التغيير.. التغيير

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 24 نوفمبر 2010 - 9:45 ص بتوقيت القاهرة

ندعو للتغيير، ولكن الكثيرين منا لا يقولون الحقيقة، هل ندعو للتغيير من أجل التغيير، أم التغيير لإشباع حاجة أو حاجات معينة لا يشبعها الوضع القائم؟ يعنى مثلا هناك بين السياسيين من يدعو للتغيير وفى داخله شرط جوهرى، ألا يمسه هذا التغيير من قريب أو بعيد، وهناك من يريد التغيير ليحصل على منفعة بعينها لا تتحقق إلا بالتغيير بشرط أن يبقى كل شىء آخر على حاله. أما النوع الأول الذى يريد التغيير لا لإشباع حاجة أو لتحقيق منفعة وإنما حبا فى التغيير فأظن أنه يضم الغالبية الساحقة من الذين يمكن أن يطلق عليهم «التغييريون الجدد».

يحمل أكثرنا هاتفا نقالا يعمل بكفاءة ويتكلف استخدامه ما يتكلفه استخدام هاتف نقال أحدث. ندخل محلا لبيع الهواتف النقالة ونطلب موديلا أحدث، لا لشىء سوى أننا نريد التغيير. بعض آخر منا لا يحتاج «آيبود» iPod ولكن يصر على اقتنائه. وطفل لا يتجاوز عمره التاسعة يضغط على والده ليشترى له هاتفا من طراز «بلاكبيرى» المتقدم للغاية والمتسبب فى أزمات دبلوماسية عديدة بسبب كفاءته العالية جدا فى حماية الرسائل وتأمين خصوصية مستخدمه. الطفل الساعى لاقتناء البلاكبيرى لم يستوعب بعد جميع الإمكانات المتوافرة فى جهاز نوكيا العادى وسيجد حتما صعوبة فى التعامل مع تعقيدات الجهاز الأحدث ولكنه يريد التغيير. يريد التغيير من أجل التغيير، وليس من أجل حاجة شديدة تزن وتطلب إشباعا سريعا.

صحيح القول بأن التكنولوجيا تخلق الظروف الدافعة للتغيير. كان يقال إن المنتج الإلكترونى الجديد يصنع الحاجة إلى منتج جديد، وصحيح أيضا القول إن الحاجة التى هى أم الاختراع والتقدم التكنولوجى هى أيضا القوة الحقيقية الدافعة للتغيير. ورغم صحة القولين يؤكد خبراء الأسواق أن أغلب الناس يريدون التغيير من أجل التغيير، لا أكثر ولا أقل وليس من أجل شىء آخر غير التغيير.

منا من يمل صحبة معينة ويسعى لتغييرها ومنا من لا يقدر على مهنة أو وظيفة لفترة طويلة فيتمنى تغييرها. ومن الأطفال كثيرون لا يصاحبون إلا لفترات قصيرة، ويوزعون وقت اللعب على لعب متنوعة فلا يقضون كل الوقت مع لعبة واحدة. يرفضون أن يحتكرهم صاحب فيحرمهم من أصحاب آخرين أو تشغلهم لعبة فتحرمهم من لعب أخرى. قد أستثنى أكثرية البنات فهن أقل ميلا لتغيير الأصحاب والصاحبات وأشد إخلاصا للعبة واحدة.

أعرف طبيبا ينصح مرضاه الذين يشكون بوادر توتر أو قلق أن يغيروا وبسرعة ما تعودوا على أدائه أو ممارسته فترة طويلة. ينصح بتغيير مواعيد العمل فلا تكون هى نفسها التى التزمها معظم حياته أو معظم أيام الأسبوع، وينصح بتغيير أولويات قراءاته ومشاهداته، وتغيير مواقع الاصطياف، وفى بلاد أخرى ينصحون بتغيير المسار اليومى من البيت للعمل ومسار الإياب. وكما أنك يجب أن تغير أولويات قراءاتك، فإن كنت كاتبا فنصيحة أن تغير فى الموضوعات التى تختار الكتابة فيها.

التغيير.. التغيير.. التغيير.. فى أمريكا جاء أوباما إلى الحكم محمولا على موجة تحمل شعار التغيير. وفى بريطانيا جاء حزب المحافظين وفى ركابه حزب الأحرار محمولين على الموجة ذاتها.. وفى إيطاليا، أتى برلسكونى إلى الحكم أول مرة فى عام 1994 ورحل عنه ليعود إليه مرة أخرى عام 2008، وشعاره الأوحد التغيير، ولم يغير. وعندنا فى مصر، لم تجد الحكومة ولا المعارضة كلمة أحسن من التغيير شعارا لا يلزم أحدا ويرضى كل الناس التى ملت الاستقرار الطويل.. الطويل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved