الملف الصحى فى مربع الأزمة

علاء غنام
علاء غنام

آخر تحديث: الثلاثاء 24 يوليو 2018 - 9:15 م بتوقيت القاهرة

أثار قرار أخير صدر من وزارة الصحة الكثير من التعليقات أغلبها كان مزيجا من الاندهاش والاستهجان وهو ما دعا صاحب القرار إلى إلغائه فى موقف يتسم بالاستجابة السريعة لتأثير وقوة الرأى العام وقدرته على المساءلة عبر أدوات مختلفة منها آليات التواصل الاجتماعى والإعلام والاستجابة السريعة كانت أيضا ترجع لحرج الواقع الصحى بشكل عام وتردى مستوى الخدمات الصحية فى ظل ظروف اقتصادية بالغة التوتر والحساسية.
والواقع أن ردود الفعل دفعت الحكومة فى المقابل إلى الإعلان عن وضع ملف الصحة على أجندة الأولويات ومتابعة تنفيذ تكليفات الرئاسة بشأن تطبيق الإجراءات الإصلاحية للقطاع الصحى والنهوض بالخدمات الصحية المقدمة لغير القادرين من المواطنين.
وقامت وزيرة الصحة بعرض ما تم من إجراءات فى إطار تطبيق الإصلاح فيما يتعلق بمشروع القضاء على قوائم الانتظار وتفعيل غرفة عمليات لمواجهة الأزمة وعمل موقع إلكترونى لتسجيل قوائم الانتظار للعمليات الجراحية العاجلة وتوجيه بعض الحالات إلى المستشفيات وتضمن ذلك كما أعلن عمليات القلب المفتوح والقسطرة القلبية والمفاصل والعيون وقوقعة الأذن إلى آخره.
وأعلنت أن عدد الحالات على قوائم الانتظار فى أول يوليو الحالى بلغت (12127 حالة عاجلة) تم إجراء اللازم لنحو (3577 حالة) وتبقى (8550 حالة) فى الانتظار.
كما كثفت الجهود للانتهاء من أعمال المسح والعلاج الطبى الخاص بفيروس سى وتأمين الاحتياطى الاستراتيجى من الأمصال واللقاحات والألبان الصناعية للأطفال.
واختيار عدد 29 مستشفى ليتم تقييمها فى مختلف المحافظات تمهيدا لتحسين أدائها لتصبح مستشفيات نموذجية للإحالة بتكلفة تقديرية تصل إلى (6.1 مليار جنيه).
كما سلمت خطة العمل فى محافظة بورسعيد فيما يتعلق بالتجهيز لبدء تنفيذ قانون التأمين الصحى الشامل والتى تضمنت الانتهاء من 23 وحدة ومركز للرعاية الأساسية و6 مستشفيات تنتهى فى ديسمبر 2018 كمرحلة أولى على أن تتضمن المرحلة الثانية 14 وحدة ومركز للرعاية الأساسية.
***
والواقع أن كل ما حدث فى الشهر الأخير فى مربع الأزمة للملف الصحى يجعلنا نتساءل سؤالا يبدو بديهيا حول مسئولية وضع سياسة صحية استراتيجية فى اللحظة الراهنة فى ظل ما أعلن عن الموافقة على قرض من البنك الدولى بقيمة 530 مليون دولار أخيرا يهدف إلى المساعدة فى ضمان حصول المواطنين على خدمات الرعاية الصحية ويأتى على رأسها المساهمة فى تطبيق قانون التأمين الصحى الشامل وتدعيم الحملة القومية للمسح والعلاج الخاص بفيروس سى والأمراض الأخرى غير المعدية كالسكر وارتفاع ضغط الدم إلى آخره..
وما يجعلنا نعرض ونناقش هذا المجال أهمية طرح مفهوم المساءلة الاجتماعية كآلية لإصلاح القطاع الصحى ومحاسبة مسئولية من منظور اقتصادى سياسى كأحد أهم المداخل لتحليل النظم ووضع تصور عملى وواقعى لإصلاحها وحوكمتها برشادة بعيدا عن السقوط فى مربع الأزمات المتتالية والحرجة.

فى مفهوم المساءلة الاجتماعية
يشير المفهوم إلى مدى واسع من التدخلات والأدوات التى يستطيع من خلالها كل من المواطن والإعلام ومنظمات المجتمع المدنى وضع المسئولين الحكوميين موضع المساءلة ويشير فى ذلك الدليل المرجعى للمساءلة الصادر من البنك الدولى إلى أن المساءلة تتضمن جهود تحسين معرفة المواطنين إلى جانب استخدام الآليات التقليدية للمساءلة مثل التثقيف العام بالحقوق القانونية والخدمات المتاحة، وجهود تحسين فاعلية الآليات الداخلية للمساءلة عن طريق زيادة الشفافية والمشاركة المدنية مثل مشاركة المواطنين والمجتمعات المحلية فى اللجان العامة وجلسات الاستماع البرلمانية والمجالس الاستشارية واللجان الرقابية.
كما تمثل المساءلة الاجتماعية إضافة لآليات المساءلة التقليدية أو الداخلية لدى وزارة الصحة وسائر مؤسسات الدولة مجموعة من الإجراءات التى من شأنها تمكين وضمان مساءلة موظفيها على قراراتهم وأدائهم، مثل:

أولا: المساءلة السياسية
وهى تستلزم فصلا بين السلطات ووجود آليات للمراقبة والمراجعة الدورية والمتخصصة بين مختلف أجهزة الدولة ومجالسها المنتخبة فيتحتم على العاملين بالخدمة المدنية عموما أن يكون لديهم القدرة على تقديم تبريرات واقعية ومنطقية لقراراتهم للجهات الرقابية الأخرى فى مناخ من الدقة والشفافية الكاملة فيما يخص الموازنات والأنشطة والنتائج المحققة حتى يتسنى لجهات التخطيط الاستفادة من دروس الأزمة ووضع بدائل أكثر تحقيقا لنتائج أفضل.
وهناك أيضا المساءلة المالية وهى تتم من خلال نظم محاسبية رقابية متعددة تقوم بها جهات متخصصة فى الرقابة المالية كما تشمل عمل هيئات معنية بمكافحة الفساد والكسب غير المشروع وغيره.
وهناك أيضا المساءلة القانونية والتى تستوجب وجود أطر قانونية تحدد المسئوليات وأدوات نافذة لتفعيل القانون بشكل سريع وعادل ودون تمييز
وأيضا هناك المساءلة الإدارية والوظيفية وهى التى تتم من خلال تسلسل هرمى للإبلاغ فى داخل المؤسسات وتفعيل نظم الإدارة الحديثة فى إصدار القرار واللوائح الداخلية وقواعد وإجراءات الثواب والعقاب.
وأخيرا وهو الأهم، المساءلة المجتمعية التى تعتمد بشكل أساسى على الشفافية ومشاركة المجتمع فى جميع مراحل ومستويات اتخاذ القرار من مجتمع مدنى محلى وقومى متاح له المعلومات والتعامل معه كشريك أساسى فى عملية الإصلاح بما فيها أدوات تتيح المراقبة الشعبية للخدمات الصحية من ناحية جودتها وسلوك مقدميها وآليات تمويلها.
وهنا نطرح أهمية وجود لجان لحقوق المرضى فى مختلف أماكن تقديم الخدمة الصحية إلى جانب مبادرة قدمت للحكومة فى مطلع عام 2014 لإعادة تأسيس مجلس أعلى للصحة بقرار جمهورى بناء على الحاجة الملحة لإصلاح استراتيجية المنظومة ليكون كيانا فعالا ومستداما لحوكمة النظام ويقوم ببلورة سياسات استراتيجية تهدف إلى تحقيق الإنصاف والكفاءة فى الرعاية الصحية لكل المصريين دون تمييز وتحقيق مشاركة حقيقية للمواطن المصرى فى صنع وتصميم السياسات العامة الصحية ومراقبة تنفيذها بشفافية ونزاهة.
ويمثل هذا المجلس المقترح بيتا للخبرة ولتمثيل المعنيين بهدف وضع السياسات الخاصة للقطاع الصحى ككل والخطة الاستراتيجية الخمسية والعشرية له واعتمادها مجتمعيا ثم مراقبة الجهاز التنفيذى فى تحقيقه لها وهو كيان اعتبارى مستقل يتم انتخاب رئيسه من الأعضاء غير العاملين بالجهاز التنفيذى للدولة ولدية سلطة ومسئولية للمتابعة والتقييم لمدى تحقيق الجهات التنفيذية للجداول الزمنية المتفق عليه.
وبهذا نستطيع أن نعرف من الذى يضع السياسات الكبرى الاستراتيجية صحيا بعيدا عن تغيرات الوزراء والتقلبات السياسية التى طالما كانت سببا فى تشتيت الرؤى وخسارة المجهودات والموارد والخبرات مما يضعنا دائما فى وجه العواصف الضارة وفى مربع الأزمات الدائمة فنحن نحلم بالتفرغ والعمل المشترك فى مربع الإتقان والاكتمال الكفء للملف الصحى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved