الإخوان يخرجون من الميدان «وعليه»

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 26 ديسمبر 2012 - 9:00 ص بتوقيت القاهرة

قبل ثلاثة أسابيع رحبت بلقاء مع القيادى الإخوانى المعروف الدكتور عصام العريان، وكان فى بيروت للمشاركة فى اجتماع للمؤتمر القومى الإسلامى الذى يضم الإخوان فى ما يضم من قوى سياسية عربية.

 

كنت آمل أن اسمع من هذا القيادى صاحب التجربة السياسية العريضة كلاماً جديداً، بوصفه الآن واحداً من أركان التنظيم المتصدى لقيادة مصر، خصوصاً وأن الدكتور العريان كان يقدم نفسه على انه محاور منفتح الفكر على الآراء الأخرى، ويقدم تنظيم «الإخوان» ــ قبل ثورة الميدان ثم خلالها خاصة ــ على انه قد أفاد من تجربته الطويلة والحافلة بالدروس، وانه الآن «يقبل بالآخر» ولا يرى نفسه صاحب الحق الشرعى المطلق فى الدنيا والآخرة.

 

وللحقيقة فقد وجدت نفسى عاجزاً عن محاورة هذا القيادى العريق فى تنظيمه، والذى عاش حياة سياسية حافلة تمتد من العلاقة مع الرئيس الأسبق أنور السادات بكل ما حفلت به فى ذلك العهد الميمون، وقد كان فيها للإخوان دور ملتبس، إلى أيام حسنى مبارك بكل ما رافقها من تواطؤ وتخل وارتداد لم يصل إلى حد المخاصمة.

 

كان الدكتور العريان يتحدث، ولا يسمع أسئلتى، حتى لقد استنتجت انه يريد أن يبلغنى موقف تنظيمه ورؤيته لحكم مصر فى مستقبلها، لا أن يحاورنى فى ما نختلف، فكرياً، فيه وعليه.. وكان خوفى، على مصر، بعد اللقاء، عظيماً.

 

•••

 

ثم توالت التطورات السياسية فى مصر وصولاً إلى الإعلان عن «إنجاز» مسودة الدستور، فى ظل الملابسات التى رافقت إعداده، ثم تعديله، فى اللحظة الأخيرة، وصولاً إلى الاستفتاء عليه فى ما يشبه «الحرب» التى حشد لها الإخوان وخاضوها وكأنها المعركة الأخيرة قبل إعلان النصر التاريخى على «الكفار» من أعداء الإسلام والمسلمين.

 

هل من التسرع الإعلان عن سقوط تاريخى للإخوان المسلمين كقوة سياسية مؤهلة لقيادة الأمة، بأسرع مما كان متوقعاً، حتى لو تمكنوا من البقاء على رأس السلطة فى هذا البلد العربى أو ذاك. (حتى لا ننسى تونس، مثلا).

 

يمكن القول إنهم قد وصلوا إلى سدة السلطة بأسرع مما كانوا يتوقعون، وبكلفة اقل مما كانوا يقدرون، نتيجة التباسات عديدة أبرزها الانهيار المباغت لأنظمة الطغيان، فى أكثر من دولة عربية، وافتقاد البديل، ثم قدرتهم التنظيمية على توكيد حضورهم، بينما سائر القوى المعارضة كانت مشتتة تفتقد وحدتها خلف القيادة المؤهلة لان تتقدم الصفوف وتقرر خطة التحرك.

 

 ثم أن الإخوان قد كشفوا، وبأسرع مما كان مقدراً، عن نزعة متأصلة فيهم للهيمنة على السلطة بغير شريك، فخادعوا من يرغبون فى تحييده، ولو إلى حين، كالجيش، وتواطأوا مع بعض القوى السياسية ضد من كانوا يرون فيهم الأهلية للقيادة، وتبنوا خطاباً ملتبساً يوحى لخصومهم بأنهم قد تغيروا وخرجوا من صورتهم التقليدية المتزمتة إلى أفق الحوار والتسليم بمبدأ الديمقراطية مع الشركاء فى الوطن حتى لو كانوا من غير المسلمين.

 

•••

 

إن للإخوان تاريخاً حافلاً بالمخاصمات والمهادنات والتواطؤ والانقلاب على الحلفاء إذا ما استشعروا أن لديهم فرصة للتفرد.. وهم فى هذا لا يختلفون عن سائر الأحزاب السياسية، فى المشرق العربى خاصة، التى كثيراً ما تواطأت مع العسكر للقفز إلى السلطة، ثم انقلبت، فور وصولها على حلفاء الساعة الأخيرة، وتفردت بالسلطة بعدما اشترت ولاء القيادات العسكرية بالمناصب والإغراءات وأحكام الإعدام، ميدانيا.

 

لم يستفد الإخوان من تجربة الأحزاب العقائدية التى اتخذت من العسكر سلما إلى السلطة، ثم تخلص «القائد الفرد» من قيادات العسكر، قبل أن يتفرغ لتصفية القيادات التاريخية للحزب تمهيداً للتفرد بالسلطة، بانياً نظاماً قمعياً لا مجال فيه للمعارضة أو الاعتراض، أو للشراكة مع «الرفاق القدامى».

 

 لقد دمرت أنظمة الفرد الواحد أو الحزب الواحد الذى غالبا ما اختصره «القائد الفذ» الدول التى حكمتها، وها هى تلك الأنظمة يتوالى سقوطها بعدما دمرت المجتمعات التى تحكمت فيها. لقد رفعت شعارات الحرية وهى تمارس الاستبداد، وتحدثت عن الاشتراكية ومجتمعات الكفاية والعدل بينما أركانها والأقارب والأنسباء يتوزعون الثروة ويحتكرون وسائل الإنتاج وصولاً الى.. مناطق السوق الحرة.

 

 وعبر معركة إعداد الدستور الانتقالى فى مصر، تصرف الإخوان المسلمون بما لا يخرج عن سلوك أى «حزب قائد» فى تجارب سابقة فى بلدان عربية أخرى: جاءوا بأكثرية ساحقة من جماعتهم، إخوانا وسلفيين ومناصرين، وأقلية من «خصومهم» من أصحاب الأسماء المحترمة.. ثم اندفعوا ينسخون من برامجهم ما يمكنهم من الاستقلال بالحكم منفردين، فلما ووجهوا باعتراض تلك النخبة أحرجوها حتى أخرجوها وتفردوا بالصياغة وهربوا النص الأخير فى ليل. ولتنفيس الاحتقان تم تفويض الرئيس بإجراء بعض التعديلات، ثم تم دفع الدستور إلى الاستفتاء الشعبى.

 

•••

 

لقد حرمتهم أنظمة الحكم الفردى أن يكونوا «مواطنين» فى بلادهم. كل رئيس ــ ملك سلمهم إلى رئيس ــ ملك آخر. وهكذا فان الاستفتاء لم يكن فى أى يوم فرصة للتعبير عن رأيهم. كان مجرد مناسبة لكشف المختلف والمعارض أو حتى المتردد، لوضعه على القائمة السوداء. وما الفرق بين «الدستور» و«الرئيس» طالما أن النتيجة معروفة سلفاً، وإن تأخر إعلانها لتحديد نسبة التأييد اللائقة بكرامة المُستفتى عليه؟!

 

 وفى بلاد تبلغ الأمية فيها نسبة مفزعة، ويتوزع سكانها ــ خارج المدن الكبرى ــ على أرياف فقيرة ومناطق صحراوية نائية، يخاف أهلها السلطة، كيف لهؤلاء الرعايا الذين لم يعرفوا العمل السياسى، بل كانوا ينأون بأنفسهم عن العقائد والأحزاب لأنها قد تعرضهم للمساءلة أو الاعتقال، أن يعرفوا معنى الدستور، ثم أن يقرروا هل يقبلونه أم يعترضون عليه جملة أو عبر التوقف أمام تفاصيله المعقدة ونصوصه التى تحتاج إلى «ترجمة» لكى يفهموا ما تعنيه متصلاً بحقوقهم؟!

 

                لقد حُرم « الأهالى» من نعمة أن يكونوا «شعباً». كانوا فى الغالب الأعم، رعايا.. وبالتالى فهم لم يكونوا أبدا «مواطنين». كل رئيس ــ ملك سلمهم إلى رئيس ــ ملك آخر. وها هو «الرئيس» الذى وصل إلى السدة بفضل «الميدان» الذى احتوى آمال الشعب وطموحاته وأكد قدرته على التغيير، يحاول تثبيت شرعية نظامه الذى يتخذ أكثر فأكثر صورة اقرب إلى «تنظيمه» عبر استفتاء على دستور لا يزال الفقهاء يتجادلون حول صوابية نصوصه وعدالتها وانسجامها مع روح العصر، فكيف لأبناء القرى والدساكر والنجوع وعواصم الأرياف وقبائل الصعيد والصحراء الغربية وسيناء أن يقرروا مواقع الصح والغلط فى هذا الدستور.. بل، قبل ذلك، ماذا يعنى الدستور تماماً، وهل هو الاسم الحركى للرئيس الجديد، طالما أن كل الاستفتاءات السابقة كانت حول شخص الرئيس؟!

 

ثم إن الاستفتاء يمكن أن يتم من دون مقترعين.. فليست الأعداد مهمة، لان النتائج معروفة مسبقاً.

 

•••

 

إن ما وقع فى مصر من جدل حول الدستور، خلال إعداده فى ظروف غير طبيعية، لا يليق بتاريخ مصر العلمى وسبقها إلى كتابة الدساتير التى كانت بين محركات قواها الوطنية وبين اخطر أسلحتها فى مواجهة دكتاتورية الحكم الملكى.

 

  إن المعركة المفتعلة حول الدستور، فى توقيتها كما فى موضوعها، تسىء إلى صورة مصر ــ الانتفاضة، وتضيع الكثير من الدلالات المشرفة التى عبر عنها ميدان ثورة 25 يناير، والتى نشرت جواً من التفاؤل والأمل بالتغيير فى مختلف أرجاء الوطن العربى.

 

 وإذا كان العرب خارج مصر، قد قدروا لقواها السياسية أنها سلمت بشرعية رئيس إخوانى وصل إلى سدة السلطة بأصوات الناخبين، بغض النظر عن أعدادهم، كخطوة واسعة للخروج من أسار نظام الطغيان الذى كان قائماً، فإنهم اليوم أكثر خوفاً على مصير الثورة داخل مصر، ثم حول انعكاساتها على أوضاعهم المتردية فى سائر أقطارهم، مشرقاً ومغرباً.

 

 لا سيما و«الإخوان» لا يتعبون من التأكيد على علاقتهم الخاصة مع الإدارة الامريكية.. وقد زفوا للأمة البشرى: فلقد حددت واشنطن موعداً رسمياً لأول زيارة سيقوم بها الرئيس مرسى إليها واللقاء مع الرئيس الامريكى باراك اوباما.

 

 إن موجة من الحزن تسود فى أرجاء الوطن العربى، نتيجة الخوف على ثورة الميدان التى كتبت الصفحة الأولى فى التاريخ العربى الحديث.

 

حمى الله مصر وشعبها صانع الثورة

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved