ثـورة مصر الأولى وأهداف ثـورة مصر الثانية

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 25 يوليو 2012 - 9:36 ص بتوقيت القاهرة

فى مثل هذه الأيام من عام 1952 طوت مصر بالانقلاب العسكرى الذى طورته المواجهة مع الغرب الاستعمارى، ومن ضمنه إسرائيل التى كانت قد أقامت كيانها السياسى بالقوة العسكرية على أرض فلسطين، إلى ثورة شعبية عارمة، سرعان ما امتد تأثيرها إلى الوطن العربى، مشرقا ومغربا، ومعه أفريقيا جميعا ومعظم دول آسيا البعيدة على قرب.

 

كانت الخطوة الأولى على طريق الثورة إسقاط النظام الملكى، وإعادة الاعتبار إلى «الشعب» باعتباره مصدر الشرعية، ثم توالت الخطوات نحو بناء الدولة القادرة ذات الدور الحاسم عربيا، والأساسى على المستوى الدولى وعبر منظومة عدم الانحياز التى شكلت رافعة لنضال الشعوب فى آسيا وأفريقيا من اجل التحرر والاستقلال.

 

صارت القاهرة عاصمة كونية، وصار لقيادتها فى شخص رئيسها جمال عبدالناصر، الموقع الممتاز فى السياسة الدولية، خصوصا بعد الانتصار فى معركة تأميم قناة السويس (فى مثل هذه الأيام من عام 1956) ثم فى صد العدوان الثلاثى الذى شاركت فيه بريطانيا وفرنسا مع العدو الإسرائيلى، وكان هدفه الفعلى القضاء على الثورة قبل أن يشتد عودها، وتتولى قيادة حركة تحرير الشعوب التى استطالت عهود استعبادها وحرمانها من أن تكون أوطانها لها.

 

•••

 

ولقد أنجزت ثورة 23 يوليو، بقيادة جمال عبدالناصر، ما كان فى مستوى الأحلام، على مستوى إنصاف جموع الشعب المصرى وتخليصه من أسباب القهر الاجتماعى، وما كان يتجاوز الأمانى على مستوى تحقيق حلم الوحدة بين شعوب الأمة العربية الواحدة، عبر تحدى قوى الهيمنة الأجنبية، خصوصا وقد جاءت الولايات المتحدة الأمريكية إلى سدة القيادة فى الغرب مقدمة نفسها كنصير للشعوب، فى حين لم تفعل غير تحديث الاستعمار واستبداله بالهيمنة الاقتصادية والتحكم بالقرار السياسى من موقعها كقوة عظمى كونية «مؤهلة» لقيادة العالم!

 

وهكذا قاتلت الإدارة الأمريكية «دولة الوحدة»، منذ لحظة إعلانها، وحرضت قيادة ثورة العراق فى 14 (يوليو) 1958، ضدها، مشتركة فى الجهد لمحاربتها مع «عدوها» الاتحاد السوفييتى.. واستمر التحريض حتى نجح «الانفصاليون» فى سوريا، بالتواطؤ مع مختلف أعداء الغد العربى الأفضل، يسارا ويمينا، على فك عرى الوحدة بين مصر وسوريا، مستفيدين من أخطاء فادحة فى التطبيق، ومن مناعة الشعور الكيانى فى «إقليمى» الدولة الجديدة.

 

كانت «فلسطين» التى جاءت ثورة 23 يوليو من رحمها، أحد عناوين النضال فى معركة تحرير إرادة الأمة.. وهكذا ساعد جمال عبدالناصر على استيلاد كيان سياسى لهذه القضية المقدسة، فتم إنشاء منظمة التحرير الوطنى الفلسطينى بمؤسساتها السياسية والعسكرية (جيش التحرير).

 

وبرغم «النكسة» التى تسببت بها غفلة القيادات العسكرية وابتعادها عن مسئولياتها، فسرعان ما عادت مصر جمال عبدالناصر إلى الميدان، وخاضت حرب الاستنزاف، تمهيدا واستعدادا للمواجهة مع العدو الإسرائيلى، التى شاء القدر أن يكون موعدها بعد رحيل من وضع خطتها وأعد لها القوة المؤهلة لان تحقق «العبور» العظيم فى 6 أكتوبر العاشر من رمضان 1973.

 

•••

 

ولقد كان أمرا طيبا أن يستذكر الرئيس المصرى الدكتور محمد مرسى ثورة 23 يوليو، باعتبارها مؤسس الجمهورية الأولى، وان هو اغفل أى ذكر لقائدها جمال عبدالناصر.. ولكنه لم يستطع أن يتجاهل الإنجازات العظيمة مثل التمكين لاستقلال القرار الوطنى، واعتماد سياسة اجتماعية تهدف إلى إنصاف المواطنين والمساعدة على إخراجهم من ليل الفقر والجهل والمرض.

 

كذلك كان أمرا طيبا أن يعترف الرئيس مرسى بنجاح ثورة 23 يوليو فى جعل الشعب المصرى مصدر السلطة والشرعية، ودعم حركات التحرير فى العالم العربى والإسلامى.. وأن يخلص إلى أنها نجحت فى أهداف وقصّرت عن انجاز أهدافها كاملة.

 

على أن الاعتراف بثورة 23 يوليو كان لابد أن يستتبع إدانة نظام الطغيان الذى أسقطه الميدان «ليعيد الأمور إلى نصابها»، مقرا بأن ثورة يناير 2011 هى امتداد للتاريخ النضالى للشعب المصرى.

 

•••

 

ولم يكن مفاجئا أن يقفز الرئيس مرسى عن مسئوليات مصر العربية، وأن يخلو خطابه من أى ذكر للعدو الإسرائيلى، وأن يتجاهل أن ثورة 23 يوليو 1952 كانت فى أخطر جوانبها ردا على الهزيمة التى ألحقها هذا العدو بالأمة جميعا، معززا بقدرات جاءته من أقوى الدول وأعتاها، فى الغرب والشرق معا.

 

كذلك لم يكن مفاجئا أن يحصر الرئيس مرسى كلماته المكتوبة فى الهموم المصرية الداخلية، وكأن مصر جزيرة معزولة فى المحيط، وان زيارات كبار المسئولين الأمريكيين خصوصا، مدنيين وعسكريين، والغربيين عموما، إنما تمت للقيام بواجب التهنئة على انتصار الدكتور مرسى بالرئاسة كبشارة بتولى الإخوان المسلمين زمام الأمور فى مصر المفصولة عن العدو الإسرائيلى برمال سيناء المجردة من السلاح، والمعزولة عن الهموم العربية الثقيلة لانشغالها بذاتها.

 

وإذا كان يذكر للرئيس محمد مرسى انه لم يتجاهل «الثورة» التى أقامت «الجمهورية الأولى»، فإن إصراره على الابتعاد عن الهموم العربية التى تدق أبواب القاهرة، كل صباح، أمر لا يتسق مع مبادرته إلى تخصيص المملكة العربية السعودية التى لم تشتهر بالكرم مع مصر عموما، ومع مصر الثورة خصوصا، بزيارته الرسمية الأولى.

 

ربما يرى البعض فى هذه الملاحظات تزيدا عربيا على الموقف المصرى الرسمى، لكن العرب فى مختلف أقطارهم كانوا، وما زالوا، وسيبقون ينظرون إلى القاهرة على أنها عاصمة قرارهم، وصاحبة الحق الشرعى فى أن تكون قيادتهم، مادامت أرادت أن تتشرف بهذا الدور الحيوى والضرورى والذى لا غنى عنه ولا بديل منه، فى أى تصور لغد عربى أفضل.

 

•••

 

إن أحدا من العرب لا يريد إحراج مصر، وهى لم تفرغ من إعادة بناء نظامها بالثورة.. لكن هذا المواطن يتوقع أن يسمع من القيادة الجديدة فى مصر، ومن الرئيس مرسى شخصيا، ما يطمئنه إلى أن مصر لن تتخلى عن دورها القيادى وعن مسئولياتها القومية، وفى الطليعة منها فلسطين. وكان ملفتا أن يستقبل الرئيس المصرى القيادات الفلسطينية المختلفة فى ما بينها، من دون نتائج تذكر لهذه اللقاءات. ولعل ما يزيد فى غموض الموقف الرسمى المصرى حاليا القفز من فوق تحديد أى موقف من إسرائيل التى لا تتوقف عن «مصادرة» الأرض الفلسطينية المحتلة وعن زرعها بالمستوطنات التى التهمت معظم أراضيها، وبالذات القدس، حيث بات المسجد الأقصى جزيرة معزولة فى بحر من المستوطنات التى تكاد تحجب عنه نور الشمس.. فضلا على المصلين.

 

نقطة البداية فى العمل الثورى فى مصر معروفة لم ينسها أحد ولا يغفل عن ذكرها أحد، إنها: يوم 23 يوليو 1952. وذلك هو يوم العيد فى هذه الأمة المحرومة من الأعياد حتى إشعار آخر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved