد على 546 نسمة.

●●●

قبل أيام قليلة، اجتمع المجلس المحلى لمدينة «دير تريل» Trail Dear ليدرس اقتراحا تقدم به المستر ستيل Steele أحد الأعضاء السبعة. ينص الاقتراح على أن يصدر المجلس قرارا بدعوة سكان المدينة للاشتراك فى مباراة لصيد طائرات الدرون، أى الطائرات بدون طيار التى تمتلكها الحكومة الأمريكية لتتجسس بها على المواطنين.

يضع مشروع القرار المقدم إلى المجلس شروطا يجب توفرها ليحصل المتسابق الفائز على مبلغ الجائزة وهو مائة دولار. يتعين عليه أن يكون فوق الحادية والعشرين من العمر وأن يتقدم بطلب إلى مجلس المدينة لاستصدار ترخيص باستخدام بندقية تطلق على الطائرة رصاصا من نوع معين، وان يقدم للمجلس أدلة على إصابة الهدف مثل قطع من الطائرة المصابة تثبت ملكيتها للحكومة الفيدرالية.

●●●

المشروع بدأ، كما يبدو لنا الآن، مزحة من المستر ستيل عضو المجلس، ولكن ما أن ذاع الخبر خارج الاجتماع حتى أسرع سكان المدينة لتأييده. الأمر الذى فسره معلقون على أنه يشبع رغبة حقيقية لديهم فى رفض رقابة الحكومة، وخلال ساعات قليلة كان الخبر متداولا على شبكة الإنترنت وشاشات التليفزيون فى جميع أنحاء الولايات المتحدة بعد أن هبط على المدينة مراسلون وصحفيون ومدونون، راحوا يبحثون عن السر الذى دفع هذه المدينة الوديعة الناعسة إلى أن تتزعم حملة الغضب ضد الزحف الهائل لقوى الرقابة والتصنت على المواطن الأمريكى وهتك أسراره.

نقلوا عن صاحب المبادرة قوله إن قرار المجلس قد يبدو رمزيا فى نظر الإعلام الأمريكى الذى تعود الاستهانة بمواقف الإنسان العادى والمدن الصغيرة. «ولكن بالنسبة لنا هو إيماءة مهمة للغاية توجهها إلى الأمة الأمريكية مدينة صغيرة تزهو بدرجة عالية من عشق الحرية».

صحفى قضى ساعة أو أكثر مع سكان المدينة كتب فى صحيفته يقول: «هؤلاء الناس غاضبون من الخطة التى تنفذها الحكومة الفيدرالية بهدف إخضاع الشعب الأمريكى لنظام من الرقابة والتجسس والتصنت على اتصالاته ورسائله والتدخل فى خصوصياته. هذه المدينة قررت أن تحارب وحدها الطائرات بدون طيار التابعة لأجهزة الأمن السياسى، باعتبارها رمزا من رموز الفاشية الجديدة التى تزحف منذ سنوات لتمسك برقاب الأمة الأمريكية، تحت غطاء الحرب العالمية ضد الإرهاب. الهدف هو إحكام الهيمنة على حياة المواطن الفرد والتحكم فى أفعاله وأخلاقه وآرائه.

●●●

يقدم الاقتراح المقدم للمجلس المحلى لمدينة «دير تريل» دليلا جديدا على أن الشعوب لم تعد تحتمل ضغوط السياسيين وهيمنتهم. لم تعد لدى الناس القدرة والصبر على السكوت عن إجراءات تكميم الأفواه وتقنين الحريات ونقض العهود والحقوق، لم يعد ممكنا تجاهل الحجة الواهية والادعاء المتكرر من جانب الحكومات فى عديد الدول بخطورة التهديد الذى تتعرض له أمم تساهلت فى مراقبة مواطنيها.

●●●

شعوب أكثر فأكثر توقفت عن الشكوى الصامتة، وانتقلت إلى مستويات أعلى من التعبير عن الغضب والرغبة فى الاستمتاع بحرياتها، توقف الأنين وتوقفت أو كادت تتوقف المعارضة بالهمس أو الشائعات، وانطلقت مظاهرات الاحتجاج تجتاح عواصم ومدنا عديدة فى دول بجميع القارات، ثم تطور الاحتجاج وأصبح تمردا وثورة.

 نرى شعوبا فى الصين كما فى البرازيل وألمانيا وفرنسا وروسيا، تعلن بدون تخطيط أو ترتيب، رفضها سياسات المراقبة والتجسس التى تمارسها أجهزة الأمن وتنديدها بتدخل حكوماتها فى شئون المواطن العادى. أخذت هذه الشعوب وقتا لتتحرك ولكن تحركت. وأظن أنه بعد التسريبات التى نشرت عن قضية سنودين الخبير فى تكنولوجيا الاتصالات والتى كشفت عن اتساع وعمق التسجيلات التى فى حوزة وكالتى الأمن فى كل من أمريكا وبريطانيا، سنكون بصدد مرحلة جديدة فى العلاقة بين الحكام والمحكومين.

●●●

ساعتها سوف يذكر العالم أن الفضل يعود إلى شعوب بعينها أحدثت تغييرا. من بين هذه الشعوب شعب التسعين مليونا فى مصر وشعب الخمسمائة نسمة سكان مدينة دير تريل Dear Trail فى ولاية كولورادو الأمريكية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved