انتفاضة بنماذج متعددة فى الطريق إلى الزمن العربى الجديد

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 26 أكتوبر 2011 - 10:00 ص بتوقيت القاهرة

يضج الشارع العربى بطوفان من الأسئلة حول «الثورة»، وقد تعددت أمامه نماذج الانتفاضات الشعبية بشعاراتها التى تتوحد حول إسقاط حكم الطاغية ثم تفترق بعد ذلك، وقد تتناقض فى تصورها للنظام الجديد. ذلك أن «الثوار» متعددى المنابت الفكرية والتوجهات السياسية لا يملكون نموذجا موحدا للنظام الذى يريدون.. فلا الظروف العامة ولا أحوالهم الخاصة كانت تسمح لهم بوضع مثل هذا التصور من قبل، فذلك ترف فكرى لم تكن تتيحه ظروف ما قبل إسقاط الطغيان. لقد تسارعت الأحداث متجاوزة حسابات «الميدان» واستعدادات الثوار، واندفع «الشارع» إلى أبعد مما كانوا يقدرون.. ثم إن أنظمة الطغيان، عموما، تكشفت عن نقص فى القدرة على الصمود، فى تونس بداية وبعدها فى مصر خاصة، ولعل بعضها قد باغت الثوار بالسقوط قبل أن يكونوا قد استعدوا لمرحلة ما بعد عهدها الطويل، وأعدوا مشروعهم المتكامل للعهد الجديد.

 

صحيح أنه كان لحكم الطغيان، فى مختلف الأقطار العربية، سمات مشتركة كالفساد المستشرى واهتراء أجهزة الدولة الأمنية منها المتخصصة بل والمتفرغة للمطاردة الدائمة لكل القوى التى يحتمل أن تكون معارضة أو قد تتحول إلى المعارضة، ومنع أى تلاق بينها، ودس العناصر المخربة بين صفوفها، فضلا عن محاولة شراء اللامعين من المعارضين بالمناصب أو بالمنافع أو بالطرد المريح، كأن يختار بعضهم لتمثيل بلادهم فى مؤسسات دولية فى الخارج.

 

●●●

 

وصحيح أن «الخارج» كان يساعد أنظمة الطغيان فى كشف التيارات المعارضة ونواة القوة التى تتوجه نحو تنظيم صفوفها، وتقديم الرشاوى لبعض هؤلاء عن طريق المنح الدراسية أو إغوائهم بفتح مكاتب للدراسات المتخصصة وتكليفهم بأبحاث تتصل بتفاصيل قد لا تبدو لهم مهمة ولكنها مفيدة لطالبها المهتم بدراسة المجتمع المعنى بفئاته المختلفة والبيئات الفقيرة على وجه الخصوص.

 

وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد كلفت جهة أمريكية رسمية بحاثة معروفين، فى مصر بدراسة عن الأحوال الاجتماعية للمناطق المحيطة بثكنات الجيش المصرى فى الأحياء الفقيرة من القاهرة.. ولم يجد الباحثون سببا لرفض مثل هذا العرض المغرى، أو حتى للتدقيق فى الهدف المقصود منه: فماذا يمكن أن يكون من الأسرار الحربية فى بولاق الدكرور، مثلا؟!

 

بالمقابل فإن هذا «الخارج» لم يكن ليمانع أو يبادر إلى التصدى لحماية أى نظام عربى يرى انه فقد شعبيته فى الداخل، ولم يعد لديه ما يقدمه.. خصوصا وأن قوى المعارضة المحتلمة لا يمكن ان تكون من المتطرفين سياسيا أو دينيا، ثم إن الاتحاد السوفييتى بمعسكره الاشتراكى الداعم لثورات الشعوب قد اندثر مخلفا مزيدا من اليأس أو العجز عند القوى المؤهلة، نظريا، للتصدى لعملية التغيير.. فضلا عن أن أى نظام جديد سيكون محتاجا للمساعدة على إعادة بناء الدولة التى دمرها الطغيان بهياكلها العسكرية ومؤسساتها الإدارية، والى عون اقتصادى قد يتخذ شكل القروض أو الإعانات فضلا عن الخبرة الفنية وطوابير الخبراء المتخصصين فى مختلف المجالات، والذين يمكن اقتطاع رواتبهم من أصول القروض نفسها أو من إضافتها اليها.. هذا إذا ما قفزنا عن دورهم المحتمل فى إعادة صياغة الدول بما يناسب المانح والمعين!

 

وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد حاول الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى أن يتبدى وكأنه راعى انتفاضة البوعزيزى فى تونس، مفترضا انه قد آن الأوان لاستعادة الموقع الممتاز فى «المستعمرة» القديمة.. ولكنه سرعان ما هدأ من اندفاعته حين فوجئ بوزيرة الخارجية الامريكية هيلارى كلينتون تهبط على تونس وانتفاضتها وتلتقى رهط «المسئولين المؤقتين» فيها من رجالات «العهد المباد» الذين اضطرت الانتفاضة إلى الاستعانة بهم فى المرحلة الانتقالية.. ولقد تنصل معظم هؤلاء من «صداقة» فرنسا قبل صياح الديك، وجلسوا اليها يحاورونها باللغة الإنجليزية الوافدة ويخرجون من «فرنسيتهم» اليها مرحبين. وكان على ساركوزى أن يعترف بأن الحلفاء الأمريكيين قد سبقوه إلى تونس بعد ما فتح لهم زين العابدين بن على الأبواب، مطمئنا الصديق الفرنسى القديم إلى أن مصالحه ستكون فى الحفظ والصون، ولكنه يحتاج إلى المساندة الأمريكية لتأمين المساعدات العربية التى هو فى أمس الحاجة اليها.

 

على أن الأمريكيين لم يظهروا لـ «بن على» الحد الأدنى من الوفاء المتوقع لصديق قديم، بل إنهم لم يترددوا لحظة من التنصل منه حين فر هاربا أمام غضب الثوار، ثم فى احتضان الانتفاضة والتحدث عنها وكأنهم آباؤها الشرعيون. كذلك فإن الإدارة الأمريكية تركت ساركوزى يتصدر الدعوة لنجدة «ثوار ليبيا» فى انتفاضتهم ضد معمر القذافى وطغيانه، ثم لجموا اندفاعته وكلفوا الحلف الأطلسى بالمهمة مقدمين المساعدة الحاسمة والتى لا يملكها غيرهم: الطائرات من دون طيار لقصف قوافل الدبابات والمدافع وجنود القوات الخاصة التابعين لكتائب القذافى... فما كان من ساركوزى إلا أن أمر طياريه بقصف طائرات الميراج التى كان القذافى قد اشتراها من فرنسا ليجبر «الحكم الجديد» على عقد صفقات مجزية لشراء أسطول بديل من الميراج.

 

●●●

 

الشعب واحد، والميدان واحد، والأكثرية الشعبية الساحقة تريد إسقاط النظام، وهى قد نجحت فى إسقاطه فعلا فى ثلاث من الدول العربية حتى الآن، أولاها تونس وثانيتها مصر والثالثة ليبيا، وثمة أنظمة أخرى فى الطريق إلى السقوط. لكن لكل بلد خصوصياته سواء فيما يتصل بموقف الشعب من الدولة، وليس من النظام، أو فيما يتصل بتصور البديل من نظام الطغيان.

 

ليست تونس كمصر، وليست ليبيا كاليمن، وليست سوريا كالبحرين، أما لبنان فخارج السياق، وأما العراق فحالة استثنائية لها علاج مختلف أكثر تعقيدا وهو بطبيعته طويل الأمد، أما الممالك والسلطنات فيحميها ذهبها الأسود الذى له سحره الخاص على الدول، لا سيما الكبرى.

 

ولقد سقط نظام زين العابدين بن على بأسرع مما توقع أبطال انتفاضة البوعزيزى، والتى تدحرجت كرة نارها بسرعة استثنائية مما دفعه إلى الرحيل قبل أن يستعد «الشارع» لتسلم السلطة والمباشرة ببناء النظام الجديد. لذلك كان لابد من الاستعانة بحجارة البعض من أهل النظام القديم، ممن كان لهم بعض الرصيد الشعبى، أو كانوا قد ابتعدوا أو ابعدوا عن السلطة، فى الفترة الانتقالية التى توجت بانتخابات شارك فيها كل ألوان الطيف السياسى وكانت تجربة مميزة وشهادة نجاح للمجتمع التونسى الخارج من الأسر بانتفاضة شعبية لم يجد أهلها غضاضة فى أن تأتى اليهم وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون مساندة وواعدة بالرعاية.. وعلى حساب فرنسا، مرة أخرى.

 

ليس هناك من نموذج محدد للثورة يمكن استيراده من الخارج. فلكل مجتمع، خصائصه وبينها تجربته السياسية وقواه الحية وطبيعة العلاقات السائدة بين هذه القوى، وقدرات النظام على المواجهة ومدى صلابة أهل الانتفاضة ووضوح الرؤية فيما يتجاوز مرحلة إسقاط النظام.

 

ولكل بلد أسلوبه الخاص فى مواجهة النظام، وفى أهلية القوى السياسية القادرة على الاعتراض عليه والصمود أمامه ببرنامج يستقطب الجمهور لأنه يلبى طموحاته فضلا عن احتياجاته. ثم إن العرب غير موحدين إلا فى عواطفهم.

 

وصحيح أن كل انتفاضة قد استفادت من تجارب الأشقاء لكن لكل شعب تجربته الخاصة عبر تاريخه النضالى وطبيعة النظام القائم. الطغيان واحد.. لكن الثوار ليسوا دائما موحدين داخل كل قطر، وليست برامجهم مشتركة أو متطابقة باستمرار. ولا يصح تعميم نسخة موحدة على التجارب جميعا.

 

●●●

 

لم يعد فى العالم معسكران متنافسان إلى حد العداء. ولم تعد العقائد هى الطريق إلى التغيير. ولم يعد ثمة نموذج أممى يمكن اعتماده فى كل زمان ومكان. ثم ان الأقطار العربية التى تتشابه أوضاعها إلى حد التطابق ممنوعة من التواصل... بل إن أنظمة الطغيان قد أخذتها إلى العداء المتبادل عبر حروب الحدود والتنافس على التقرب من مركز القرار فى واشنطن.

 

وأخيرا هناك النفط... وللذهب الأسود تأثير غير محدود على قرارات الدول ومصائر حكامها الذين قد يصنفون بـ«خطرين» على النظام العالمى.

 

ولو أن لا نفط فى ليبيا لسقط القذافى منذ زمن بعيد. كان النفط مصدر حمايته. يعطى منه فيشترى الدول والرؤساء والأحزاب والمنظمات السرية والأممية! يساوم الدول الكبرى التى تهتم بمصالحها وليس بالأفكار أو أحوال الشعوب.

 

وفى أى حال، ففى حين أن تونس تتقدم بتجربتها على طريق تجديد النظام بالديمقراطية، فإن تجربة ليبيا ستظل مفتوحة على المفاجآت لزمن طويل، حيث لا أحزاب ولا تنظيمات ولا هيكليات فعلية للدولة.. بل إن تهديم الدولة كان احد الأهداف الأساسية لنظام مبتدع «الجماهيرية».

 

وسيمضى وقت طويل قبل ان تبدع الانتفاضات العربية النظام الجديد الذى تطمح إليه الشعوب التى قهرتها الأنظمة القديمة بما يفوق الاحتمال. لكن المهم ان يستمر الجهد من أجل استكمال بناء العهد الجديد، بل الزمن العربى الجديد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved