المخدرون

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: السبت 26 ديسمبر 2009 - 10:58 ص بتوقيت القاهرة

 تخيلوا أن مائة ألف شخص قرروا الاعتصام احتجاجا على قيام الحكومة برفع أسعار أى سلعة.
المؤكد أن الحكومة سوف تتراجع عن القرار بعد خمس دقائق فقط من بدء الاعتصام.
السؤال الذى يحيرنى منذ سنوات طويلة وربما يحير كثيرين غيرى هو: لماذا لا يقوم المصريون الذين يعانون الأمرين بالاحتجاج السلمى للمطالبة بتغيير حياتهم إلى الأفضل؟

أنسوا هذا السؤال مؤقتا؟، ولنسأل سؤالا آخر وكيف يخرج أكثر من مائة ألف شخص فى وقت واحد ويسهرون حتى الصباح فى الشوارع انتظارا لما قيل إنه ظهور متوقع للسيدة مريم العذراء عليها السلام؟!
وحتى لا يبدو الأمر طائفيا ومتعلقا بالإخوة المسيحين فقط، فكيف يخرج الآلاف فرحا بانتصار المنتخب القومى بمباراة كرة، أو لمهاجمة السفارة الجزائرية ولا يخرج دفاعا عن لقمة عيشه؟!.

هو السؤال الاستنكارى نفسه الذى سأله قبل قرون الإمام أبوذر الغفارى عن تعجبه من قوم لا يجدون قوت يومهم ولا يخرجون شاهرين سيوفهم.

وبما أننى اعتزلت الثورية منذ زمن، لأن الصحة لم تعد تحتمل، فلا أطالب بخروج الناس شاهرين سيوفهم، بل يخرجون فى شكل حضارى ومنظم للمطالبة بتحسين ظروف حياتهم.

إذا كان المواطن يخرج من منزله مهتما بموضوع ميتافيزيقى مثل ظهور العذراء، أو كرامات أى شيخ أو ولى أو دفاعا عن النقاب، فلماذا لا يخرج للمطالبة بحقوقه الأساسية؟! ثم كيف تشجع الحكومة خروج مئات الآلاف وتحرسهم فى الخروجات الغيبية التخديرية، لكنها تنكل بعشرة أو عشرين فردا يطالبون بحقوقهم؟!


قد تكون الإجابة أن الخروج من أجل لقمة العيش والتغيير يتطلب وجود قوى وحركات سياسية منظمة تحشد الناس فى نضال سلمى طويل، وهذا النضال يتطلب ثمنا ينبغى أن يدفعه الذين يطلبونه. المشكلة أننا فى مصر صرنا لا نملك القوى السياسية الحقيقية، أو القادة والكوادر يريدون تحمل فاتورة التغيير وثمنها.

الحكومة هى المستفيد الأول من حالة التخدير التى تعيشها غالبية المواطنين، وهى المستفيد الأول من خروج هؤلاء المغيبين لمشاهدة تجلى العذراء أو الهتاف ضد الجزائر، لكن على الحكومة أن تحذر أن السحر قد ينقلب على الساحر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved