دور مصر عربى بالضرورة

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 26 سبتمبر 2012 - 8:25 ص بتوقيت القاهرة

يعيش الإسلام السياسى هذه الأيام مشغولا بهاجس السلطة التى وجد نفسه قريبا منها مما يغريه بالاستيلاء عليها والتفرد بها، أكثر مما تشغله الإفادة من هذه الفرصة التاريخية لتقديم نفسه كعامل توحيد لقوى التغيير على قاعدة برنامج مشترك للنهوض بالبلاد والتخلص من التركة الثقيلة لدهر الطغيان.

 

ولقد تكشفت هجانة التسمية الأمريكية لهذه الفورة الشعبية بـ«الربيع العربى» حين رفعت الأنظمة الجديدة الشعار الإسلامى محاذرة التلفظ بأى موقف يوحى بأنها معنية بالقضايا العربية ذات الأهمية الاستثنائية والتى كانت تشغل بال «شباب الميدان» فى مختلف العواصم، وتحديدا فى تلك التى نجح «الإسلاميون» فى الوصول إلى سدة السلطة فيها بوصفهم أكبر أقلية منظمة.

 

●●●

 

فلا فلسطين، قضية مقدسة، ولا مصير شعبها المشرد خارجها أو الأسير فى داخلها تحت الاحتلال الإسرائيلى، ولا مشاريع التوسع الاستيطانى المحقق لشعار «دولة يهود العالم» الذى بات منهجا ثابتا للحكم فى هذا الكيان الذى أقيم بالقوة على أرض الشعب الفلسطينى،

 

.. ولا التدخل الأمريكى الفظ فى الشئون الداخلية للدول التى أوصلت الانتفاضات الشعبية قوى الإسلام السياسى إلى السلطة فيها، نتيجة تبعثر قوى الميدان وعدم انتظامها فى جبهة سياسية ذات برنامج مشترك للتغيير.

 

.. ولا التركة الثقيلة التى خلفها حكم الطغيان وبين عناوينها الفساد الشامل والخراب الاقتصادى والتشويه الثقافى وتدمير التعليم من الروضة وحتى الجامعة، والتى يبرز دور مؤكد للنفوذ الأمريكى فيها باعتباره مرجعية العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد الجديد.

 

لا واحدة من هذه القضايا الخطيرة تبدت مصدرا للقلق وبالتالى عنوانا لخطة ما، تدبير ما، لمعالجتها أو التصدى لنتائجها، بما يحقق شعارات التحرر واستعادة السيادة والقرار.. فأنظمة الطغيان جميعا كانت فى حماية الهيمنة الأمريكية أو تحت رعايتها المباشرة حتى الدقائق الأخيرة من الساعات الأخيرة قبل سقوطها المدوى.

 

ربما لهذا كله، أصاب الأنظمة الجديدة ارتباك عظيم فى مواجهة الفيلم التافه الذى أنتجه أمريكيون ــ إسرائيليون وروج له واحد من باعة أوطانهم، تصادف انه قبطى مصرى، والذى يتعرض للدين الإسلامى ويعرض بنبيه العربى الكريم.. وهكذا تخلوا عن النزول إلى الشارع، فتركوه للسلفيين، وعن «القرار» فتركوه لواشنطن التى ردت ذات يوم على «تدمير البرجين» فى نيويورك بأن أعلن رئيسها السابق تجديد الحرب الصليبية!

 

ليس الفيلم التافه «قضية» ولا يجوز ان يكون.

 

●●●

 

القضية هى التوجهات السياسية التى تعتمدها الأحزاب التى استخدمت الشعار الإسلامى للوصول إلى السلطة، والتى لا تزال تعتمد الغموض فى مواقفها، علما بأن «الشارع» سوف يحاسبها من خلال قربها أو بعدها عن مطالبه، سواء تلك المتصلة بحياته اليومية، أو تلك التى تؤكد له أن الانتفاضة قد أعادت إلى بلاده كرامة قرارها الوطنى المستقل واعتماد النهج المؤكد لخروجها من دائرة النفوذ الأجنبى، سواء فى سياستها الخارجية أو فى اقتصادها فضلا عن شئونها الاجتماعية وهمومها الثقيلة.

 

وليس المطلوب القطيعة مع الولايات المتحدة الأمريكية، مثلا، ولا المطلوب إعلان الحرب على إسرائيل، غدا،ولا المطلوب تصدير الثورة إلى سائر الأقطار العربية ومساندة حركات التحرر فى آسيا وأفريقيا.

 

المطلوب، بداية، استبعاد سياسة الهيمنة على القرار الوطنى عبر رفع الشعار الإسلامى فى وجه الشركاء فى الميدان والانتفاضة الشعبية التى أسقطت نظام الطغيان.. خصوصا وأن لهذا الشعار تطبيقات شتى تختلف فى القاهرة عنها فى تونس وعنها فى ليبيا خاصة التى «تستولد» فيها قيصريا تنظيمات إسلامية ليس لها تاريخ مميز فى النضال من أجل التغيير.

 

والمطلوب، بالتالى، تسريع العمل لقيام جبهة وطنية متماسكة من القوى الحية فى المجتمع، بينهم بطبيعة الحال من لهم تاريخ فى مواجهة الطغيان ومن اجل التحرر الكامل من الارتهان للأجنبى.

 

●●●

 

لم تعرف البلاد العربية «نظاما إسلاميا» قابلا للحياة.. فما فيها من أنظمة ترفع الشعار الإسلامى هى النموذج المجسم للطغيان عن طريق قهر الشعب بذريعة تطبيق الشريعة بواسطة «المطاوعة».

 

كذلك لم تعرف البلاد ذات الأكثريات الإسلامية نظاما ديمقراطيا يعتمد الإسلام منهجا فضلا عن اعتماده شعارا.

 

لم يكن الإسلام كدين منهجا فى أى يوم.. وحتى من حكموا بشعاره فى الماضى، باستثناء الخلفاء الراشدين فقد مارسوا السلطة كملوك أو كأباطرة.

 

وليس بغير معنى ان الذاكرة الشعبية لا تحفظ من أسماء «الخلفاء» الذين صاروا أقرب إلى الملوك أو الأباطرة الذين كانوا يحكمون فيتحكمون بالشعوب قبلهم، إلا قلة قليلة ممن اعتبرتهم «صالحين» و«من أهل العدل».

 

لقد انتهى عصر الدولة الدينية.. ولم يتبق من نماذجها إلا دولة الفاتيكان التى تشكل مرجعية دينية قد يكون لها بعض النفوذ السياسى ولكنها لا تحكم ولا تمارس السلطة، وقد اقتضى نزع السلطة منها شن أكثر من حرب غيرت مصائر دول فى أوروبا، ولعلها استولدت دولا لم يكن لها وجود من قبل.

 

●●●

 

ومع التقدير لخصوبة النقاش فى مصر، على وجه الخصوص، حول طبيعة النظام الذى يليق بتضحيات شعبها العظيم من اجل حريته وتقدمه والدور القيادى لبلاده فى محيطها، وهو حق محفوظ لها بقدر أهليتها على ممارسته، فإن التخوف ما زال قائما من احتمال اللجوء إلى الإقصاء والاستبعاد لقوى ذات ثقل شعبى، برفع الشعار الإسلامى فى وجهها، وكأن جمهورها الواسع لما يهتد إلى الدين الحنيف.

 

بالمقابل فإن غياب أو تغييب قضايا جوهرية كفلسطين، وبالتالى الاحتلال الإسرائيلى لأرضها وقهر إرادة شعبها، هو تفريط بالمقدس من دماء الشهداء المصريين على أرضها، وهو تخل عن دور عربى مرصود لمصر فى قيادة العمل العربى فى مرحلة ما بعد عودة الوعى إلى قمة النظام السياسى فيها.

 

وإذا كان الجمهور العربى قد اخذ على الرئيس المصرى محمد مرسى تصرفه المرتجل والذى كان أشبه برد فعل على مضمر لم يعلنه، خلال قمة عدم الانحياز فى طهران، فإن هذا الجمهور ذاته قد استقبل بتقدير إصرار القاهرة على عقد اللقاء الرباعى ــ الذى كان قد اقترحه ــ لتدارس الخطوات الواجب اتخاذها لمحاولة إطفاء الحريق فى سوريا الذى ينذر بمسلسل من الحروب الأهلية العربية بلا نهاية. وبالمقابل فإن هذا الجمهور لم يتقبل قرار السعودية بمقاطعة هذا اللقاء، بمعزل عن مبرراتها التى احتفظت بها لنفسها.

 

إن سوريا هى الآن الجرح العربى النازف، ولا بد من المبادرة إلى مساعدتها للخروج من محنتها القاسية، اقله عبر العمل للحفاظ على وحدة كيانها السياسى، ولو فى دولة مهدمة الجنبات، متصدعة المؤسسات تهدد شعبها الفتنة فى وحدته وتقسيمه أديانا وطوائف ومذاهب مقتتلة.

 

وتدرك القيادة المصرية بالتأكيد أبعاد هذا الصراع الدموى المرعب الذى تشهده سوريا بين نظام متجبر وبين معارضات موزعة الولاء على قوى عديدة، فيها الأجنبى الطامع فى استعادة هيمنته على المنطقة، وفيها أنظمة عربية يتآكلها الحقد أو تحركها الرغبة فى الهيمنة بمالها وطموحها لأن تكون الوكيل الحصرى للمصالح الأمريكية ــ الإسرائيلية المشتركة، فضلا عن العدو الإسرائيلى الذى لا يخفى مشروعه التوسعى الذى يلغى وجود فلسطين وشعبها.

 

●●●

 

من هنا ضرورة أن تواصل القاهرة سعيها أقله من اجل حصر الكارثة القومية، ومن ثم معالجة أسبابها، مستخدمة دورها المفتقد والذى لم تعوضه فيه أى من الدول العربية الأخرى. ولعل اللقاءات على هامش التئام الجمعية العامة للأمم المتحدة تتيح الفرصة لمناقشات واسعة مع مختلف القوى والأطراف ذات التأثير، تنتهى إلى صياغة مقترح لحل قابل للتنفيذ.. قبل أن تلتهم النار ما تبقى من سوريا ثم تنتقل إلى جوارها الأقرب فالقريب ومن بعد إلى من يتوهم أنه فى منجاة لأنه فى البعيد البعيد.

 

وذلك أجدى بالتأكيد من اتخاذ قرار بحجب الفيلم الأمريكى التافه المسىء إلى كرامة النب... فكرامة النبى مصونة لا يطالها عمى المتعصبين أو أغراض الطامعين.

 

وكرامة هذه الشعوب العربية ــ الإسلامية المقهورة بالطغيان والتبعية والإذلال الوطنى هى الموضوع وهى الأساس فى انتفاضات الميدان مغربا ومشرقا وبين بين.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved