حتى تدور عجلة السياسة

باكينام الشرقاوي
باكينام الشرقاوي

آخر تحديث: الإثنين 24 أكتوبر 2011 - 9:30 ص بتوقيت القاهرة

ربما سأسبح ضد تيار التشاؤم والإحباط المرتبط بالحديث عن الانتخابات ــ ليس رفضا لأسبابه ــ وإنما لتوجيه النظر إلى بعض الفرص التى ما زالت متاحة أمامنا للتغلب على محاولات تمديد المرحلة الانتقالية بتخبطها وضبابية مساراتها. لاشك أن الإدارة السياسية للمجلس العسكرى عليها كثير من التحفظات الجوهرية، حيث إنها قادت إلى تشويه هذه الفترة وساهمت فى تعقيدها، وفرضت علينا واقعا جديدا أدنى من سقف طموحاتنا الثورية، لكن وجب التعامل معه من منطلق تقليل الخسائر أكثر من تعظيم المكاسب. لقد وصلنا الآن إلى لحظة الانتخابات البرلمانية، لحظة تفرض علينا وقفة أمينة مع الذات لننظر لهذه الانتخابات فى إطارها السياسى الكلى.

 

وبالرغم من سلبيات المنظومة القانونية والتقاعس الأمنى وهشاشة الأحزاب، تظل العملية الانتخابية القادمة خطوة مهمة، لأنها ستدفع عجلة السياسة حتى تبدأ فى الدوران. فقد تخوفنا على عجلة الاقتصاد منذ اللحظة الأولى، ناسين أن بدء العملية السياسية سيزيل بالتدريج حالة عدم التيقن التى تعد ــ وفق الاقتصاديين ــ أهم عقبة أمام الاستثمار وتنشيط الاقتصاد. إن خبر مثل تخفيض ستاندرد آند بورز التصنيف الائتمانى لمصر بعد انخفاض الاحتياطى النقدى من 24 إلى 12 مليار دولار فى هذا الوقت بالذات يجب قراءته قراءة سياسية، لأن المخاطر زادت مع استمرار الاضطرابات وعدم وضوح المسار السياسى، مما أدى إلى التراجع الاقتصادى. ومن ثم فدوران عجلة السياسة شرط لا غنى عنه لدوران عجلة الإنتاج. وإجراء الانتخابات البرلمانية سيكون أول دفعة لعجلة السياسة للأمام، ومازالت هناك فرصة للعمل على أن تكون الدفعة أقوى والتحرك لمسافة أكثر تقدما. يتحدث الجميع عن سلبيات الانتخابات القادمة ــ وهى بالفعل ستثير مشكلات عدة ــ إلا أن هناك أيضا أبعادا إيجابية لابد من الانتباه اليها فى محاولة لاستثمارها بقدر الإمكان.

 

●●●

 

فما هى محاور العمل فى المرحلة القادمة لاستغلال ما هو إيجابى ومواجهة ما هو سلبى؟ سؤال لابد أن ننتبه إليه، لنرى الفرص التى تقدمها الانتخابات القادمة لنا.

 

أولا: توفر الانتخابات فرصة للشارع المصرى أن يمارس دوره كفاعل سياسى رئيسى فى مرحلة ما بعد مبارك، فيشعر المصريون بما حققته الثورة من تغيير، حتى ولو كنا نطمع فى تغيير أكثر عمقا وجذرية. فقد بدأت الهُوة تتسع ما بين الثورة وعموم المصريين، وهى الفجوة التى تعد بحق الخطر الأكبر على استكمال المسيرة الثورية صوب الاستقرار الديمقراطى، بمعنى الاستقرار الحى النابض بمشاركة المجتمع من خلال وسائل عدة على رأسها الانتخابات. وبالتشكيك المستمر فى جدوى الانتخابات تتعمق هذه الفجوة أكثر، وتزداد نبرة الحنين لدى قطاعات من المجتمع المصرى لعهد النظام السابق، بل تدفع إلى عزوف المصريين عن المشاركة فى أول انتخابات نزيهة منذ عقود طويلة. وبدلا من أن نخلق المناخ الإيجابى الذى يشجع المصريين على المشاركة السياسية، نساهم بدون وعى فى بناء جدار جديد من التشكك بين الناس وبين العمل السياسى. 

 

ثانيا: تقدم الانتخابات فرصة للخروج من براثن النخب المتصارعة فى ساحات الإعلام، ومن الدوائر المفرغة التى غذتها صراعاتهم. فلا يجب أن نتجاهل دور القوى السياسية السلبى فى تكريس مناخ الفرقة الذى شجع ــ بل فرض أحيانا على ــ المجلس العسكرى هذا النمط المتردد والمتباطئ من الإدارة السياسية. كما أرجو ألا أن ننسى الدعاوى لتأجيل الانتخابات ومد الحكم العسكرى التى أبعدتنا عن الجدول الزمنى لاستفتاء مارس، وأفرغته من أهم دلالاته: الوتيرة السريعة وتسلسل الخطوات الواضح لنقل السلطة إلى المدنيين. أدعو أن نتعلم من دروس الاستفتاء فلا ندير للانتخابات ظهورنا كما فعلنا بنتائج الاستفتاء، وأهدرنا الوقت فى التشكيك والتخوين المتبادل فيما بين القوى السياسية وفيما بينها وبين المجلس العسكرى، بدون استخدام الخطوة المتحققة كمحرك للخطوة التى تليها، وبدلا من التقدم للأمام نظل ننتقد الخطوة السابقة ونظل محلك سر، وفى عرف الثورة فإن الثبات فى نفس الموقع ما هو إلا تقهقر للخلف.

 

ثالثا: ستكشف لنا نتائج الانتخابات الحجم الحقيقى للقوى السياسية فى مصر بعد الثورة، ونتخلص من حروب الدعاية التى يدعى فيها كل حزب أنه مدعوم من ملايين المصريين، ويصعد كل طرف من أرقام مؤيديه فى مزاد دعائى أكثر منه منافسة سياسية حول برامج عمل للمرحلة القادمة.

 

رابعا: على الرغم من أن القانون الانتخابى الراهن يُرجح تكوين برلمان بدون أغلبية مستقرة، لكننا مازلنا نحتاج لمجلس شعب منتخب حتى يوازن سياسيا المجلس العسكرى، الذى يحكم مصر منفردا منذ 11 فبراير 2011. فبمجرد انتخابه سيتمتع بثقل سياسى كبير لكونه الهيئة التمثيلية الوحيدة للشعب المصرى، ولأنه أول مجلس تشريعى منتخب بعد الثورة فى انتخابات نزيهة. كما أن وجوده قبل انتخاب الرئيس يخلق موازنة من نوع آخر: موازنة قوة الرئيس القادم، وهى الموازنة التى نحتاجها لصياغة دور جديد لمنصب الرئاسة فى النظام السياسى ما بعد مبارك. فتعدد المؤسسات السياسية المنتخبة يساهم فى بناء ديمقراطية الغد، ويجعلنا نتعلم من دروس 1954 التى انفرد فيها الرئيس جمال عبد الناصر بالساحة السياسية ونجح فى تسويق الاتجاه الرافض للديمقراطية.

 

خامسا: لا يمكن إنكار أن الانتخابات القادمة ستكون نزيهة وقد توفرت لها بعض الضوابط التى تزيد من الرقابة القانونية والمجتمعية مثل: الإشراف القضائى الكامل وضبط الكشوف الانتخابية استنادا إلى بيانات الرقم القومى، ناهيك عن غياب يد الأمن الثقيلة وتدخلات الحكومة المعهودة فى السابق. وجميعها أمور ايجابية توفر الضمانات لنزاهة الانتخابات.

 

سادسا: لابد من مواجهة مصاعب التجربة الأولى فى أقرب وقت، فكثير من المشكلات الحالية تظهر بسبب ضعف الأحزاب السياسية وحداثة عهد القوى السياسية بالعمل السياسى. إن انهيار التحالفات الحزبية بسبب الخلاف حول القوائم الانتخابية أو بسبب ضم فلول النظام السابق، أمور تنتج عن ضعف الخبرة السياسية وليس عن سرعة إجراء الانتخابات. إنها مصاعب طبيعية فى هذه المرحلة، بل متوقعة بعد ميراث طويل من الاستبدادية. وأزعم انها تحديات لصيقة بأول انتخابات سواء عُقدت الآن أو بعد عام أو حتى بعد عامين. فالتجربة الأولى تظل حبلى بالأخطاء بسبب قلة بل انعدام خبرة التنافس السياسى فى مناح أكثر حرية وانفتاحا، لكنها تظل ضرورية للتعلم منها والبناء عليها فى تجارب لاحقة ستكون أكثر نضجا. مرة أخرى فكرة دوران عجلة السياسة بسرعات متزايدة على مراحل معلنة، والثورية هنا تأتى فى انطلاق أول انتخابات حرة نزيهة فى زمن وجيز. إن العمل الثورى يجب أن يعمل على فتح المجال للعمل السياسى ولا يُعيقه أو يؤخره بحجة حماية الثورة. فالتمييز بين العمل الثورى والعمل السياسى أمر جوهرى خاصة فى سياق الثورة المصرية. فالمرحلة الانتقالية تتأثر حتما بالسمات الفريدة للنموذج الثورى المصرى الذى يغيب عنه قيادة توافقية أو مشروع سياسى موحد. فإذا كان التلاحم بين الثورى والسياسى أوضح فى ثورات أخرى كثيرة، حيث كان الثوار هم حكام المرحلة الانتقالية، فإن الحالة المصرية مختلفة. وحتى القوى الثورية فى النماذج الكلاسيكية للثورات، بتحولها إلى نخب سياسية، تبدأ فى إدراك حسابات السياسة القائمة على التوازن والمفاضلة بين البدائل بدلا من الصدام والارتكان إلى رؤية آحادية للثورة.

 

سابعا: إنها لحظة لابد أن نواجه فيها أنفسنا بصراحة لنجيب على سؤال مهم: لماذا قام المصريون بالثورة؟ كرامة، خبز، حرية، عدالة اجتماعية، جميعها مطالب اتُفق على أن بناء نظام ديمقراطى هو السبيل الرئيسى لتحقيقها. لذا فإن هناك ربطا طبيعيا بين الثورة والديمقراطية. وإذا ما تمثلنا هذه الحقيقة البديهية فستختلف النظرة إلى الانتخابات، التى من كثرة الهجوم عليها اعتبر بعض الثوار إنها بمثابة إجهاض للثورة وليس خطوة على الطريق الصعب لاستكمالها. إن الخوف من إعادة إنتاج النظام القديم أمر مشروع، بل إننى من المحذرين منه، لكن تتعدد طرق منع ذلك. فلابد من إدراك أن هدم النظام القديم بسياسته وأنماط تفكيره وأشخاصه يحتاج إلى تضافر الجهود المجتمعية مع القوى النخبوية الثورية. العمل الآن يجب أن يتجه إلى الحفاظ على الزخم الثورى فى شكل إيجابى يعمل على توعية الناخبين بدلا من تثبيط هممهم وزرع اليأس فى عقولهم. ولا ننسى أن الثورة قامت لتفعيل دور الشعب فى الحياة السياسة بعيدا عن احتكار أى جماعة نخبوية دون غيرها للحقيقة الثورية. فيجب ألا نخلق فجوة مصطنعة بين الانتخابات والثورة، فالاثنان يعكسان شيئا واحدا ألا وهو الإرادة الشعبية.

 

ثامنا: استكمالا لفكرة تمكين المجتمع وشحذ قدراته، يمكن الإشارة إلى دوره فى تفعيل العزل السياسى، فحتى الآن يبدو للأسف أن المجلس العسكرى يتجه إلى مجرد الاكتفاء بتغيير اسم قانون الغدر إلى قانون مكافحة إفساد الحياة السياسية فقط، بدون إبعاد حقيقى لكافة قيادات الحزب الوطنى فى محافظات مصر وأعضاء مجلسى الشعب والشورى فى انتخابات 2010، وهو بالمناسبة إجراء مُتبع فى نظم سياسية كثيرة منها دول غربية لتأمين مسار العمليات الانتخابية من تأثير الوجوه والتيارات المرفوضة شعبيا والمُعوقة للعمل الديمقراطى. وهنا يظل العزل الشعبى المفروض من الشارع هو الوسيلة المتبقية فى يد الناخبين. فعلى الناشطين ومؤسسات المجتمع المدنى أن تنشط فى كشف رعاة الفساد فى الحزب الوطنى، فالدرس الاول من ثورة 25 يناير هو أن المجتمع اكتشف قوته ويستطيع أن يُنفذ إرادته بغض النظر عن موقف الحكام. وقد بدأت إرهاصات هذا الحراك الشعبى الواعى فى الإسكندرية من خلال حملة «إمسك فلول»، وهى حملة على شبكات التواصل الاجتماعى لكشف هذه الرموز الفاسدة التى أطلت علينا من جديد فى قوائم المرشحين وتراهن على ضعف ذاكرة المصريين، ولنعمل على أن تمتد هذه الجهود إلى محافظات مصر. كما يمكن لنا استخدام قوة العصبية والعائلات فى الأقاليم للمساعدة فى عملية العزل الشعبى، بدلا من الهجوم على الاثنين: الفلول ودور العائلات الكبرى فى الانتخابات. الحزب الوطنى المنحل كان يقرأ الواقع الاجتماعى فى الريف ويستغله، فلماذا لا تتجه المساعى إلى دعوة العائلات الكبرى لتقديم افضل عناصرها للعمل السياسى بدلا من الصدام مع ثوابت مجتمعية نحتاج إلى عقود من اجل تطويرها. فلنجعل العصبية أداة بناء للديمقراطية بدلا من أن تكون سندا للفلول.

 

●●●

 

إن السيناريوهات البديلة للانتخابات القادمة لا تقل ضبابية عنها بل ربما تزيد عليها. الحديث الآن عن أن مسارات أخرى هى الأنسب مثل العودة لجدل الدستور أولا، أو تأسيس مجلس رئاسى، أو انتخابات رئاسية أولا، أو مقاطعة الانتخابات، أو حتى ثورة غضب ثانية لا يفيد فى هذا التوقيت، فجميعها بدائل لا يمكن الاعتماد عليها إلا بعد فشل الانتخابات أو تأجيلها، خاصة فى ظل الانقسامات النخبوية الشديدة، وغياب الإجماع الوطنى المتحقق فى أيام ثورة 25 يناير الأولى. الأمر الذى يُبقى على مبدأ اللجوء إلى الشعب وبدء استخدام أبجديات قواعد اللعبة الديمقراطية ممثلة فى الانتخابات، والتعود على الاحتكام إليها لحل الخلافات، هو المسار الأسلم الآن. فربما لحماية الثورة فى هذه المرحلة الحساسة، علينا الانتباه للفخاخ العديدة المزروعة فى الطريق والعمل على تخطيها ليس بتفجيرها فى وجوه الكل بل على المناورة فى المساحات المفتوحة، ولكن فى اتجاه محدد للأمام من أجل الوصول إلى غاية كبرى، ألا وهى وضع اللبنة الأولى للعمل الديمقراطى. فلابد أن تتحرك عجلة السياسة حتى تدور عجلة الوطن بأكمله.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved