الأسعار.. هل السيطرة عليها ممكنة؟

زياد بهاء الدين
زياد بهاء الدين

آخر تحديث: الإثنين 25 يونيو 2018 - 9:50 م بتوقيت القاهرة

«طالب أعضاء مجلس النواب حكومة المهندس مصطفى مدبولى بتكريس جهودها لضبط الأسواق لما قد تشهده من انفلات فى الأسعار بسبب جشع التجار واستغلالهم لتحريك أسعار الوقود، مشددين على ضرورة شن الحملات الرقابية وضبط المتلاعبين واتخاذ الإجراءات القانونية تجاههم».
ما سبق خبر منشور فى صدر إحدى جرائد الجمعة الماضية، وبذات المعنى فى مختلف الصحف القومية، لبث الثقة والطمأنينة لدى الناس والتأكيد على أن نواب الشعب لن يقفوا ساكتين أمام الموجة المرتقبة من الغلاء. ولكن الحقيقة التى يعلمها الجميع أن الخبر بلا قيمة، وأن هذا الخطاب الحماسى لن يحل أو يربط، وأن الحديث عن جشع التجار والضرب بيد من حديد صار من الطقوس المستقرة التى تصاحب كل زيادة فى الأسعار دون أن تأتى بنتيجة.
الحقيقة التى يعلمها الجميع أيضا، بعيدا عن التصريحات الرسمية والبرلمانية، أن الأسعار قد ارتفعت بالفعل خلال الأيام القليلة الماضية إثر زيادة أسعار الوقود والكهرباء، وأن الرأى العام خائف ومضطرب من الدخول فى حالة جديدة من انفلات الأسعار مثل تلك التى صاحبت رفع سعر الوقود العام الماضى. ولكن مع تقديرى للجهود التى تبذلها الأجهزة التنفيذية، فإننى أخشى أن تكون نتيجتها متواضعة للغاية أو مؤقتة لأن الأدوات التى تستخدمها الحكومة ليست مناسبة للتعامل بشكل جدى وطويل المدى مع التضخم المرتقب.
تقليديا فإن الحكومة تلجأ إلى ثلاث وسائل؛ الأولى هى: محاولة ضبط الأسواق والأسعار عن طريق مفتشى التموين والشرطة وتحرير المحاضر وفرض الغرامات، وهذا أسلوب لا ينفع إلا مع السلع التى تباع بسعر محدد ومن خلال منافذ محددة مثل الوقود فى محطات البنزين أو الخبز فى الأفران المعتمدة أو الأدوية فى الصيدليات المسجلة، ولكن لا أحد يتصور أن يصلح فى مراقبة كل بائع للخضر والفاكهة وكل سائق للتوكتوك والسرفيس وكل مدرس خصوصى فى المنزل وكل طبيب، وهذه بعض أمثلة المجالات التى تصيبها الموجة الثانوية من الغلاء التى يدفع المواطنون ثمنها بعيدا عن نظر الدولة والأجهزة الرقابية. أما الوسيلة الثانية التى تلجأ إليها الدولة فى التصدى للغلاء فهى: التدخل مباشرة بطرح سلع أساسية للجمهور من خلال منافذ بيع تابعة لأجهزتها المدنية والعسكرية. ولكن يعيب هذا الأسلوب أنه بالضرورة مؤقت وانتقائى ولا يمكن أن يغطى إلا مناطق محدودة لفترات محدودة، كما أنه يخلق فى حد ذاته سوقا سوداء للتعامل على السلع التى توفرها الدولة وقد يؤدى إلى توتر بين المستحقين. وأخيرا فإن الوسيلة الثالثة هى: زيادة المعاشات والعلاوات على نحو ما فعلت الحومة فى الأسبوعين الماضيين، وهذه سياسة بالتأكيد أكثر وضوحا واستدامة، ولكنها لا تغطى عادة سوى نسبة محدودة من الغلاء الحقيقى كما أنها لا تصل للقطاع الواسع من العاطلين والعاملين فى مجالات مؤقتة أو موسمية أو غير رسمية، وهؤلاء هم الأكثر تضررا من التضخم.
ما سبق لا يعنى أن ترفع الدولة يدها عن الرقابة على الأسواق وتترك الناس فريسة لمزيد من الاستغلال والمبالغة فى الأسعار، ولا أن تتوقف عن توفير السلع الأساسية عند اللزوم، أو عن زيادة المعاشات والعلاوات. ولكن هذه الوسائل لا تكفى فى ذاتها للتعامل مع الغلاء ومع أسبابه الهيكلية، بل يجب النظر جديا فى أدوات ووسائل بديلة ترفع عن المجتمع بعض الأعباء التى لم يعد الناس قادرين على تحملها. وفيما يلى ثلاثة اقتراحات محددة:
الأول: أن تدرك الحكومة أن الأهم والأجدى من محاربة استغلال التجار والموزعين، هو فتح قنوات المنافسة وتمكين أطراف جديدة خاصة بين الشباب من ذوى الهمة والابتكار من الدخول إلى السوق ومزاحمة أصحاب الاحتكارات والنفوذ والسيطرة. أما الاستمرار فى الحالة الراهنة التى يعجز فيها المنافسون الجدد من الحصول على ترخيص للنشاط أو تصريح فتح محل إلا بشق الأنفس وبالواسطة وأحيانا بالرشوة، فهى السبيل الأكيدة لاستمرار حالة انفلات الأسعار ووضع المستهلكين تحت رحمة من لديهم سيطرة على أى مجال سلعى أو خدمى.
الاقتراح الثانى: أن تتعامل الدولة مع قضية تحسين الخدمات والمرافق العامة باعتبارها ليست فقط ضرورة للتنمية البشرية وإنما أيضا وسيلة أكيدة لحماية الناس من فوضى الغلاء. فالأسعار ارتفعت بالفعل وسوف ترتفع، ولكن توفير علاج معقول فى المستشفيات والوحدات الصحية العامة يحمى الناس من استغلال الأطباء فى المناطق المحرومة من الخدمات الصحية، وتحسين مستوى التعليم ولو قليلا يجعل من الممكن توفير ولو جانبا من تكاليف الدروس الخصوصية، وتوفير المواصلات العامة بأسعار معقولة يحد من استغلال سائقى المركبات الخاصة (وهذا للأسف عكس ما فعلته الحكومة حينما رفعت أسعار المترو بأكثر من ثلاثة أضعاف قبل زيادة أسعار الوقود بأسبوعين وهو ما وضع الجمهور تحت رحمة سائقى التوكتوك والسرفيس).
أما الاقتراح الثالث فهو: أن تعيد الدولة النظر فى سياساتها تجاه الجمعيات الأهلية والمنظمات والمؤسسات الخيرية، والتى أدت إلى حرمان الشعب من نشاط عشرات الآلاف من الجمعيات والمنظمات التى تقدم للملايين خدمات صحية وتعليمية وثقافية وإنسانية تساهم مع الدولة فى سد فجوات كبيرة وفى توفير شبكة بديلة للحماية الاجتماعية. وإذا كان هناك حوار جار حاليا حول كيفية إنفاق بعض الجمعيات الكبيرة والمعروفة لمواردها المالية فهذا يؤكد على أهمية قيام منظمات المجتمع المدنى والأهلى بدورها التنموى وفقا لضوابط سليمة ومعايير شفافة وليس إلغاء هذا الدور بالكامل.
وأخيرا فإن الاقتراح الرابع ــ وهو ليس موجها للدولة بل للبرلمان ــ هو: أن يكف مجلس النواب عن التصريحات النارية والعبارات الواسعة التى صارت مستفزة فى حد ذاتها حول مكافحة الغلاء وتوجيه الحكومة للرقابة على الأسواق، ويقوم بمهمته الحقيقية التى يفترض أن يكون قد انتخب من أجلها، وهى مراقبة الإنفاق العام. البرلمان هو المسئول عن إقرار الموازنة العامة وعن مراقبة انفاقها، وهو بالتالى المسئول عن تحديد أولويات الصرف من موازنة الإنفاق الاجتماعى البالغة هذا العام نحو ثلاثمائة وأربعين مليار جنيه. فبدلا من الشكوى والضجيج بلا فائدة، يمكن للبرلمان أن يعيد توزيع مجالات هذا الانفاق العام لكى تتناسب مع احتياجات وأولويات المواطنين وتحد الصرف فيما ليس منه فائدة ويقاوم الحكومة حينما تخرج عما يحقق الصالح العام.
الحديث عن مشكلات الغلاء ومظاهره، وإطلاق العبارات والتصريحات المدوية لن ينفع الناس بشىء. الأهم هو وضع الآليات والوسائل التى تحمى المجتمع من أن تتحول زيادة الأسعار الحتمية إلى انفلات تام على نحو ما شهدناه فى العام الماضى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved