سكينة البياض.. وضجيج الحوارات

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 26 نوفمبر 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

كانت الارض قد ارتدت البياض الناصع.. بدا اليوم بهكذا مشهد واستمر تساقط ذاك القطن الناعم وبشكل متقطع.. مشهد يدعو إلى السكينة رغم سخونة الاحداث. هذا الغطاء الابيض الممتد عند حافة البحيرة ينشر برودة تتسرب إلى اعمق اعماق الجسد المجهد اصلا.. تبقى تلملم جراحك ربما هى الطبيعة تأتى لتساهم فى نشر شىء من البهجة المرتبطة باللون الابيض رغم البرد القارس إلا ان هكذا صباح لا يمكن إلا ان يبعث على السكينة.

•••

يتلاشى البياض مع تقدم ساعات اليوم ربما لأن درجات الحرارة بدأت فى الارتفاع بنسبة بسيطة أو ربما لأن هذه المدينة التى اتشحت بالبياض والسكون كان عليها أيضا أن تحتضن اكثر النقاشات والقضايا تعقيدا.. هى النائمة فى حضن البحيرة تارة وعند سفح الألب مرات تم اختيارها ــ ربما لكل هذه الأسباب مجتمعة ــ لتحتضن اجتماعات ومفاوضات وحوارات غاية فى السخونة.. سخونة الحوارات بقيت محصورة فى الاجتماعات المغلقة وخلف الابواب الصادة لأى قادم أو متطفل. فيما يبقى الآخرون يعيشون حيواتهم المتلاصقة مع تلك الساخنة بكثير من البرود أو ربما بقليل من الفضول.. لا يثيرهم إلا ربما مشهد احد هذه الشخصيات المهمة وهو يتجول فى متاجر الشوكولا الشهيرة يتزود بكثير مما اشتهرت به هذه البلاد وليس المدينة وحدها.. للشوكولاتة فى اوطاننا طعم فقط أما هنا فلها طعم ورائحة، هى للتذوق بكل الحواس.

يبقى المتفاوضون فى غرف اجتماعاتهم لا يخرجون منها إلا للغداء أو بعض الراحة.. جولات متواصلة من المباحثات والصحفيين كعادتهم يبقون ملاصقين للمكان، متسمرين به أو حوله.. أما فى صالات ذاك الفندق الفخم الذى تحكى جدرانه قصصا وحكايات لمفاوضات ونقاشات وحوارات حول مناطق ساخنة من العالم وحول منابع النفط أو يرحلون إلى الخارج حيث درجات الحرارة تسقط إلى ما دون الصفر ليلا.. تطول الجولات وهم، أى الصحفيون والصحفيات، باقون متربصون يحاولون الوصول إلى أى معلومة أو بعض مما يدور خلف الابواب المغلقة!!!

•••

مع ساعات النهار الأخيرة تزداد المساحات الرمادية ليس على الاحاديث ولكن على تضاريس الجو اليومية.. يبدأ البياض فى الاختلاط بطين الارض أو هكذا يبدو كما كل شىء فى هذا الكون، يتلوث بعض الشىء ليس بتراب الأرض ولكن بوسخ النهارات الطويلة والايام المتعبة.. ولكن هذه المدينة كامرأة جميلة فى أواسط العمر تبقى محافظة على بعض من رونقها وجاذبيتها.. كلما اختلط البياض وازدادت رمادية السماء عادت لتطل الشمس أو بعض من اشعتها سارقة للحظات من بين زحمة الغيم المتراكم على امتداد البصر.. فتعود بعض الاشراقة وتتلون اللحظات بألوان الطيف كثير من الخضار حتى إن عينيك تتعب من كثرة التحديق.. نفس تلك العيون التى اعتادت وتربت على تلاوين البنى وتنوعاته هى نفسها القادمة من صفار الصحراء وكثبانها الرملية وزرقة البحر الذى اصبح بعيدا بعيدا هى نفس العيون التى يتعبها الخضار القادم من حبل الارض بعد موسم امطار غزيرة.

•••

يرحل البياض شيئا فشيئا ليس فقط من فوق اوراق الشجر أو على ارصفة الطرق والاعشاب الرطبة بل وحتى عند حافة الحوارات المتعرجة، كثيرة التفاصيل التى يبقى الشيطان متلبسا بها أو ربما يغلفها.. سكينة البياض ما تلبث أن تتلاشى وذاك السكون الذى تلبس القوم يرحل شيئا فشيئا ربما ليس عن كل المدينة بل فقط عند مساحات ضجيج الحوارات الساخنة.

كاتبة من البحرين

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved