شائعة قبل الساعة الثالثة

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 26 يونيو 2012 - 8:40 ص بتوقيت القاهرة

عادت الأيام لتواصل النهارات بالليالى فى جو من القتامة يزداد سوادا مع إصدار شائعة جديدة.. ضجت اللحظة بعدد تلك الأقاويل والشائعات هكذا تسمى رغم أن البعض يحولها مع التكرار المستمر إما عبر شبكات التواصل الاجتماعى وإما التواصل الشفهى والهواتف النقالة الى حقيقة واضحة فى مشهد لا يمكن وصف تضاريسه سوى بأنه شديد الضبابية..

 

هى حرفة البعض ولكنها لا تنتشر الا عندما تفقد كل وسائل التواصل القيام بدورها ولا تزدهر إلا فى المجتمعات قليلة الديمقراطية كثيرة الشك. كنا نقول قبل الربيع الذى سرعان ما تحول الى مجرد كليشيه يردده من أطلق التسمية وأكثر منها حتى إننا صدقناه، إنه دون حرية حقيقية لإعلام حقيقى لا مساحة إلا للشائعات.. وهكذا كان وجاء ذاك الفصل الذى انتظرناه طويلا كما قال شاعرنا البحرينى ذاك فى مناسبة أخرى «وانتظرناك طويلا أنا والليل وجدران المدينة...» وانطلقنا نغرد لا فى السر وبعيدا عن أعين الرقيب ولكن فى العلن، أو هكذا توهمنا.. وما إن كثر الحبر على الورق والحروف والكلمات فى الفضائيات حتى اكتشفنا أن ذاك الربيع لم يصل الإعلام بعد بل على العكس بقى هذا الصوت الوحيد الذى تطل منه رءوس كثيرة تنشر الخوف تارة والترهيب أحيانا وتنثر السم المغموس فى الشهد! وهى نفسها التى ساهمت بخلق ذاك المناخ من السواد والوجوم عندما راح خبراؤها ومحللوها فى تحدى الطبيعة حتى خيط النور الأول.. لم يعرف أحد من أعطى هذا صفة الخبير وذاك المحلل وهم لا يقومون إلا بتحويل الأبيض للأسود وإشاعة الكثير من الخوف والجهل والتخلف عندما تصبح الإشاعة الآتية من الداخل أو الخارج حقيقة على ألسنتهم ومقالاتهم..

 

●●●

 

جلس العالم بأكمله يراقب فى شغف الإشاعة القادمة من عاصمة العواصم تلك التى فتحت بابا جديدا فى التاريخ الحديث وعلمت الكون الحرف الأول فى الحرية والمعرفة والحب.. نعم هى التى أيضا خلقت للحب معنى آخر غير ذاك الذى يرددونه بسماجة وملل.. كيف حولوا عاصمة المعرفة الى مجرد مدينة تخزن الشائعات وتعلبها نهارا لترسلها ليلا على شكل «توك شو»؟! ويقف الكون أكثر وأكثر اندهاشا ما الذى حدث لتلك المدينة.. أين ارتحل ناسها الأصيلين أولئك الحاملين العقل والقلب معا.. العاشقين للمعرفة المرددين أنها فوق الجميع ولها نحيا؟؟ هى التى علمتهم جميعا كيف تكون تضاريس الثورات وما لها تحولت إلى أرض مشاع للعشوائيات من الشائعات؟

 

راحت غيمة سوداء تلوح من بعيد.. وقفت طويلا فوق تلك المدينة التى لا تعرف معنى النوم ليلا والعيش نهارا.. انتشرت الغربان تحتها فهى الأخرى تبحث عن لون شبيه بها.. ازداد النهار سوادا كلما اقتربت الساعة ربما من الثالثة.. عند الثالثة قالوا ورددوها وراح البعض الذى استمع بكثرة وشغف «لهم» راحوا يجمعون الخبز والماء المقطر ويكدسونهم وكأن الحرب قادمة لا محالة.. هى مشاهد مخالفة لتلك التى عشتها قبل سنين طويلة فى كثير من الحروب لأن الكلمة أشد قتلا من الرصاصة والقنبلة أحيانا هكذا علمونى.. فى مدن الحروب العادية وليست حروب الشائعات تبدأ بالتعرف على تضاريس الحرب ومن ثم تبدأ فى تحسس أيامك.. تستيقظ فى الصباح لترسم خارطة ما لمسارك وليس ل«طريقك» تلك الكلمة البغيضة.. هناك من عاش قبلك ما يشبه هذه الحرب، تفتح الكتب وربما تنقر على «الكى بورد» وتحلق فى سماء الشبكة لتجد مشاهد وصور وحكايات تعلمك كيف تعيش حربك أو ربما تتعايش معها.. هناك حياة مع الحرب بل بالقرب منها ولكن تفقد الحياة طعمها مع حرب الكلام وتتحول الى وجبة شديدة المرارة.. شىء من هذه الحرب لا يشبه أى حرب أخرى. كلما أسقطت شائعة فى سلة المهملات وقررت مسحها من الدماغ كلما استفاضوا فى الجديد من القصص والحكايات.. كلما حاربتها بالعلم او ربما باللامبالاة طاردت كالأشباح الخارجة من صناديق الذكريات.. هكذا عاش أهل هذه المدينة الانتظار المغلف بطعم الشائعة وهو بالتأكيد الأكثر مرارة من الحقيقة الصعبة.. ربما يأتى ربيعهم يوما ربما!!!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved