اللاجئون السوريون بين اعتبارات السياسة والإنسانية

إبراهيم عوض
إبراهيم عوض

آخر تحديث: الأحد 27 أكتوبر 2013 - 8:25 م بتوقيت القاهرة

بعد سقوط النظامين السلطويين فى تونس ومصر فى شتاء سنة 2011 ثارت مجموعات المعارضة السورية على النظام السلطوى السورى، ورويدا رويدا تحولت ثورتها إلى حرب أهلية كاملة الأركان نتجت عنها تحركات سكانية هائلة الأبعاد. ملايين نزحت إلى مناطق غير مناطق سكناها داخل سوريا، وملايين أخرى، تعدَت الأربعة فى الوقت الحاضر، لجأت إلى البلدان المتاخمة والمجاورة، استقبل العدد الأكبر منها لبنان والأردن وتركيا، ووصل عدد لا يستهان منها إلى مصر، تقدِره الحكومة المصرية بثلاثمائة ألف وإن كان المسجلون لدى مكتب المفوضية السامية للاجئين فى القاهرة 121,500 حتى أوائل أكتوبر الجارى. ما هى الاعتبارات التى حكمت استقبال اللاجئين السوريين فى بلدان ملجأهم؟

الاعتبارات عديدة. لا ريب فى وجود الشعور العربى الذى يجعل طبيعيا استقبال العربى المتعرض لمحنة خاصة إن كان سوريا يلجأ إلى الأردن أو لبنان، والتشابك بين مجتمعات البلدان الثلاثة لا يحتاج إلى بينة. فى لبنان، قال لبنانيون إن السوريين «استقبلونا عندما لجأنا إليهم هربا من القصف الإسرائيلى فى سنة 2006، فكيف لا نؤويهم الآن؟». غير أن اعتبارات أخرى دخلت فى الحسابات. المجموعات الدينية المختلفة فى المجتمع الطائفى اللبنانى خشيت على التوازن السكانى فيما بينها فكانت هذه الخشية محددا رئيسيا لمواقفها من اللاجئين السوريين. الأردن خشى من تدفق الفلسطينيين اللاجئين إلى سوريا منذ 1948 فى وسط اللاجئين السوريين لأنهم سيؤثرون فى التوازن السكانى بين المواطنين من شرق الأردن وذوى الأصول الفلسطينية. الموارد المالية الهائلة الضرورية لتوفير الخدمات السكنية والتعليمية والصحية للاجئين السوريين اعتبارات أخرى فى تحديد مواقف لبنان والأردن من أزمة اللاجئين السوريين. لم يكن ممكنا لتركيا إغلاق مقاطعتها الحدودية، وهى أصلا لواء الإسكندرونة العربى أمام العرب السوريين، غير أن تركيا الأردوغانية رأت أيضا فى اسقبال اللاجئين السوريين فرصة لتعزيز دورها القيادى فى المنطقة. عوامل جغرافية وإنسانية وسياسية أثرت فى مواقف بلدان الاستقبال من تدفق اللاجئين السوريين عليها إلا أنه يبقى أن الأردن ولبنان بالذات، وهما البلدان الصغيران، قد أبقيا على حدودهما مفتوحة أمام ما يقارب 8 فى المائة من سكان الأردن و35 فى المائة من سكان لبنان، بينما بلدان فى مناطق من العالم المتقدم تصرخ من وصول بضع الآف إلى سواحلها!

•••

فى مصر استقبل اللاجئون السوريون بترحاب، وكيف لا؟ ليس أبناء بلاد الشام غريبين على مصر. أو لم يشاركوا فى بناء مصر الحديثة عندما هاجروا إليها بعد انفصالها الفعلى عن الدولة العثمانية فى القرن التاسع عشر؟ وألم تكن مصر وسوريا دولة واحدة لثلاث سنوات فى منتصف القرن العشرين؟ ثم كيف لا يرحب الثائرون على السلطوية المصرية بضحايا ثورة على السلطوية السورية؟ الثوار المصريون رأوا فى التطلع إلى الديمقراطية صراعا إقليميا واحدا. فلما وصل الإخوان المسلمون إلى السلطة فى مصر، فى تزامن مع اتساع نشاط جماعات الإسلام السياسى، الوسطى منها والتكفيرى والجهادى، فى النزاع السورى، أعادوا تفسير الثورة السورية واعتبروا أن هدفها إحلال «الإسلام السياسى» محل النظام السلطوى القائم فى دمشق، وبناء على ذلك اتسعت الأذرع المفتوحة لاستقبال اللاجئين السوريين وهمَت المنظمات الاجتماعية للإسلام السياسى فى رعايتهم. القوى الاجتماعية والسياسية غير الإسلامية والإسلامية رحبت فى أوقات متعاقبة باللاجئين السوريين، وهو نفس ما فعلته الدولة المصرية فى ظل حكم كل من المجلس الأعلى للقوات المسلحة والرئيس السابق محمد مرسى.

ثم، فجأة، تبدَل كل شىء. اكتشف المصريون طبيعة الحكم «الإسلامى» وخصومته لمفاهيم الدولة الحديثة فأشعلوا جمرات ثورتهم من جديد وأسقطوا سلطة الإخوان. غير أن تيارات مصرية رأت أن سقوط الإخوان هو سقوط لكل ما كانوا يدعون إليه، كما اعتبرت هذه التيارات أن كل من دافع عنهم الإخوان هم كلهم من أنصارهم بالضرورة. لا بدَ أن بين اللاجئين السوريين أنصارا للإخوان المسلمين فهم عينة من السوريين، ولكنهم ليسوا جميعا ولا أغلبيتهم أنصارا للإخوان، وإلا لكان الإخوان على حق فى زعمهم أن ثورة السوريين هى ثورة من أجل «الإسلام السياسي»! تنسى هذه التيارات المصرية أن الاتجاهات المدنية فى السياسة المصرية هى أول من رحب بالثورة السورية وبالهاربين من النزاع السورى المسلح فى مصر.

التبدل ليس كاملا لحسن الحظ. ولكن نشأت حملات للتحريض الإعلامى تبعتها اعتداءات جسدية ولفظية على لاجئين سوريين وتحرش بأبنائهم. الاعتداءات بالتأكيد ليست معممة ولكنها كانت كافية لكى لا يشعر اللاجئون السوريون بالأمان وليبدأوا فى مغادرة مصر متوجهين إلى لبنان والأردن وتركيا بل وعائدين إلى أتون الحرب فى سوريا نفسها. انعدام الشعور بالأمان، أضف إليه ضعف النشاط الاقتصادى فى مصر وصعوبة ظروف المعيشة، أوصل عددا متزايدا من اللاجئين من سوريا إلى مغادرة مصر عن طريق البحر، وهى مغادرة غير قانونية بهدف الحط على السواحل الأوروبية بشكل غير قانونى كذلك. السوريون ومعهم اللاجئون الفلسطينيون الذين وصلوا إلى السواحل الإيطالية فى سنة 2012 كانوا 350 ولكن عددهم وصل إلى ٢٠١٣ فى أغسطس وإلى 4100 فى سبتمبر 2013. هذا النمو الهائل فى أعداد من وصلوا إلى إيطاليا بينة على محنة السوريين والفلسطينيين الهاربين من سوريا. صحيح أنهم لم ينطلقوا جميعا من السواحل المصرية، فالبعض منهم ركب البحر من ليبيا ومن تركيا، ولكن يبقى أن السوريين الذين ألقى القبض عليهم فى مصر بدعوى المغادرة غير القانونية ارتفع من 48 فى أغسطس إلى 715 فى سبتمبر 2013.

مأساة هى القبض على هؤلاء المهاجرين وتخييرهم بين الإبعاد والاحتجاز الإدارى، والمئات منهم محتجزون بالفعل فى الوقت الراهن، بالرغم من أمر النيابة بإطلاق سراحهم. ولكن المأساة الأكبر هى إطلاق الرصاص على المراكب المتهالكة التى تنقلهم، ما أدَى إلى غرق مركب منها وغرق 12 لاجئا معها فى وقت سابق من شهر أكتوبر. يعجب المراقب من مثل هذا السلوك. قد يكون المنطق من وراء إطلاق الرصاص على من يحاول دخول البلاد بشكل غير قانونى مفهوما، وإن كان غير مقبول إطلاقا. ولكن ما هو الهدف من إطلاق الرصاص على من يحاول مغادرتها، وإن كان ذلك بشكل غير قانونى؟ هل ذلك حماية للاجئين من أخطار البحر؟ هل تحميهم بتعريض حياتهم للخطر، أو باحتجازهم إداريا، أو بإبعادهم؟ فى بلدان المنشأ فى شمال إفريقيا بل وفى منظمات المجتمع المدنى فى أوروبا نفسها، من ينددون بسياسة الهجرة للاتحاد الأوروبى لأنها تقيم حدودها لأغراض الهجرة فى نفس بلدان المنشأ، بعبارة أخرى لأنها تجعل بلدان المنشأ هى التى تراقب سواحلها وتمنع مغادرة المراكب منها إلى السواحل الأوروبية. مثال على تلك الممارسة هو تعاون إيطاليا برلوسكونى مع ليبيا القذافى. يحسب للسياسة الخارجية المصرية، ومنذ أيام الرئيس الأسبق حسنى مبارك، أنها رفضت استغلالها لتحقيق أغراض سياسات الهجرة الأوروبية، ولكن هل تحقق الممارسة الأمنية المصرية تجاه اللاجئين السوريين لأوروبا ما ترفضه السياسة الخارجية؟

•••

للسياسة تجاه اللاجئين أبعادها الأمنية، نعم، ولكن لها أيضا أبعادها المتعلقة بطبيعة النظام السياسى وبالسياسة الخارجية. مصر تريد نظاما سياسيا تعدديا يثق فى نفسه ويحفظ القيم الإنسانية السامية والمشتركة، وهى لا بدَ أن تحرص على أن تلعب أدوارها الإقليمية، العربية والمتوسطية، التى تحقق ذلك من جانب، وتعزز النظام التعددى داخليا وتدعمه، من جانب آخر. ولعل من بين هذه الأدوار أن تقترح مصر إدراج مسألة اللاجئين على جدول أعمال مؤتمر جنيف المزمع عقده بشأن الأزمة السورية، باعتبارها مسألة إنسانية وسياسية تؤثر فى التوازنات الداخلية والإقليمية، وفى السلم فى المنطقة العربية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved