ربيع بلاعروبة

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 24 أكتوبر 2012 - 9:05 ص بتوقيت القاهرة

كان الوقت خريفا عندما تفجرت أول انتفاضة شعبية عربية فى تونس مع إقدام محمد البوعزيزى على إحراق نفسه فى قريته الجنوبية الفقيرة.

 

وكان الشتاء قد دخل مع تفجر انتفاضة الميدان فى القاهرة فى 25 كانون الثاني- يناير 2011.

 

.. مع ذلك فقد جاء توصيف هاتين الانتفاضتين وما سوف يليهما من انتفاضات فى جهات عربية أخرى، مثل ليبيا ومن بعدها المغرب فاليمن ثم سوريا، جاهزا وله تسميته التى سوف تعتمد بغير نقاش: الربيع العربى.

 

.. هذا مع العلم أن أيا من الانتفاضتين وكذلك الانتفاضات التى أعقبتهما لم تشر إلى « العرب» أو « العروبة» بحرف، بل إن « الإسلام» كان هو الشعار والراية. وهو ما تكرر مع الانتفاضات الأخرى.

 

لم يكن العرب، فى أى من هذه الأقطار، هم من أطلقوا هذا التوصيف على الانتفاضات التى توالت مبشرة بالتغيير عبر إسقاط أنظمة الطغيان.. لكنهم، وبحكم العادة قبلوا هذه التسمية التى أطلقتها واشنطن على انتفاضاتهم، مسلّمين بأن «عاصمة الكون» أدرى منهم بأنفسهم، وأعرف منهم بأحوالهم فى حاضرهم، وبما يجب أن تصير إليه فى مستقبلهم.

 

وعلى تشوقهم إلى التغيير فقد فوجئ المواطنون العرب بانهيار مباغت أو بتصدع خطير فى بنيان الأنظمة، كانت تتبدى عاتية وراسخة فى الأرض بحيث يستحيل تصور سقوطها بالانتفاضات الشعبية التى لا تملك سلاحا، ولا تقف خلفها تنظيمات عريقة مؤهلة ولها امتدادتها المنظمة فى مختلف أنحاء البلاد.

 

●●●

 

سقط نظام زين العابدين بن على بأسرع مما توقعت القيادات والقوى الشعبية حتى أعظمها تفاؤلا وثقة بالنفس... ولم يكن فى «الميدان» من يستطيع أخذ السلطة، فتولاها الجيش على غير رغبة، وفى ظل توافق « دولي» ليسلمها وخلال أيام قليلة إلى هيئة حكم مؤقتة، دعت إلى انتخابات سريعة فأنجبت صيغة ائتلاف سياسى بين قوى لم تكن أى منها مؤهلة ومستعدة لتسلم السلطة بمفردها.

 

المفاجأة ان واشنطن وبشخص وزيرة الخارجية هيلارى كلينتون كانت بين الزوار الأوائل لتونس- الانتفاضة، وبين مهندسى الائتلاف بين الإخوان المسلمين والقوى الديمقراطية والسلفيين مما مكن من إجراء انتخابات نيابية شرعنت تقاسم السلطة بين هذا الثلاثى بأرجحية خاصة للإخوان.

 

●●●

 

أما فى مصر فكان الأمر أوضح من ان يمكن تمويهه:

 

اثر انتفاضة الميدان تحرك الجيش فى ما يشبه الخروج على إرادة حكم الطغيان لكى يحمى تلك الأمواج البشرية التى جاءت من أربع جهات مصر مطالبة بالتغيير، واعتصمت فى الميدان مطالبة بإسقاط عهد حسنى مبارك برموزه كافة.

 

.. ومرة أخرى كان لهيلارى كلينتون دورها الذى توج بأمر صريح أصدره الرئيس الاميركى باراك اوباما، فإذا بحسنى مبارك يعين نائبا مفوضا بصلاحيات الرئيس، ثم فإذا بهذا النائب يعلن تنحى الرئيس، تاركا مسؤولية الحكم فى أيدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

 

وبدلا من أن يلبى المجلس الأعلى مطالب الميدان بتكليف لجنة من كبار رجال القانون لإعداد الدستور الجديد والتمهيد لإنهاء المرحلة الانتقالية بانتخابات نيابية ومن ثم رئاسية على قاعدة دستورية صلبة، فانه عمد إلى إصدار تعديل للدستور القديم لم يبدل فى طبيعة النظام ومرتكزاته... ثم أجرى انتخابات نيابية متعجلة وبعدها انتخابات مبتسرة لمجلس الشورى، قبل أن يتفرغ للإشراف على انتخابات رئاسية بمن استطاع الحضور وسط هذه المهل المتعجلة انتهت بفوز مرشح الإخوان المسلمين، ضمن الظروف المعلومة التى عاشتها مصر.

 

وكانت واشنطن ترعى، على مدار الساعة، هذه التطورات، وتوفد المبعوثين للمتابعة، ثم تهل السيدة كلينتون على الميدان لتطمئن إلى ان كل شيء يتم وفق الخطة الموضوعة، وليس ثمة ما يقلق فى المحروسة.

 

ولم يكن ينقص إلا رسالة الرئيس محمد مرسى إلى رئيس الكيان الإسرائيلى شيمون بيريز، مع سفيره الجديد، وبكل ما تضمنته من عبارات الود والتقدير حتى يتأكد ما كان مجرد تقدير من أن التغيير هدف بعيد يتطلب حضورا أعظم للميدان.

 

●●●

 

وبقدرة قادر تفجرت الأوضاع فى ليبيا التى كانت، ومنذ أمد بعيد، خارج الذاكرة، لا سيما وان «قائدها الأبدي» معمر القذافى كان قد لبى مطالب واشنطن جميعا، وأولها وأخطرها النفط، وتخلى عن « مشاغباته» ودعمه للثوار وارتاح إلى تتويجه « ملك ملوك أفريقيا».

 

وكان ان اختيرت بنغازى التى عندها ثأر قديم مع القذافى لتكون عاصمة الانتفاضة... وجاءت السيدة كلينتون ومعها وبعدها جاء القادة العسكريون، ثم ابتدعت تلك الصيغة العبقرية للتدخل جوا، وترك الأرض لليبيين يتصارعون عليها فيقتل بعضهم بعضا، فإذا ما أنجزوا المهمة جيء بالخارجين على النظام من أهله، والذين كانوا فى المنافى، لكى يتولوا السلطة وينشئوا الديمقراطية الجديدة عبر انتخابات مارسها الليبيون بمتعة من تقدم له لعبة جديدة كان يتشهى التعرف عليها، وها قد جاءته الفرصة أخيرا.

 

مع ذلك فان الحديث عن «الربيع» فى ليبيا يبدو أقرب إلى الشعر، بينما تلك البلاد التى معظمها صحراء ذهبية تعيش على حافة الحرب الأهلية بين جهاتها والقبائل.

 

●●●

 

لا مشكلة لواشنطن مع الجزائر.. ثم ان للإسلاميين فيها صورة منفرة، ويمكن لمساومة مع الحكم، وهو عسكرى اولا وأخيرا، أن تحقق المراد، فلتكن «تسوية» مع الحكم القائم تتصل بالقادم إلى السلطة بعده، فى ظل تفاهم أكيد مع واشنطن، والسلام.

 

فى المغرب عرش تجاوز عمره الألف عام، وأسرة ملكية تحكم باسم أمير المؤمنين منذ أكثر من ثلاثمائة عام، والتغيير يكون تحت مطلب إسقاط النظام. ويمكن حصره عبر القول بملكية دستورية، تسلم للحكومة بالسلطة التنفيذية كاملة مبقية للعرش حق الفيتو، وتحدد الانتخابات النيابية إلخ..

 

فى المشرق كانت المشكلة أكثر تعقيدا، إذ تدخل الطوائف والمذاهب والعناصر والأعراق فى اللعبة السياسية، فيصبح ضروريا ابتداع حلول مختلفة، فالأنظمة هنا لها جذورها فى المجتمع الطوائفى القبلى، وللتغيير ارتداداته على أنظمة تحرص واشنطن على تجنيبها هذا الكأس...

 

وهكذا تمت المساومة مع عبدالله صالح فى اليمن، فكان العرض المذهب بأن يتخلى عن الموقع بالثمن، من دون أن يخرج من السلطة... وألزمت واشنطن السعودية ومعها مجلس التعاون الخليجى بأن تدفع تكاليف التخلى، مع الفوائد، مع إدراكها بأن خروج الرئيس سيفتح أبواب جهنم على اليمن، شمالا وجنوبا، لان المطالبين بالوراثة يتجاوزون – فى بعض الحالات- الرئيس إلى الدولة ذاتها، فثمة فى الجنوب من يريد استعادة جنة عدن المفقودة، وثمة فى الشمال من يطالب بتعويضه فى السلطة الجديدة نصيبا عما لقيه من عنت الخارجين من السلطة الى... المعارضة.

 

●●●

 

أى ربيع عربي؟

 

إن أيا من هذه الأنظمة المستولدة حديثا لا يقول بالعروبة ويكاد يرفض تصنيفه عربيا، فهو على الأغلب « إسلامي» ثم انه يسعى إلى تحرير نفسه من الماضى السياسى لبلاده، بالعداوات والمخاصمات والتحالفات فيها، والبداية والنهاية اسرائيل.

 

وعلى سبيل المثال لا الحصر فان فلسطين قد أسقطت عمدا من كل بيانات الدعوة إلى التغيير، ثم من البيانات الرئاسية للذين تولوا السلطة باسم التغيير، فى أكثر من قطر عربى.

 

وإسرائيل لم تعد إلى موقعها الطبيعى «كعدو»، كما هى الحال فى أدبيات التنظيمات الإسلامية، بل ان الحرص كان اكيدا على تعزيز علاقات التعاون معها، مشفوعة بشيء من شميم التراث الدينى الذى يدعو إلى السلام بين الناس كافة.

 

كذلك فان توجه الأنظمة التى استولدت باسم الانتفاضات قيصريا كان فى اتجاه واشنطن والمؤسسات المالية الدولية التى تعتمدها لشؤون السيطرة على الاقتصاد العالمي: صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، حيث القروض والمساعدات بشروط أخفها اقتصادى وأثقلها سياسى.

 

تبقى سوريا الغارقة فى دمها والتى لا يعرف احد كيف ستنتهي» الحرب» فيها وقد دخلها العالم جميعا بشرقه وغربه.

 

.. ويحدثونك عن ربيع عربى،

 

ان ما تم حتى الآن انتقال للسلطة فى غرف فى البيت الواحد.

 

●●●

 

سياسيا، لم يظهر بعد ما يؤكد ان مصر قد خرجت من عباءة السياسة الاميركية، التى بين بنودها أن تحافظ على المعاهدة التى تجرح الوطنية المصرية، ومن ثم الهوية العربية، مع العدو الإسرائيلى.

 

ومع أن بعض الحكم الجديد فى تونس يستذكر الفلسطينيين، إلا أن الموقف من إسرائيل ليس بين اهتماماته الملحة.

 

وأما فى المغرب فالعلاقة مع إسرائيل ثابتة ودائمة، بإسلاميين فى السلطة ومن دونهم، طالما أنها تحت رعاية العرش مباشرة.

 

ويبقى المشرق بهمومه الثقيلة وعواصفه الدموية وعنوانه فى هذه اللحظة سوريا يعانى من معادلة ظالمة تكاد تتلخص فى أن تغيير السلطة قد يعنى تهديم الدولة والغرق فى بحر حروب أهلية من طبيعة دينية أو طائفية أو مذهبية لا تنتهى.

 

هذا إذا ما نسينا سبيكة العناصر والأعراق التى تعود إلى بدايات التاريخ والتى قد يخرج استخدامها فى الصراع أهلها من الجغرافيا والتاريخ معا.

 

أين الربيع، اذن؟ وأين هوية هذه الأرض العربية وأهلها؟ وأينهم اليوم من غدهم؟

 

الربيع آت.. ولكن عبر نفق دموى طويل قد يمتد لسنين طويلة.

 

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved