السلام الإسرائيلى بحماية الأطلسى.. والعرب بلا فلسطين أشتات طوائف وعناصر ولا دولة

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 24 نوفمبر 2010 - 10:40 ص بتوقيت القاهرة

 فى مقررات القمة الثانية والعشرين لدول الحلف الأطلسى فى لشبونة ما يوحى بالاستعداد للمساهمة عسكريا فى حماية اتفاق «السلام» فى الشرق الأوسط إذا ما تم الوصول إليه. أما القيادة الأمريكية فتؤكد استعدادها لإعطاء إسرائيل «ضمانات مكتوبة» إذا هى جمدت الاستيطان لمدة تسعين يوما! أما بعد التسعين يوميا فالمزيد من المستوطنات ومن أسباب القوة ومن تناسى الوعود التى أعطيت بسخاء، ذات يوم، للسلطة المتسولة أى اتفاق.

وأما «السلام» فكلمة لا معنى لها إسرائيليا، خصوصا مع الادعاء الدائم بأن ليس ثمة من شريك لا بين الفلسطينيين ولا حتى بين العرب عامة. هل من التسرع القول إن ثمة خطة مشتركة لضرب كل ما يجمع بين العرب، سواء فى دولهم العديدة، أو حتى داخل كل دولة بمفردها؟ وهل من المبالغة فى الاستنتاج أن نرى فى هذا كله التمهيد العملى لأن تكون إسرائيل هى الدولة الوحيدة فى كل المنطقة المنداحة بين المحيط والخليج، والتى يربط بينها الانتماء إلى هوية قومية واحدة، العروبة، والتى كان يشد بعضها إلى بعض ــ قبل العواطف وبعدها ــ ضرورة حماية الذات فى وجه التهديد الذى شكله زرع الكيان الإسرائيلى فى قلبها، فلسطين، بما يقطع الأواصر والصلات بين أهل المشرق وأهل المغرب، ويمنع التلاقى فى المصالح وفى مواجهة الخطر على المصير؟!

إن إسرائيل تحاصر الآن، عمليا، كلا من مصر فى الجنوب، ولبنان وسوريا فى الشمال، والأردن ومن خلفه العراق وصولا إلى شبه الجزيرة العربية فى الجنوب، بالسعودية وأقطار الخليج واليمن، أما الغرب فبحر مفتوح أمام أساطيل الحماية، أمريكية أساسا وأطلسية بوجه عام..

وإسرائيل تتباهى بقوتها الفائقة التى تزيد على مجموع القوى العسكرية لكل الدول العربية مشرقا ومغربا، بل إنها تضيف إليها إيران! وهى تستدرج المستوطنين من أربع جهات الأرض للقدوم إليها، وتبنى المزيد والمزيد من المستوطنات فوق الأراضى التى كان يفترض ــ نظريا وبموجب القرارات الدولية ــ أن تكون لشعب فلسطين ومن اجل إقامة «دويلة» له فيها. فإذا ما تم الاعتراض، أمريكيا على التهام الأرض بالمستوطنات، طالب الإسرائيليون بالتعويض فنالوا مليارات الدولارات نقدا إضافة إلى أكداس من سلاح الطيران ومعه القبة الفولاذية والصواريخ والمدمرات فى مقابل تجميد الاستيطان لتسعين يوما!! وبالنتيجة فقد تمزق شعب فلسطين نتفا، بعضه فى الأرض المحتلة 1948، وبعضه الآخر فى الأرض التى احتلت فى حرب 1967، وبعضه الثالث فى الأرض التى أعطيت «للسلطة» التى أنهت الثورة ولم تحصل على الوطن، وهى ارض مشطرة بالاحتلال، بعضها فى الضفة وبعضها الآخر خلف السور الفولاذى فى غزة.. فى حين يتوزع أكثر من خمسة ملايين فلسطينى آخر فى الشتات الممتد من الأردن ــ سوريا ــ لبنان إلى أقصى الأرض فى اوقيانيا والأمريكيتين ومعظم أرجاء أوروبا فضلا عن جاليات محترمة فى العديد من بلاد بقاع الدنيا.

إن الهدف الجارى تحقيقه هو تفتيت المجتمعات العربية.. فدولها القائمة هى بمعظمها «كيانات سياسية» استولدت فى مرحلة الاستعمار (البريطانى والفرنسى)، ومعظمها لا تستوفى شروط الحياة.. وكان الأمل فى أن يعزز «الرابط القومى» بينها، أى العروبة، توجهها نحو التكامل، فى إطار سياسى جامع يوفر الحماية والمنافع ويؤمن المصالح المشتركة. من هنا تركزت الحملة (دوليا) على العروبة، أى على ما يجمع بين هذه «الدول» التى هى بأكثريتها كيانات استولدت على عجل. وفلسطين هى الترجمة السياسية للعروبة، فإذا ما شطبت أو مزقت تهاوت العروبة مخلية مكانها للعنصريات والمحميات.

تم تحقير العروبة وامتهانها، وشنت عليها الحملات الضارية بوصفها مصدر الخطر ومكمن العلة فى التخلف والعجز عن اللحاق بالعصر... وتم ضرب الهوية الموحدة ليغدو كل بلد عربى خليطا من الأقليات، تبحث كل منها عن حماية من خارج أرضها ومحيطها وبيئتها الطبيعية. مع العروبة يصير الكل واحدا فى التعامل مع قضايا المصير، وتتهاوى الفروق فى الانتماءات الطائفية والمذهبية وحتى العرقية، إذ تغلب المصلحة المشتركة فى وطن معافى ودولة قوية، ويتلاقى الجميع تحت هوية تستمد قوتها من تلاقيهم فيها. هى الكل.

أما من دونها فتتوالى عمليات التفتيت بلا نهاية: يصير السنة عربا وأتراكا وتركمانا وأكرادا وارناؤوطا وشركسا ومغولا، ويصير الشيعة عربا وفرسا واذارايين وأفغانا.. ويصير المسيحيون آشوريين وكلدانا وسريانا وبقايا صليبيين.

وهكذا تصير إسرائيل الدولة المركزية لكل هذا الشتات الذى تخلى عن هويته فافتقد طريقه إلى غده الذى يكون بتوحده خلف أهدافه المشتركة ولو فى «دول مستقلة» بدل ان يظل مجاميع من الأقليات المحتاجة حكما إلى الحماية الإسرائيلية معززة بالحلف الأطلسى الذى أعلن هذه المنطقة ملعبا خلفيا لمصالحه.

بين مشروعات الحلف الأطلسى الجديدة تشكيل قوات تدخل سريع لتوجيه ضربات سريعة إلى من يصنفون أعداء. فلقد تعلم الجميع من تجربة أفغانستان إن التورط فى حرب شاملة ضد بلاد بكاملها، ومهما كانت ضعيفة، سيكون مكلفا خصوصا أن المدى الزمنى سيظل مفتوحا حتى لو تمت الاستعانة بأسلحة التدمير الشامل.

من هم الأعداء فى نظر الحلف الأطلسى؟

إضافة إلى إيران والتنظيمات الأصولية كالقاعدة وأخواتها ومتفرعاتها فقد ذكرت دولتان عربيتان بالاسم: اليمن والسودان.. فأما اليمن فإن «بطنها» مفتوح منذ فترة غير قصيرة.. والحروب التى يشنها النظام على خصومه الذين لا يكفون عن التزايد قد اتخذت فى الآونة الأخيرة من مواجهة «القاعدة» عنوانا لها، برغم أن هذه التسمية غير دقيقة.. إذ تضم قائمة الخصوم قبائل وتيارات وأحزابا قديمة وأحقادا جنوبية لا تهتم كثيرا باللافتات التى تقاتل تحتها، ولا تجد غضاضة فى التحالف فيما بينها، علما أن النظام يرى فى الجمع بينها ما يفيده إذ يصوره مقاتلا شرسا ضد «جميع الأشرار» الذين يخاصمون الهيمنة الأمريكية ويقاتلون فى سلطته ثبات الولاء للقيادة الأمريكية.. وأما السودان الذى لم ينفع بطش نظامه فى حماية وحدة أراضيه، والذى تطارد المحكمة الدولية رئيسه وتوالى إصدار مذكرات القبض عليه ثم تتوقف عن المتابعة فجأة إذا هو سلم بانفصال جنوب البلاد حيث ستقوم دولة عنصرية ــ طائفية مرتهنة سلفا للأمريكيين والإسرائيليين، ومخاصمة بالضرورة لمصر ــ تحديدا ــ ولسائر الدول العربية بتحريض غربى مكشوف.

وكل هذه التطورات تهدد الأمن القومى لكل من مصر وليبيا ولما سيتبقى من السودان المعرض لانفصال أجزاء أخرى، بالحرب الأهلية أو بالضغوط السياسية ثقيلة الوطأة، والتى قد تكون دارفور الأولى ثم يليها غرب السودان وربما امتدت العدوى إلى شرقه.. تبقى «الجماعات المتمردة» التى أشار إليها قادة دول الحلف الأطلسى باعتبارها بين «مبررات استيلاد» قوات التدخل السريع «لدعم حلفائنا» والرد على «تهديدات عصرنا». فى حدود المعلوم لا تحظى الدول العربية، حتى صديقة الغرب والموالية للقيادة الأمريكية، بموقع «الحليف». وحدها إسرائيل تحظى بهذه المكانة الرفيعة.

إن المشهد العراقى الراهن يكشف كيف أن تدمير الدولة كان هدفا بذاته، وكان الطريق سهلا: التعامل مع شعب العراق على أنه خليط من المجموعات الاثنية والعرقية والطائفية والمذهبية المختلفة التى تصور مختصمة إلى حد العداء. وفى العراق تحت الاحتلال ونتيجة تغييب الدولة بمؤسساتها الموحدة، لم تنجح «الديمقراطية» المحمولة على ظهور الدبابات إلا فى تظهير الانشقاق الذى يمهد لحركات انفصالية متتالية بشعارات متعددة، بينها العنصرى، كما فى الشمال الكردى، وبينها الطائفى بل المذهبى كما فى الشمال والجنوب وما بينهما وصولا إلى العاصمة بغداد التى تحولت إلى جحيم يستحيل «تعايش» أهلها فيها إلا إذا احتمى كل حى بسور عال يفصله عن الأشقاء فى الحى الآخر، بحيث يتوافر الأمان لجيش الاحتلال، وتتحول استعادة وحدة البلاد عبر دولتها إلى مستوى الأحلام.

برغم حالة التفكك والتبعثر التى يعيشها الوطن العربى بمختلف أقطاره فإن الغرب عموما، الأوروبى منه كما الأمريكى، ما زال يصنفه عدوا محتملا، لا سيما وانه يربط آليا بين العروبة والإسلام ليعظم خطرهما الداهم على الأمن والاستقرار الدوليين، مع وعيه بأن هذين المفهومين الجامعين قد تم تشويههما فصارا فزاعتين..

إن قراءة دقيقة للمعلن من المناقشات التى جرت فى إطار القمة الثانية والعشرين للحلف الأطلسى (الناتو) فى لشبونة، عاصمة البرتغال، تدل على أنهم «إنما كانوا يتحدثون عنّا»، عربا ومسلمين، خصوصا وقد انفتحت أبواب التعاون (ولو بشروط) بين دول هذا الحلف الذى قام على قاعدة العداء للاتحاد السوفييتى (ومعه الصين) وبين روسيا. ولقد قالها الرئيس الأمريكى الأسمر ذو الجذور الإسلامية باراك اوباما، صراحة أمام حلفائه الأوروبيين: «أعلن لكم بكل سرور إننا قد اتفقنا وللمرة الأولى على نظام دفاعى مضاد للصواريخ.. إننا نتطلع للعمل مع روسيا لبناء تعاوننا معها فى هذا المجال أيضا مدركين إننا نواجه الكثير من التهديدات المشتركة».

أما إسرائيل فهى الحليف الأكبر والأقوى بل هى الشريك الأعظم، ويكاد اسمها يطل من بين السطور جميعا. وأما تركيا فهى الشريك الاضطرارى الذى بات مزعجا بقيادته الإسلامية التى ترفض أن تكون بلادها مجرد قاعدة عسكرية للهجوم على جيرانها بينما يواصل الأوروبيون رفضهم المستفز لإدخالها جنة الاتحاد الأوروبى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved