من سوريا إلى العراق وبالعكس: عن حروب الطائفية والمذهبية على العروبة

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 25 أكتوبر 2016 - 10:12 م بتوقيت القاهرة

فجأة، ومن خارج التوقع، تهاوت الأنظمة العربية التى كانت تقول بالعلمانية، مبرِّئة ذاتها من التعصب الدينى أو الطائفى.. ولعلها قد بالغت فى ادعاءاتها تلك لنفى شبهة احتكار السلطة فيها لمجموعات تجتهد فى تغطية الانتماء لمذهب محدد بالهوية الحزبية العلمانية (البعث فى سوريا والعراق والحزب الاشتراكى فى اليمن الجنوبى فى ظل انفصاله عن الشمال..).
بالمقابل، كانت تركيا، التى تعتمد العلمانية فى نظامها السياسى بعد دهور الخلافة الإسلامية، تنتقل ــ تدريجيا ــ وفى ظل الحزب الحاكم، الآن، بقيادة رجب طيب أردوغان، القيادى البارز فى تنظيم الإخوان المسلمين، إلى تصدر العودة إلى تحجيب النساء، بمن فيهن ــ بل على رأسهن ــ «حريم» رئيس الدولة وكبار المسئولين.. هذا قبل الحديث عن التحالفات السياسية التى نسجها النظام التركى إقليميا وأبرزها فى هذا السياق مع أخطر أعداء العرب والمسلمين عموما: الكيان الإسرائيلى.. أما عسكريا فقد انتظم فى الحلف الأطلسى، وإن لم تقبله أوروبا فى اتحادها برغم كل التنازلات التى قدّمها.
بعيدا عن الدين وطقوسه، نزلت دولة أردوغان برئيسها ورئيس حكومتها ونائبه إلى «الميدان»، فى الأيام الأخيرة، ومع مباشرة الحكم فى العراق معركة تحرير الموصل، مقررين أن لتركيا الحق فى الدفاع عن «أهل السنة» الذين يشكلون الغالبية من أهل هذه المدينة ذات التاريخ العريق، مستذكرين السلطنة العثمانية، بداية، ثم معاهدة لوزان التى عُقدت بين دول التحالف الغربى (بريطانيا وفرنسا) وتركيا التى كانت قد تحرّرت من أعباء «السلطنة» وخطاياها، ولكنها دخلت الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا وخرجت منها مهزومة ومثخنة بالجراح..
وهكذا، لم يتورّع أردوغان، بعد تنصيب نفسه وليا لأمر المسلمين السنة جميعا عن الإشارة، ضمنا، إلى أن الموصل كانت من «أملاك السلطنة»، فضلا عن التلويح بمخاطر الهجوم العسكرى للجيش العراقى، مفترضا أنه يستهدف «أهل السنة»!! كأنما هذا الجيش وافد من الخارج، أو كأنما أهل الموصل ليسوا طليعة فى شعب العراق بل هم «جالية أجنبية» تطلب «حماية دولية» لا يصلح لها إلا تركيا أردوغان..

•••

لم يكتف أردوغان بتركيا لخوض هذه «الحرب»، بل اندفع يستنجى دول الخليج العربى بقيادة السعودية، ضاربا على الوتر المذهبى، قافزا من فوق حقيقة بسيطة مؤداها أن الذى يحتل الموصل ويقهر أهلها، بل العراقيين جميعا والسوريين معهم وعربا سنة آخرين، هو تنظيم «دولة الخلافة الإسلامية فى العراق والشام»، وهو بقيادته و«مجاهديه» جميعا من «أهل السنة».. وإن كان مشبوها فى نشأته وأهدافه، بالإضافة إلى أنه من خارج العصر..
خلاصة هذا التقدير الاستراتيجى الخطير لأردوغان أن تحرير الموصل يهدد بالخطر المليار مسلم، تقريبا، بغالبيتهم السنية المطلقة.
.. لكأن أهل السنة فى العراق «جالية أجنبية» أو «أقلية» مضطهدة وليسوا بعض أهله وبين أبرز نخبه، وهم كانوا فى سدة الحكم فى بغداد لقرن من الزمان إلا قليلا، فى حين كان أهل الشيعة (وهم الأكثر عددا) مهمّشين. ثم أن الموصل كانت طليعة فى العمل القومى.
أما بعد الاحتلال الأمريكى للعراق وخلع صدام حسين، فى ربيع العام 2003، فقد«هجم» الشيعة على السلطة، بزعم تعويض «دهر الحرمان»، وإن ظلت السلطة «مركبة»، رسميا، على أساس الشراكة وتقاسم المناصب على قاعدة مذهبية (وعرقية) فتقرر أن يكون رئيس الجمهورية كرديا ــ سنيا (وهو منصب رمزى لكن الهدف منه التوكيد على الأخوة العربية ــ الكردية)، ورئيس مجلس النواب سنيا (عربيا) أما رئيس الحكومة الذى يتمتع بصلاحيات واسعة فهو شيعى، وفى الحكومة يتمثل الجميع، وكذلك فى الجيش وقوى الأمن، وإن كان ثمة أرجحية شيعية (ينسبها أهل السلطة إلى الأكثرية العددية..).
صحيح أن العراق مرّ بمرحلة انتقالية حرجة، تخللتها أخطاء فادحة ومظاهر طائفية نافرة ومنفّرة، ومصادمات عنصرية (مع الأكراد) وطائفية (بين الشيعة والسنة)، لكن الواقع أن تلك المرحلة قد مضت وانقضت تقريبا، لا سيما بعد إسقاط حكومة المالكى ومجىء العبادى إلى السلطة، وانتقلت المشكلة إلى المتطرفين الشيعة الذين يتلطون بدعاوى ظلم الماضى لتغطية عمليات النهب والخروج على القانون بذريعة «التعويض عن دهر الحرمان»!!
...وهكذا سقطت شعارات «العلمانية» وكل ما كان يرفعه حزب البعث من مبادئ وأهداف أولها المساواة بين المواطنين بغير تمييز بسبب الدين أو الطائفة أو العرق، والاعتراف بحقوق الأقليات..الخ.

•••

بالمقابل فإن الحرب فى سوريا وعليها قد التهمت، فى ما التهمته، شعارات حزب البعث الذى يفترض أنه يتولى السلطة، كل السلطة.. فاحتلت قوى مختلفة الهويات والهوى مناطق مختلفة فى سوريا، رافعة شعارات المنظمات الأكثر تطرفا من حملة رايات «الجهاد»، مثل «داعش» و«النصرة» وجبهات أخرى تلوذ بتركيا، المتهمة الآن بأنها على صلة بالأكثر تطرفا من «المجاهدين» الذين جاءوا من أنحاء
عديدة بعيدة كل البعد عن سوريا، فيهم آلاف من العرب (من شمال أفريقيا خاصة مع قلة جاءت من بعض أنحاء الجزيرة والخليج، والسودان ومصر وحتى لبنان..).
أما الذريعة فكانت، فى الغالب الأعم، وربما بدافع التغطية على الأهداف الفعلية، أن هؤلاء المقاتلين أنما جاءوا لنصرة «أهل السنة» ضد «الحكم العلوى» ومساندته أساسا ضد إيران (التى أوفدت بعض حرسها الثورى فعلا لدعم النظام و«حزب الله» فى لبنان)... وهكذا تصبح المواجهة خارج السياسة وتكاد تنحصر فى الصراع بين أهل السنة والشيعة (مع التأكيد على أن العلويين منهم).
على أن الحرب الطائفية لم تنجح فى سوريا بقدر نجاحها فى العراق، ربما لأن النظام كان أكثر ذكاء وأعظم إنجازا فى داخل المجال السياسى العربى (وبالتحديد فى زمن الرئيس الراحل حافظ الأسد).. كما أن حزب البعث فى سوريا أعرق، وقد نجح حكمه فى تخطى عقبات كأداء، وشهد له حتى خصومه بالحكمة والدهاء فى إدارة شئون البلاد وسط عواصف عنيفة، وعلى امتداد ثلاثين سنة طويلة وحافلة بالتحديات والمخاطر، بين محطاتها العظمى حرب (أكتوبر) 1973 المجيدة، (بالشراكة مع مصر) وحرب لبنان الأهلية بكل تداعياتها الدولية، ثم الحرب العراقية ـ الإيرانية وغزوة صدام حسين ثم الحرب الأمريكية ــ العربية والتى شاركت فيها قوة من الجيش السورى إلى جانب الجيش الأمريكى وكتائب من جيوش عربية كثيرة.
على أنه من الضرورى الإشارة إلى أن الدعوة إلى العلمانية كانت أكثر نجاحا فى سوريا منها فى العراق، ربما لأن تاريخ الحياة السياسية كان أكثر غنى وأكثر حيوية فى سوريا منها فى العراق. وهنا لا بد من أن نتذكر تأثير الهزيمة العربية فى فلسطين على العرب عموما، وعلى السوريين بشكل خاص.. وهى قد دفعت بجموع من المناضلين، مدنيين وعسكريين، إلى ترك مناصبهم وأعمالهم والتطوع للقتال ضد المشروع الإسرائيلى، بمعزل عن فارق القوة...
وحتى اليوم، وبرغم الحرب المفتوحة على سوريا وفيها، والتى تشترك فى القتال ضد القوات المسلحة فيها عشرات المنظمات الإرهابية، أكثر من نصفها وافد من الخارج، وعبر الأراضى التركية أساسا ومع غضّ النظر الرسمى عنها، فإن الجيش السورى مدعوما من إيران ومن «حزب الله» فى لبنان قد صمد فى المواجهة المكلفة. وهذا يثبت، ولو بشكل غير مباشر، أن الطائفية أقل تأثيرا بما لا يُقاس منها فى العراق، وأن «العلمانية» بصيغة أو بأخرى، قد حققت نجاحا، إذ كان من الصعب التمييز بين السوريين على قاعدة طائفية.

•••

فى أى حال، لا بد من الاعتراف أن دولا عربية، إضافة إلى تركيا، قد شاركت فى الحرب على سوريا تحت شعار طائفى، بل مذهبى.. ويمكن القول بالمقابل إن مشاركة إيران وفصائل حزبية على صلة بها قد زادت من الطابع الطائفى لهذه الحرب السياسية بامتياز، والتى كانت تهدف إلى ضرب آخر قوة عسكرية عربية لا تزال تُـحتَسب فى رصيد المواجهة التى لا بد آتية، ولو بعد حين، مع العدو الإسرائيلى.
على أن هذه «الجبهة» قد توسّعت أخيرا، وبعد مباشرة العراق حربه الفعلية لتحرير الموصل، العاصمة الثانية للعراق وحافظة بعض كنوز تراثه الحضارى النادر والاستثنائى فى قيمته الفنية فضلا عن موقعها فى التاريخ... وهكذا حرض الحكم التركى بعض أنظمة الجزيرة والخليج ضد الحكم فى بغداد، إضافة إلى دفعها للاستمرار فى حربها على النظام فى سوريا.
هل من الضرورى التذكير بأن حكم أردوغان كان الداعم الأخطر لحكم الإخوان المسلمين فى مصر، مما تسبب فى قطيعة رسمية وشعبية بينه وبين الشعب المصرى قبل السلطة فى القاهرة؟!
لكأنها حرب مفتوحة بين العروبة، برغم ضعفها الراهن، وبين الإسلام السياسى فى أسوأ صوره ممثلا فى «داعش» و«النصرة» وحكم الإخوان فى أنقرة..
والميدان هو الحكم، فى غياب الشعوب..

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved