العرب يخرجون من الحرب.. وفلسطين.. وإسرائيل تحاول مصادرة غاز لبنان

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 27 فبراير 2018 - 10:25 م بتوقيت القاهرة

يبدو ما تعلمنا أنه «الوطن العربى» فى هذه اللحظة، كأرخبيل من الجزر المتخاصمة، مع تمويه لأسباب الخلاف وتعظيمها حتى حافة الحرب، من دون التفكير بشرحها، من دون شتائم وتجريح واتهامات خطيرة بالمروق أو الانحراف وصولا إلى الخيانة..

لا علاقة أخوة وتعاون بين أى دولتين عربيتين.. لذلك انهارت جامعة الدول العربية، ولم ينفع مجلس التعاون الخليجى، ولا الاتفاقات الثنائية والثلاثية والرباعية، فى تأكيد وحدة المصالح، قبل إعلان الإيمان بوحدة المصير.
ذهبت إلى النسيان تلك المؤسسات التى انبثقت عن الجامعة العربية، أو أنشئت كبدائل منها، والمتصلة بالتجارة والزراعة والسوق العربية المشتركة..

بالمقابل سقط فى بئر النسيان «مكتب مقاطعة العدو الإسرائيلى» بعدما أُسقطت صفة «العدو» عن الاحتلال الصهيونى لفلسطين..

ثم، وبالتدريج، وبعد حروب مكلفة، أُسقطت صفة «العدو» عن إسرائيل، وبدأ مسلسل معاهدات الصلح، بديلا من «الهدنة» التى كانت ترعاها – نظرياــ الأمم المتحدة.. وولدت الاتفاقات الجديدة مجالات للتعاون الحذر فى البداية، والمكتوم غالبا، قبل أن يسقط الحذر وتفتح الأسواق والمطارات والسفارات، فى بعض البلاد العربية، ولو بشىء من التهيب سرعان ما ذهب مع الريح.

وكان بديهيا أن يتم ذلك، بهذه النسبة أو تلك، على حساب العلاقات العربية – العربية، ليس فى المجال السياسى فحسب بل فى المجالات الاقتصادية أيضا.

ولأن «الاتفاقات العربية» مع العدو الإسرائيلى كانت تتم تحت الرعاية الأمريكية (بين كامب ديفيد والبيت الأبيض..) فقد غلبت العلاقة مع الولايات المتحدة على العلاقات الثنائية والجماعية العربية.

***

لم تعد الولايات المتحدة صاحبة السيادة على آبار النفط والغاز، فقط والشريك الأول فى التجارة وسائر الأنشطة الاقتصادية، بل إن واشنطن قد تحولت إلى مركز أو مصدر القرار العربى (إذا ما صح اعتباره عربيا)..
وبعد الحرب الأمريكية على العراق وإسقاط صدام حسين، فى ظل تواطؤ عربى معلن، ارتاحت دول الجزيرة والخليج العربى خاصة، ومجلس أقطار المشرق، من «هاجس» العراق، فانطلقت تعظم من شأن الخطر الإيرانى ليكون الذريعة الإضافية للاحتياج إلى «الحماية الأمريكية»، بالقواعد العسكرية والتعاون الأمنى، من غير أن ننسى أن أرصدة عوائد النفط والغاز مجمدة فى الولايات المتحدة الأمريكية، والقرار فى توظيفها أو تحريكها فضلا عن استعادتها، أمريكى بالمطلق.

كذلك فإن الخريطة العربية قد تشققت بعد حرب العراق: «استقلت» دول الخليج بقرارها، معظمة الخطر الإيرانى بعد الخطر العراقى، مستفيدة من انشغال مصر بأوضاعها الداخلية، ثم اكتملت الدائرة بالحرب فى سوريا وعليها، فإذا المسافة ضوئية بين الرياض ومعها أبو ظبى والمنامة والدوحة، والقاهرة.. فضلا عن بغداد ودمشق (وبيروت)، ناهيك بالعلاقة مع دول المغرب العربى.

الملفت هنا أن بعض دول الخليج انطلقت تتنافس على النفوذ فى ليبيا، بعد إسقاط نظام القذافى، وقد وقع أكثر من تصادم بين قوات موالية للإمارات وأخرى موالية لقطر.

والملفت، أيضا، أن بعض دول الخليج قد تجرأ فخرق حاجز العداء مع إسرائيل.. وكانت قطر أولى الدول التى خرقت هذا الحاجز، متذرعة آنذاك «بالخطر السعودى».

وفى لقاء قديم ألح عليه حاكم قطر السابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثانى، حاول تبرير فعلته بالتهديد السعودى لشبه جزيرته باقتطاع نقطة التواصل البرى الوحيدة مع دولة الإمارات.. فاستنجد بإيران، فلم تلبِ نداءه، وكذلك بعراق صدام حسين فلم يستجب لطلبه، وهكذا ذهب يطلب الحماية من واشنطن فأبلغته أن بابها فى تل أبيب.. وعليه فقد أرسل وزير خارجيته حمد بن جاسم إلى واشنطن ليلتقى شيمون بيريز.. وانتهى بأن شكا التخلى العربى!
ويمكن لقطر أن تتباهى اليوم، بأنها كانت الأولى وليست الوحيدة من بين دول الخليج التى أقدمت على ارتكاب «الخطيئة الأصلية»: الاعتراف بالعدو الإسرائيلى..
***
فقبل أيام كان فى القدس، وبذريعة الصلاة فى المسجد الأقصى، وزير من سلطنة عمان، على رأس وفد محترم..
وقبل أسابيع كان فى القدس، وبذريعة الصلاة إياها، وفد «رسمى» من البحرين عهدت سلطاتها برئاسته لرجل دين «شيعى» وسط جمهرة من رجال مخابراتها.. سعيا إلى الفتنة بين المسلمين!

وهناك أحاديث عن احتمال وجود قنصلية إسرائيلية غير رسمية فى دبى، وأن هناك مشروعا لفتح ثانية فى أبوظبى، ولو مموهة..

هذا فضلا عن اللقاءات العلنية التى عقدها الأمير السعودى تركى الفيصل مع مسئولين إسرائيليين، تحت ستار «الحوار الثقافى».

الجديد فى الأمر: معركة النفط التى تشكل الآن العنصر الجديد فى «الحرب» العربية – الإسرائيلية.

الجبهة الأولى لهذه الحرب: الشواطئ الجنوبية فى لبنان المحاذية لفلسطين، وبالتحديد «البلوك رقم 9» من البلوكات التى قدر الخبراء أنها غنية بالغاز أساسا، وربما بالنفط أيضا.

وكان العدو الإسرائيلى قد نقب فاكتشف على الشاطئ ذاته، وقرب نقطة الحدود مع لبنان (عند الناقورة) حقول نفط وغاز، وباشر فى استثمارها..

ولقد فوجئ لبنان فى حومة الصراع مع العدو الإسرائيلى بأخبار مصدرها تل أبيب، سرعان ما أكدتها جهات رسمية فى القاهرة، عن صفقة هائلة تشترى بموجبها شركة خاصة مصرية الغاز من العدو بما قيمته مليار ونصف المليار دولار.

ولقد جاءت هذه الأخبار لتفسد فرحة اللبنانيين لاكتشاف حقل (ظهر) فى مصر على شاطئ المتوسط.. وهو الاكتشاف الذى أعلنت عنه القاهرة فى احتفال حضره الرئيس السيسى وبشر فيه المصريين بالاكتشاف الجديد الذى يغطى حاجة مصر فى السنة الأولى، وقد يفيض عنها فى السنوات التالية.. وما أكثر الدول الأوروبية التى تطلبه.

***

وفى رأى بعض خبراء النفط فى لبنان، وبينهم من فاوض العدو الإسرائيلى لسنوات عبر لجنة الهدنة التابعة للأمم المتحدة، والمشرفة على تنفيذ القرار 1701 الصادر بعد حرب تموز (يوليو) 2006، أن التهديد الإسرائيلى للبنان يستهدف «إخافته» لمنعه من استثمار ثروته من الغاز والنفط.

بل إن هؤلاء الخبراء يؤكدون أن الإعلان الإسرائيلى عن صفقة بيع الغاز المستخرج من الأرض الفلسطينية إلى شركة مصرية، ربما يأتى فى سياق الحرب الإسرائيلية على لبنان ومنعه من استثمار نفطه.

ولقد سارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الإعلان عن تبرعها ببذل «مساعيها الحميدة» التى باشرها وزير خارجيتها ريكس تيلرسون خلال زيارة الساعات الخمس إلى بيروت، ثم ترك فيها مساعده دافيد ساترفيلد الذى كان سفيرا سابقا فى بيروت، ليتابع «مساعيه الحميدة» مع الطرفين.. فقام السفير بزيارتين التقى خلالهما المسئولين الإسرائيليين وعاد من دون نتيجة تُذكر.

على أن لبنان قد أعلن بلسان كبار المسئولين فيه أن أى تهديد إسرائيلى لن يمنعه من استثمار النفط الواقع فى مياهه الإقليمية، والتى لا يمنع قربها النسبى من نقطة الحدود المشتركة مع فلسطين المحتلة، من العمل فيها والاستفادة من هذه الثروة الوطنية التى ستسهم فى تفريج أزماته الاقتصادية، لا سيما بعد إقفال الحدود البرية التى كانت تعبرها الشاحنات بمعدلات كثيفة يوميا، لنقل الإنتاج اللبنانى (لا سيما الفواكه والخضراوات) إلى العراق ومختلف أقطار الجزيرة والخليج..

وهكذا فإن الحرب الإسرائيلية على العرب مستمرة، بشهادة غارات الطيران الحربى المتواصلة على سوريا (والتى تناقص أعدادها بعد إسقاط طائرة f16 فوق الجليل داخل فلسطين)..

ثم بشهادة هذا الاعتداء العلنى على لبنان لحرمانه من ثروته المحتملة فى النفط والغاز، بينما هى تستمتع بالنفط والغاز المستخرج من أرض فلسطين المحتلة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved