أبوالفتوح والشاطر.. ظلال أردوجان

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي

آخر تحديث: الإثنين 27 فبراير 2012 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

أخذ «إرشاد هورموزلو» كبير مستشارى رئيس الجمهورية التركية، وهو رجل يمسك بملف الشرق الأوسط وأفكاره متصلة بعصرها، يشرح باستفاضة رؤية بلاده لدورها الجديد فى إقليمها الملتهب. كان يشخص ببصره من حين لآخر إلى نهر النيل وعلى صفحته أضواء وظلال. خطر له أن يقارن قليلا بين سحر مدينتين ــ «القاهرة» و«استنبول». كاد يقول إن القاهرة أكثر سحرا، ولكنه توقف عن البوح متذكرا مشاهد ترديها بعين رجل يعرف جغرافيتها وتواريخها.

 

بلغة دبلوماسية تُصرح ولا تجرح قال: «القاهرة تحتاج عمدة».. كأنه فكر فى حاجة مصر، لا القاهرة وحدها، إلى «أردوجان آخر» يلعب الدور نفسه، مستحضرا نجاحاته فى تطوير «استنبول» عندما كان عمدتها قبل توليه رئاسة الحكومة.

 

سألته مازحا، والدكتور «مصطفى اللباد» الذى تكرم بالتعريف بيننا يتابع الحوار ويشارك فيه، إن كان ممكنا أن نعقد صفقة نتبادل بمقتضاها «أردوجان» و«مبارك». نأخذ الأول بخبرته فى استنبول، وتأخذون الثانى بحكمته التى دأب الرؤساء الغربيون على القول بإنهم يأتون للقاهرة لتلقى دروسها!

 

كانت إجابته حاضرة، لا تردد فيها، وفى ثناياها روح النكتة المصرية التى يرويها كأهلها: «مش عاوزينه.. خدوا أردوجان ببلاش!».

 

هذه الجملة المفعمة بروح السخرية الشعبية تبدو كاشفة للحقائق ومساراتها. سبقت ثورة يناير بأسابيع قليلة.. ورسالتها فى وقتها صريحة فى أن النظام المصرى فقد شرعيته وهيبته واحترامه أمام اللاعبين الكبار فى المنطقة، ولكن الجملة ذاتها بعد يناير تبدو ــ من منظور آخر ــ أكثر إلحاحا فى إدراك حقائقها.

 

الاستلهام غير الاستنساخ، والإبداع غير النقل، و«المؤسسة» أهم من «الرئيس».. يمكن لتركيا أن تواصل صعودها بلا «أردوجان»، ولكنها لا تحتمل التخريب المنهجى لمقدراتها وأدوارها على نسق «مبارك».

 

ظلال الرجلين ــ «مبارك» و«أردوجان» ــ حاضرة فى المشاهد المصرية المرتبكة. مواريث «مبارك» ثقيلة وغليظة فى بنية الدولة والمجتمع، تناقض الثورة وتحاول أن تضع سقفا للتغيير فى مصر، التى لا تبدو فى الوقت نفسه مرشحة لاستلهام تجربة «أردوجان» فى أوضاع أزماتها التى تتوالد وتتفاقم بمعدلات متسارعة.

 

فى قلب المشهد السياسى يقف رجلان من جيل واحد، ومن تيار سياسى واحد، طباعهما تختلف وأفكارهما تتباين، يحاول كل منهما أن يستلهم على طريقته تجربة «أردوجان».

 

الأول، الدكتور «عبدالمنعم أبوالفتوح» المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية، الذى تتصاعد حظوظه فى انتخاباتها.. والثانى، المهندس «خيرت الشاطر» نائب المرشد العام لجماعة «الإخوان المسلمين»، والرجل القوى الذى تتجمع عنده خيوطها.

 

الأول، هو المؤسس الثانى للجماعة بعد مؤسسها الأول «حسن البنا»، ودوره محورى فى ضخ دماء جديدة من جيل جديد فى شرايين جماعة كانت تحاول فى مطلع السبعينيات أن تستعيد حضورها العام، وكسب مع جيله معركة النقابات المهنية فى الثمانينيات. تطورت على نحو لافت أفكاره وإطروحاته، وفارقت بمضى الوقت الخطاب الرسمى للجماعة والرؤى المحافظة فيها، بما أدى إلى قطيعة وفراق وفصل من عضويتها. لسنوات طويلة مانع «أبوالفتوح» فى دعوات ألحت عليه للخروج من الجماعة، وكان يرى ذلك مستحيلا، تحمل إسقاطه فى انتخابات جرت داخل مجلس الشورى لاختيار أعضاء مكتب الإرشاد الجديد، ولم يكن يتصور أن يفصل من الجماعة تحت أى ظرف. هو رجل عمل عام له حضوره الشخصى وعلاقاته بالتيارات السياسية والشخصيات العامة موصولة وشعبيته اكتسبها من انفتاحه الفكرى والإنسانى.

 

الثانى، هو الوريث التنظيمى لأقدم جماعة سياسية فى العالم العربى، عنده تتبدى الولاءات وهيبته تصل إلى نوابها، الموارد المالية يشرف عليها، مال إلى الظل والعمل فيه لسنوات طويلة، وامتنع عن الإدلاء بأية أحاديث صحفية فى سنوات «مبارك»، باستثناءات محدودة، يجيد الحديث فى حلقات ضيقة. وهو الآن المحاور الرئيسى للإدارة الأمريكية والمجلس العسكرى. وصفه قائد عسكرى حاوره: «رجل أفكاره مرتبة ويعرف ما يقول»، وهو الانطباع نفسه الذى تولد عند المفكر الفلسطينى الدكتور «عزمى بشارة» عندما التقاه فى حوار مطول بالقاهرة، ولكن صورته العامة ــ كرجل سياسة ــ غامضة وتثير تساؤلات.

 

الأول، يقول عن نفسه: «أنا ناصرى اجتماعيا»، قاصدا أنه من أسرة فقيرة وصلت إليها الإنجازات الاجتماعية لتجربة «جمال عبدالناصر».. والثانى، بدأ حياته السياسية فى منظمة الشباب الاشتراكى الناصرى.

 

الأول، انفتح على التجارب المصرية، بما فيها التجربة التى استفاد منها ولم ينتم إليها أبدا.. والثانى، أوصد أبواب تواصله مع التجارب والأفكار الأخرى، بما فيها التجربة التى انتمى إليها شابا. و«الشاطر» ــ من هذه الزاوية ــ يقترب ويبتعد فى الوقت ذاته عن الشيخ «راشد الغنوشى» زعيم حزب «النهضة» فى تونس، الذى انتمى بدوره للحركة الناصرية فى عنفوان شبابه قبل أن يغادرها للتيار الإسلامى، ولكنه استفاد ــ على عكس «الشاطر» ــ من هذه التجربة المبكرة فضلا عن تجربته فى الغرب ــ فى إضفاء جو من الحداثة والتجديد على الفكر الإسلامى فى تونس.

 

الاثنان ــ «أبوالفتوح» و«الشاطر» ــ لديهما الطموح ذاته فى احتذاء «أردوجان». الأول، بتركيبته الفكرية المنفتحة الأقرب إلى المزاوجة بين مدنية الدولة وهويتها الإسلامية.. والثانى، بشخصية رجل الأعمال وطموحاته لنجاح اقتصادى مماثل عند توليه رئاسة الحكومة.

 

التنافس الطويل بين الرجلين انعكس على منافسة فى الصورة والنموذج والدور.

 

الأول ــ رهانا على قدرته فى اجتذاب العقول والقلوب معا، واعتمادا على حملته الانتخابية الرئاسية، التى تبدو ــ مع حملة «عمرو موسى» ــ الأكثر تنظيما، بمعنى أن يكون هو «الرجل قبل النموذج»: «أردوجان مصر».. يستلهم تجارب الآخرين ولا يستنسخها.

 

والثانى رهانا على قوة الجماعة ونفوذها السياسى ووزنها البرلمانى فى الدفع به ــ بعد التغلب على عوائق قانونية تحول دون توليه رئاسة الحكومة ــ أن يكون هو النموذج ذاته الذى يمثله «أردوجان» اقتصاديا لا سياسيا وثقافيا: «النموذج قبل الرجل»، فمواصفاته الشخصية لا تؤهله للزعامة، ولكنها قد تدفعه للعب دور رجل دولة.

 

الرجلان تنافسا داخل الجماعة، وانتهى التنافس إلى صراع، والصراع إلى صدام وصل إلى فصل «أبوالفتوح»، لكنه لم يهاجمها أو يعرض بها. توقى أن يدخل فى مشاحنات معها، ولكن أطرافا أخرى حاولت أن تتحرش به وأن تنقض عليه مما استدعى تدخلا من الشيخين «يوسف القرضاوى» و«راشد الغنوشى»: «دعوا الرجل فى حاله ويكفى ما جرى».

 

المشكلة الكبرى أمام الجماعة، وهى تقترب من حسم اختياراتها فى مسألة دعم أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية، عنوانها: «عبدالمنعم أبوالفتوح». فصلته بسبب خرقه لقرارها بعدم ترشح أحد أعضائها لرئاسة الجمهورية، ثم أكدت أنها لن تؤيد مرشحا إسلاميا للرئاسة، قبل أن تعود لتقول إنها لن تقبل إلا بمرشح له خلفية إسلامية، وتعددت الاجتهادات والتفسيرات. ذهبت تعرض المنصب على المستشار «طارق البشرى»، ولكنه اعتذر، وبدت حائرة فى اختيار مرشح رئاسى يضمن سلامة بنيانها التنظيمى، فشباب الجماعة عازم بأغلبية ظاهرة على دعم حملة «أبوالفتوح»، ولكن قيادتها لا تريده ولن تدعمه.

 

فى التنافس على المستقبل بين رجلين تفرقت بينهما السبل يبدو «خيرت الشاطر» متأهبا للعب الدور نفسه، الذى يطمح إليه «أبوالفتوح»، لكن من بوابة «مجلس الوزراء». التنافس بين الرجلين تعدى الجماعة وخلافاتها إلى السياسة ومسارحها. لدى «الشاطر» تصورات لإدارة الدولة، أرسل وفودا إلى وزارات رئيسية تتقصى أحوالها وتحاور الصف الثانى من قياداتها، وعنده تطلع إلى التجربة التركية لاستلهام «مشروع النهضة» فيها، وهى فكرة مغرقة فى تحليقاتها، فالأحوال التركية تختلف عن الأحوال المصرية.

 

تركيا تحتل المركز السادس اقتصاديا فى أوروبا والسابع عشر على مستوى العالم.. ومصر فيها أزمة اقتصادية تنذر بانهيارات محتملة مع تزايد أحجام الدين العام الداخلى والخارجى، وتفاقم العجز فى الموازنة العامة، وانخفاض حجم الاحتياط لدى البنك المركزى إلى النصف، وهو وضع خطير لخصه الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فى رقم واحد: (٥٠٠) مليون جنيه حجم العجز اليومى!

 

المشكلة ــ من هذه الزاوية ــ تتعلق بـ«الإنقاذ» قبل «النهضة»، منع السقوط قبل الحديث عن مقتضيات الصعود.

 

ثم إن تركيا استقرت تجربتها السياسية والقواعد التى تحكمها، وتأسست طبقة سياسية تدرك طبيعة مهامها ولغة حوارها، بينما الحوار فى مصر تحكمه مهام تغلب عليها المراهقة السياسية ولغة تنفلت عباراتها.

 

التنافس بين رجلين من موقعين مختلفين يدخل فى تعقيدات المشهد السياسى، لا يحكمه ولكنه يؤثر فيه. والمعضلة فى سباق إنسانى وسياسى أن اللعبة السياسية كلها لا تحكمها قواعد، ولا يضمنها دستور، ولا تصونها شرعية، ولا تحميها أوضاعا اقتصادية مستقرة، والاحتمالات كلها مفتوحة، ومن بينها أن يصدر حكما من «الدستورية العليا» بحل البرلمان، وحزب الأكثرية فيه يعلن أنه ملتزم بما يصدر من أحكام دستورية، ومستعد لخوض الانتخابات من جديد وفق قانون انتخابى آخر يتحاشى المثالب الدستورية. وهو كلام إيجابى، لكن نتائجه تقودنا إلى النقطة صفر من جديد، ويكون محتما ــ فى هذه الحالة ــ الدعوة إلى جمعية تأسيسية منتخبة لوضع دستور جديد، والإسراع بانتخاب رئيس للجمهورية وفق دستور (١٩٧١)، مع التعديلات التى أدخلت عليه وفق استفتاء مارس. وهو حل عملى، ولكنه يسند للرئيس القادم نفس الصلاحيات الدستورية التى كان يتمتع بها «الفرعون الأخير».

 

الحوادث تتلاحق بما يدعو للتساؤل عن مغزاها وما تنطوى عليه من ألغاز.. ففى يومين متتاليين تعرض «أبوالفتوح» لاعتداء مسلح من ملثمين على الطريق الدائرى وصفته السلطات الأمنية بأنه «حادث جنائى»، ولحقه الدكتور «حسن البرنس» وكيل لجنة الصحة فى مجلس الشعب، وهو مقرب بطبائع الأمور إلى «الشاطر»، إلى واقعة مماثلة كادت تودى بحياته ووصفته السلطات ذاتها بأنه «حادث مرورى».

 

المثير فى الحالتين أن الافتراض «الجنائى» لا يلغى الافتراض «السياسى»، المشاهد تؤكد الأول والأجواء تزكى الثانى. وهنا صلب الأزمة المصرية فى صورتها المتفاقمة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved