لن تكون المهمة سهلة

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 26 يناير 2012 - 9:35 ص بتوقيت القاهرة

خطا اليمين الدينى ــ صباح الاثنين ــ خطوات واسعة نحو حكم البلاد، كان آخرها قيادته لمشهد الافتتاح فى أول دورة لمجلس شعب منتخب فى ظل الثورة. كان مشهدا خفيف الظل على عكس توقعات بعض الناس، وسيخطئ كثيرون إذا خلصوا إلى استنتاجات أو أحكام نهائية بناء على ما شاهدوا وسمعوا خلال جلسة مخصصة أساسا وعرفا لمسائل إجرائية. إن ما حدث فى تلك الجلسة يجب أن يخضع تفسيره لحالة الانبهار، انبهار كل شخص بما حققه لنفسه، وانبهار الجميع بما حققوه خلال شهور من الكر والفر والأمل واليأس، وانبهار بتجسيد حلم فى غياب اليقين وفقدان الثقة. بدأت مرحلة جديدة، بكل ما تعنيه كلمة جديدة على الرغم من أنه يوجد فى المعتقل من ينتظرون الفشل ويحلمون بيوم تأتيهم دعوة للعودة. وآخرون خارج المعتقلات، فى انتظار أن تعود الأمور بالحظ أو بفعل فاعل إلى ما كانت عليه.

 

المسيرة التى بدأت صباح الاثنين لن تكون سهلة للأغلبية التى تصدرت مواقع القيادة فى العمل التشريعى، ولن تكون سهلة لها حين تتولى مسئولية العمل التنفيذى. لن تكون سهلة لهم، أى لليمين الدينى الحاكم، ولن تكون سهلة بالنسبة لنا، أى للناس العاديين أيا كانت توجهاتهم السياسية والاجتماعية. لن تكون سهلة للقطاعات الواسعة التى شجعت اليمين الدينى على الوصول للحكم، ولن تكون سهلة للوسط التقدمى وقطاعات الطبقة الوسطى العصرية الذين أعربوا عن رفضهم أن يتولى أمرهم وأمر أولادهم وأحفادهم من أشاعوا أو أشيع عنهم رفضهم مظاهر العصر وحضارته وعلمه ووسائله فى التسلية والثقافة ومبادئه فى الحرية واحترام الحقوق كافة. ولن تكون مرحلة سهلة بالنسبة لفئات عديدة كتمت أنفاسها وانسحبت تنتظر.

 

أفهم قلق المعارضين والكاتمين النفس، ولكنى أفهم أكثر قلق المؤيدين. بعض هؤلاء قدم تضحيات جسيمة ووضع آمالا كبار ويخشى أن تكون المهام والمسئولية الملقاة على عاتق حكومة يقودها الإخوان المسلمون أكبر وأصعب من قدرتهم الحقيقية، بعض آخر لديه ثقة، وربما إيمان أى ما هو أكثر من الثقة، فى أن المشروع الدينى لا يمكن أن يفشل، فالمقدس يحميه وكذلك أرواح ودماء المخلصين، إن دعت الحاجة. بعض ثالث يخشى من أن التعددية اليمينية، وبخاصة تعددية الجماعات التى ترفع شعارات دينية، قد تسىء إلى ما اشتهر به الإخوان المسلمون أو سعوا لنشره، ألا وهو سمعة البراجماتية والاعتدال والاستعداد للاستفادة من تجربة نجحت فى مكان أو آخر، والمثال الأبرز والمتكرر فى كتاباتهم هو  تجربة تيار الإسلام السياسى فى تركيا. هذه التجربة دعمتها فى عقدى الثمانينيات والتسعينيات وباركتها الدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وفى أوقات عصيبة وقفت أمريكا والغرب سندا لهذا التيار وحزبه السياسى وحكومته فى مواجهاته مع المؤسسة العسكرية التركية وهى المؤسسة التى حملت لواء الأتاتوركية العلمانية ورسالة التحديث.

 

ستكون مهمة شاقة تلك التى سيتحملها المؤيدون لحكم الإسلاميين، من الإعلاميين والحزبيين والدعويين، لإقناع المواطنين المصريين بضرورة التمييز فى تيارات الأغلبية الإسلامية الحاكمة بين المعتدل والمتشدد وبين الحداثى والرجعى وبين الأصلى والمستورد.

 

●●●

 

لن يكون الأمر سهلا على القيادة اليمينية الدينية التى تستعد لتولى تسيير السلطة التشريعية وإقامة نظام حكم للدولة المصرية والأسباب متعددة. إن الأصل فى كل الدول التى اختارت الديمقراطية منهج حكم، أن تكون مهمة الحكم ومسئولياته صعبة على عكس الدول الخاضعة للاستبداد أو الانقلابات العسكرية. الوضع فى مصر أشد تعقيدا لأن هذا المجتمع لم يجرب الديمقراطية من قبل إلا شهورا، وكانت التجارب على قصرها ناقصة فى أحيان ومشوهة فى معظم الأحيان. جرت العادة فى النظم الديمقراطية أن تأتى الحكومات المنتخبة وفى حقائبها برامج تفصيلية وأولويات جاهزة للتنفيذ مكافأة للناخبين الذين صوتوا لصالح أحزاب الأغلبية وطمأنة للمعارضين الذين لم يصوتوا لصالحها.

 

لا أعرف إن كان حزب الحرية والعدالة قد أعد حقائب حكومته وزودها ببرامج. إذا لم يكن قد فعل فمهمته فى الحكم تزداد صعوبة. يزيد من صعوبتها تقاعسه فى تشكيل حكومة ظل خلال الشهور أو الأيام الأخيرة التى اتضح خلالها احتمال اقترابه من مقاعد الحكم. لا نعرف إن كانت قيادة الحزب أو الجماعة اختارت أشخاصا معينين كوزراء محتملين عكفوا على وضع البرامج التنفيذية وتحديد الأولويات واقتراح الموارد اللازمة لتنفيذها. أظن أنهم لو قصروا أو تقاعسوا لن يلاموا بشدة، فالأوضاع كلها كانت استثنائية ابتداء بالحالة الثورية وانتهاء بالإقبال الغفير من الجماهير لحمل التيارات الدينية إلى صدارة المسئولية السياسية.

 

●●●

 

لن تكون مهمة هؤلاء الحكام سهلة لأنهم يأتون إلى السلطة ومفاتيح الأمن ليست فى أيديهم وقد تبقى هكذا لفترة غير قصيرة. سيحتاج الأمر بدون شك إلى ما هو أكثر من عامل الوقت لإقامة تراتيبية سلطة كما فى أى دولة ديمقراطية ومدنية. لا يخفى على أحد أن سنوات القمع والتشريد تركت مرارة فى حلق جماعة الإخوان، وكرست نمطا خاصا للتعامل تمارسه قوى الأمن مع التنظيمات الدينية والسياسية عامة. وبافتراض حسن النية وأشياء أخرى سيحتاج استقرار الحكم وضمان الانضباط فيه إلى وقت غير قصير وجهود مضاعفة من كلا الجانبين.

 

ولن تكون سهلة لأنهم قادمون ليتسلموا السلطة من مجلس عسكرى. إذ تؤكد التجارب السابقة أن مهمة أى حكومة مدنية تسلَّمت مقاليد الحكم من عسكريين فى أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا لم تكن سهلة لم يحدث إلا فى حالات نادرة أن تمت عملية التسليم والتسلم بسلاسة، والأسباب لا شك كثيرة ويمكن فهمها، ومع ذلك أميل إلى الرأى القائل أن أطرافا متعددة، منها أطراف دولية ومنها أيضا الضغوط الداخلية، سوف تعمل فى حالتنا المصرية على تذليل الصعوبات وفك الاشتباك بين الطرفين ووضع القواعد المتدرجة التى تضمن خضوع جميع مؤسسات الدولة للحكومة المنتخبة خلال فترة زمنية معقولة.

 

ستكون مهمتنا جميعا صعبة، حكاما كنا أم محكومين. نحن، وهم، لم نجرب بعضنا بعضا، لم نجرب الإخوان المسلمين حكاما، ولم يجربونا محكومين. ولا يخفى أننا من نوع خاص لم تألفه مصر من قبل، نوع تعلَّم أن يثور عند الغضب. أم نجربهم ولم يجربوا أنفسهم حكاما. أضعنا جميعا فرصة ووقتا ثمينا حين رفضت جماعة مبارك الاقتراح بالسماح للإخوان بالمشاركة فى انتخابات محلية لإدارة مدن وعواصم إقليمية. كان الغرض من الاقتراح أن يستفيدوا من تجربة الحكم المحلى ويكتسبوا خبرات إدارية وسياسية وتنظيمية، وكان يمكن أن نستفيد من خبرة التعامل اليومى معهم وأن تطمئن الأطراف كافة إلى بعضها البعض. الآن سيجربون فينا ونجرب فيهم فى ظروف دقيقة وصعبة بالنسبة للجميع.

 

●●●

 

نبدأ مسيرة شاقة من نقطة تحت الصفر. نضع قواعد تعامل جديدة، نبنى جسور ثقة، نطهر نفوسا، نزيل متاريس، نستعيد كرامة، نصون حرية وديمقراطية، نشيد قلاعا للعلم والتقدم، نثبت وجودا فى الإقليم وفى العالم، وإلى جانب هذا وذاك، نستكمل ما بدأناه قبل اثنى عشر شهرا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved